كريستوفر هيتشنز: الرجل الأبيض يُعلِّمكم ويعِظكم../ د.أسعد أبو خليل*

«اليساري السابق» ليس ظاهرة لبنانيّة، أو حتى ظاهرة عربيّة حصراً. إنها ظاهرة عالميّة بدأت في الغرب عندما تهاوى يساريّون أمام ضربات الدولة الرأسماليّة وأجهزتها الاستخباريّة وملاحقاتها الإجراميّة. عندها، تهافت عدد من اليساريّين للإدلاء بدلوهم حول إعطاء معلومات وتقديم ملفّات عن رفاق شيوعيّين (سابقين) لأجهزة الأمن. بعض هؤلاء تعرّض للضرب والتعذيب والإقصاء والوضع على قوائم «سوداء».

اليساري السابق غالباً ـ لكن ليس دائماً، «الحق يقال» كما يُقال في مصر ـ مُخبر من الدرجة الأولى يتحمّس لمدّ أجهزة الأمن والمال بالمعلومات الصحيحة أو الملفّقة حول اليسار والعمال وتنظيماتهم. ولكن هناك من اليساريّين السابقين الذين يتحوّلون ويتلوّنون لأسباب عقائديّة أو مبدئيّة ـ إيه يا محسنين ومحسنات.

محمد كشلي مثلاً كان منادياً عنيداً بديكتاتوريّة العمّال ثم تحوّل بعد جلسات إقناع مع رفيق الحريري ـ والأخير كان مُقنعاً في الحجّة على ما يُروى ويُشاع ـ إلى مستشار الحريري لشؤون ضرب العمّال وقمعهم، مستفيداً آنذاك من عون النظام السوري الذي أراد لرفيق الحريري أن يفرض رأسماليّة متوحّشة على لبنان دون إزعاج أو إقلاق راحة. وكُلِّف حزب البعث والحزب القومي مساعدة الحريري في قمع العمّال أيضاً.

واليساري السابق في الغرب كان يُستدعى لحضور جلسات في الكونغرس لمساعدة الـ«ماكارثية». جلّى اليساريّون السابقون في حملات الـ«ماكارثيّة» وكانوا يتسابقون للإخبار عن رفاقهم السابقين. كانوا يرتدون أزهى الثياب وأفخر الحلي ليشتموا الشيوعيّة في وسائل الإعلام، ولإعلان التوبة (عندنا، تُعلن التوبة في مهرجان الجنادريّة الذكوري).

وهذا النزف في صفوف اليسار نحو اليمين بدأ في الأربعينيات والخمسينيات ولم ينته. المخرج إيليا كازان (ذو الأصل اليوناني وإن احتفت به محطة «ال.بي.سي» لبنانيّاً متفوِّقاً ـ وهل هناك لبناني غير متفوِّق في إعلام لبنان؟) كان واحداً من هؤلاء. بعض المبدئيّين في اليسار لم يغفروا له ذلك حتى عندما نال جائزة ما من تلك الهيئة التي تدير جوائز الأوسكار. وروبرت مردخ، مؤسّس شبكة فوكس اليمينيّة، كان يضع تمثالاً للينين في غرفته في الجامعة، وديفيد هروفتس (وهو يمثّل أقصى التطرّف اليميني والصهيوني في أميركا) كان في تنظيم ماركسي متطرِّف في الستينيات، ووزير الخارجيّة الفرنيس يساري سابق أيضاً.

ومن المعروف أن المحافظين الجدد أتوا في معظمهم من خلفيّات يساريّة وشيوعيّة. وإذا كانت منظمة العمل الشيوعي تمثّل المنبع الأساسي لليساريّين السابقين في لبنان (لماذا يا محسن ابراهيم؟ هلا نطقتَ؟) فإن التروتسكيّين في الغرب يمثّلون المنبع الأساسي لليساريّين السابقين هناك. ظاهرتان تحتاجان إلى تفسير وتحليل. طبعاً، كَتَب لينين في الانحراف والردّة، لكن تلك الكتابات منغلقة ومُتزمِّتة ولا ترتقي إلى مصاف التحليل المنهجي أو الطبقي.

كريستوفر هتشنز واحد من هؤلاء. أيام الدراسة الجامعيّة كان يساريّاً تروتسكيّاً مزايداً على الجميع. وكان معروفاً بحب الظهور وجذب الأضواء. وهاجر «الحبّوب» إلى الولايات المتحدّة حيث بدأ بالكتابة في الصحافة اليساريّة مثل مجلّة «نيشن». وهو متضلع من اللغة الانكيزيّة وآدابها، كذلك هو محدّث بارع يتمتع بطلاقة وبلاغة لا شك فيهما.

وكان هتشنز جريئاً في نقده لإسرائيل آنذاك. ووضع عدداً من الكتب منها واحد ضد الأم تيريزا فضح فيه علاقاتها الماديّة مع فاسدين ومع طغاة بالإضافة إلى مواقفها الرجعيّة سياسيّاً. لكنني لم أرتح للرجل منذ سمعته يخطب في العاصمة واشنطن عندما كنت تلميذاً جامعيّاً فيها. كان في أدائه ما يمكن ترجمته عن كلمة فرنسيّة مُعبّرة بـ«الشبّيح». دائماً «يضرب بوزات» ثوريّة سواء تطلّب الموقف أو لم يتطلّب. ثم لاحظت أنه يحشر نفسه في كل حدث أو قضيّة تُثار في الإعلام.

وعندما كان أبو نضال (الذي قال مرة عن حركة فتح إنها مجموعة من العملاء والخونة والفاسدين وإن تسرّب بعض الوطنيّين والأوادم في صفوفهم، مع أنه نفسه تحوّل إلى مرتزق) يملأ الإعلام الغربي في الثمانينيات بأعماله الإرهابيّة، طلع هتشنز فجأة في عدد من المقالات بزعم أنه قابل مرّة أبو نضال في مقهى في بغداد. أنا شككت في الأمر، وفي صدقيّة الرجل مذذاك. كيف يمكن من يعرف الحد الأدنى من المعرفة عن واقع المنظمات الفلسطينيّة وعن وضع منظمّة أبو نضال (المُخترقة من الاستخبارات الإسرائيليّة والأردنيّة والعراقيّة) أن يتخيّل أن أبو نضال، الذي كان مهجوساً بأمنه الشخصي، يمكن أن يتسكّع في مقهى في بغداد وأن يحتسي الجعة مع صحافي غربي لم يره يوماً؟

وعندما برز نجم بيل كلينتون زعم صاحبكم أنه كان يراه في جامعة أكسفورد وأنه ارتبط بامرأة كان كلينتون قد ارتبط بها من قبل. وهكذا دواليك. يريد أن يكون له في كل عرس أكثر من قرص، أو هو مثل «زيليك» في فيلم لوودي ألن.

وصاحبكم بدأ بالتذبذب في عهد كلينتون. كان مهووساً بالحياة الجنسيّة لبيل كلينتون ويحاول الظهور مظهر الحريص على حقوق المرأة، مع أنه معروف بتجاهله لقضايا المرأة وبعدم اكتراثه لها. وفي حمأة قضيّة سلمان رشدي، برز أيضاً مُدعياً أنه صديق صدوق لرشدي ونظم عدداً من القراءات من كتاب «آيات شيطانية». وأنا مع مناصرتي لحق الكتّاب (والكاتبات) في التعبير الحرّ المُتفلّت من القيود (ومن ضوابط المطران بشارة الراعي القروسطيّة) امتعضت من طريقة تعامل الرجل مع الموضوع. إذ إنه كان حريصاً على استفزاز مشاعر المسلمين والمسلمات بطريقة لا أخاله يفعلها بالنسبة إلى أبناء أو بنات أية ديانة إخرى.

وهذا الاستفزاز الانتقائي، أو العلمانيّة الانتقائيّة كما أسمّيها (ويمكن أن نسمّيها العلمانيّة الاستعماريّة على نسق النسويّة الاستعماريّة التي استعملها بوش في حربه على أفغانستان)، مألوفٌ في المجتمعات الغربيّة التي كانت معاداة الإسلام واللاساميّة جزءاً لا يتجزّأ من عقيدتها الدينيّة ونعراتها الثقافيّة.

وصال هتشنز وجال في الموضوع وكان ينظّم مهرجانات للشكوى من تخلّف المسلمين. وكان كمن يؤطّر المشاعر المعادية للإسلام في الغرب. لم يحاول أن يشرح السياق التاريخي للموضوع، وكان يمكن الدفاع عن حق رشدي في التعبير وفي إهانة الأذواق والمشاعر ـ وهذا بالضبط ما تعنيه حريّة التعبير بالإذن من بشارة الراعي الذي كان يمكن أن يجيد الإشراف على مطاردات الساحرات في القرون الوسطى ـ مع احترام حق المسلمين والمسلمات في التعبير السلمي عن الامتعاض والاستياء من الكتاب المذكور.

وكان هناك مثل هتشنز من يقول: كيف يمكن ملايين المسلمين أن يعترضوا على كتاب لم يقرأوه؟ وأنا كنت أجيب: مثلما يعترض اليهود على كتب معادية لليهودية من دون قراءتها، يحقُّ للمسلمين (والمسلمات) الاعتراض على كتب لم يقرأوها، لكن لا يحق للمسلمين في الغرب ما يحقّ لغيرهم.

حمل هتشنز قضيّة رشدي وكأن لا جور على وجه الأرض إلا في هذه القضيّة وكأن الظلم لم يقع إلا على صديقه رشدي. وفي الوقت الذي بدأ فيه صاحبكم بالتغيّر، اكتشف ـ يا للصدفة ـ أن أمه كانت يهوديّة، مثلما اكتشفت مادلين أولبرايت بالصدفة أنها من أصل يهودي. وفترت مواقف هتشنز ضد إسرائيل وتأثّرت صداقته بالراحل إدوارد سعيد الذي كان قد توقف عن تلقّي مكالمات هتشنز له. كان يتهرّب منه ويرفض أن يتحدّث معه، وخصوصاً بعد مواقفِه (الجبانة) إثر تفجيرات 11 أيلول. لكن تفجيرات أيلول جعلت من هتشنز شخصاً آخر، ووجد فرصة ذهبيّة في مجتمع يطرب لسماع اللكنة البريطانيّة في الحديث.

تحوّل صاحبكم إلى أكثر الأصوات صخباً ضد الإسلام والمسلمين في الغرب. انطلق هتشنز ليصبح أكثر المتطرّفين عداءً للعرب والمسلمين وللقضيّة الفلسطينيّة في أميركا، أو من أكثرهم صراخاً. فجأة، اعتنق قضيّة جورج بوش وبات من المرغوبين في أكثر المنتديات يمينيّة وعنصريّةً في أميركا. عتاة اليمين وجدوا فيه ضالتهم لطلاقته وبلاغته الخطابيّة والمحادثيّة. والرجل الذي رفض لسنوات أن يطلب وأن يحصل على الجنسيّة الأميركيّة بدأ بالمزايدة على الشعب الأميركي في حبّه للولايات المتحدّة وحصل على الجنسيّة الأميركيّة وكاد أن يبكي وهو يتحدّث عن لحظة تلويحه الأول بالعلم الأميركي كمواطن أميركي.

وأقام هتشنز علاقات وطيدة مع كبار المسؤولين في الإدارة الأميركيّة وقدّم خدمات استشاريّة لكارل روف، المستشار الرفيع في عهد بوش. الرجل الذي كان يمثل المعارضة اليساريّة للإمبراطوريّة الإميركيّة بات من أبواق الإمبراطوريّة الصادحة.

ولم يكتفِ هتشنز بالهتاف لغزو أفغانستان، بل كان من أشدّ المتحمّسين لغزو العراق. وكعادته، يحاول هتشنز أن يطلي مواقفه اليمينيّة بالطلاء الليبرالي (مثلما يصبح شعار «الدولة المدنيّة» في لبنان ستاراً لحكم آل الحريري الرجعي) عبر الزعم بأن غزو العراق كان لتحرير الشعب العراقي من طغيان صدّام. لكن هتشنز ينسى أنه كان في حقبته اليساريّة من المُطيّبين لحكم البعث في العراق، وكان يتحدّث بإعجاب عن تقدّم العراق وتنميته. وتوقّف الرجل هكذا فجأة عن ذكر جرائم إسرائيل وعن انتقادها. على العكس، أصبح مهادناً لاحتلال إسرائيل ومحمِّلاً ـ مثله مثل ياسر عبد ربّه ومحمّد دحلان وبنجامين نتانياهو ـ كل الملامة في ما يجري في أرض فلسطين من جرائم لحركة حماس، وكأن ظلماً لم يقع بحق الشعب الفلسطيني قبل ولادة حركة حماس في أواخر الثمانينيات. واستقال هتشنز من مجلّة «نيشن»، أو طُرد منها، وإن حاول أن يغطّي بعض مواقفه عبر الإشارة إلى «صداقته» لإدوارد سعيد. لكن أرملة سعيد فضحته وطلبت منه التوقّف عن استغلال ذكرى سعيد للتغطية على مواقفه الصهيونيّة واليمينيّة.

قبلتُ مرّة مناظرة هتشنز على محطة إذاعية أميركيّة لمدّة ساعة، وكان الحوار طبعاً ساخناً جداً من الطرفيْن. والغريب أنه يزهو بأنه كان أول من استعمل مصطلح «الفاشيّة الإسلاميّة» في إطلاق عشوائي على مجمل الشعوب الإسلاميّة. والعبارة وردت على لسان بوش في آخر أيّامه، وإن رفض كل من أوباما وكلينتون استعمالها في حملاتهما الانتخابيّة، ولو كان هناك بين الديموقراطيّين الصهاينة من يستعملها جزافاً.

وفي مناظرتي معه، ذكّرته بأن الفاشيّة والنازيّة كانتا حركتين جماهيريّتين استحوذتا على عقول ملايين من الناس، بينما لم تستطع «القاعدة» أن تحشد أكثر ممّن يمكن ان يُستوعَبوا في كهف واحد أو اثنيْن. وليس هناك من دلائل على قدرة بن لادن أو نائبه المتحدّث الرتيب على التأثير على الرأي العام العربي أو الإسلامي خارج نطاق المتطرّفين المتعصّبين على هامش إطار الحركات الإسلاميّة المتطرّفة، وإن كان مصباح الأحدب يبدو متصالحاً معها قبل الانتخابات النيابيّة.

ويعتبر هتشنز أن كل من يعارضه من العرب مُتّهم بالتعاطف مع القاعدة. ولم يكن صمت هتشنز عن كل ارتكابات إدارة بوش وجرائمها حول العالم صدفة لأنه تحوّل إلى بوق دعائي للإدارة. وكان هتشنز مشهوراً بمبالغاته في الأحاديث مثل زعمه حتى اللحظة أنه شاهد بأم عينه جموع العراقيّين يرمون الورود على جنود الغزو الأميركي. حتى مشاهد التعذيب في أبو غريب لم تزعج خاطر الرجل الذي لم يتوقّف عن مديح بوش وكرّر إعلان تصويته له في الانتخابات الرئاسيّة.

لكن الرجل بدأ في التحوّل الطفيف مرّة أخرى في آخر أيّام بوش (مثلما تجرّات صحيفة الأمير سلمان وصحيفة الأمير خالد بن سلطان على نقد بوش في آخر أسابيع ولايته ـ يا للشجاعة)، وأعلن من دون حماسة نيّته التصويت لأوباما مع إصراره على صوابيّة سياسات بوش وحروبه. وتمثّل بعض التغيير لديه في انتقاده لنمط من التعذيب استعملته الحكومة الأميركيّة ووكالات استخباراتها بعد 11 أيلول. ونمط التعذيب هذا مُتبع في دهاليز سجون العالم العربي ويُسمّى «شبه الإغراق» حيث يتعرّض السجين المُقنّع لكميّات هائلة من المياه حتى يخال المرء أنه يغرق فعلاً.

والتعذيب هذا يُعتبر... تعذيباً في كل المعايير حتى في الكتيّبات العسكريّة. وأخضعَ هتشنز نفسَه لتجربة هذا النمط من التعذيب وكتب عنها مقالة في مجلة «فانتي فير» أعلن فيها معارضته لهذا التعذيب بالذات (وأرسل لي رابطاً لمقالته في رسالة إلكترونيّة وكأنني سأُسرّ لأن الرجل الأبيض أعلن معارضته للتعذيب هذا، فهو وحده الذي يُقرّر).

وهتشنز ليس خبيراً في شؤون الشرق الأوسط ولا يجيد لغة من لغاته. وهو يتصنّع حب الأكراد لأن إعلان محبة الأكراد في الغرب يُعتبر مقبولاً، مع أن هتشنز لم يرفع صوته ضد التنظيميْن القبليّيْن اللذيْن يسيطران على الحياة السياسيّة في إقليم كردستان عندما تسبّبا بمقتل الآلاف من الأكراد في حروبهم (نتيجة صراعات على خوّات وسرقات وتهريب) في التسعينيات. و«الحبّوب» يزهو بصداقته لجلال طالباني الذي في تقلّباته الأيديولوجيّة يتفوّق على الجميع في العالم العربي (ربّما باستثناء عادل عبد المهدي الذي تقلّب من البعثيّة في شبابه إلى الحزب الشيوعي العراقي قبل أن ينضم إلى انشقاق ماوي ثم انضوى في صفوف فرق يساريّة في فرنسا وعاد وانضم إلى التنظيم الطلاّبي في حركة فتح قبل أن يستقرّ في تنظيم آل الحكيم الذي يوازي بين الولاء لخامنئي وبوش).

لكن هتشنز زار وطن الأرز أخيراً بدعوة من «مؤسّسة النهضة اللبنانيّة» التي يترأسها «القوّاتي» إيلي خوري الذي يدير أيضاً شركة «كوانتم»، والتي كشف الصحافي أرت لفين في مجلة «أميركن بروسبكت» أنها تلقّت عقوداً بملايين من الدولارات من شركة تلفزيون «الحرّة». وشركة كوانتم هي المرتبطة ـ وفقاً لما أخبرني به موظّف ـ بموقع «ليبانون ناو» (أو الحريري ناو، بالأحرى)، كذلك هي مرتبطة بتلك الإعلانات الدعائيّة الفجّة عن العراق والتي تُبث على بعض الأقنية العربيّة.

اصطحب هتشنز في الرحلة الحريريّة صحافيّين يمينيّين مثله، أحدهما كتب مقالة عن لبنان بعد عودته تضمّنت من الأخطاء ما يؤدّي بصحيفة محترمة إلى طرده، إذ أشار إلى 14 آذار بحركة 15 آذار، لكن موقع المجلّة عاد وصحِّح سرّاً من دون إعلان الأخطاء الفاضحة (بعدما أشرت لها في مدوّنتي). والآخر هو الصهيوني المُدوِّن مايكل توتن الحريص على نصرة إسرائيل في غزواتها. ورحّب سراة 14 آذار بضيوفهم، وخصوصاً وليد جنبلاط الذي يبدو أنه لا يفوّت فرصة للقاء رجل أبيض آت من الغرب. وقلّما تخلو مائدة وليد جنبلاط ـ على ما نقرأ في الصحف ـ من ضيف من لدن الرجل الأبيض حتى لو كان السكرتير العاشر في أية سفارة أوروبيّة.

ويحرص جنبلاط غير المعروف بصبره على التجوال في قصر المختارة أمام ضيوفه من الرجال البيض تمسكاً منه بأصول الضيافة. وتعرّض هتشنز لضرب طفيف من رجل في شارع الحمراء فيما كان الأول، وهو مخمور، يحاول أن يدنّس لوحة البطل خالد علوان الذي يستحق أن يُكرَّم بتمثال يفوق في حجمه حجم التمثال البصبوصي البشع أمام السان جورج.
وواحد من كتبة آل الحريري في نشرة المستقبل السلفي كتب عن هتشنز وكان واضحاً أنه لم يقرأ له كلمة. حدّث القراء عن دفاع هتشنز عن القضيّة الفلسطينيّة، مع أن الرجل يُعدّ في خانة بوش ونتنياهو وبولتون اليوم. ربما أراد تسويغ دعوة آل الحريري وإيلي خوري لشلة صهيونيّة لحضور الطقس الطائفي السنوي في ساحة الجنون المذهبي في بيروت.

ولم ينس هتشنز في حديث مع مضيفه «حريري ناو» أن يكيل المديح لنساء 14 آذار مقارناً إيّاهن بنساء 8 آذار اللواتي لم يجذبن السيّد هتشنز. وطلاّت الرجل الأبيض في لبنان تُعتبر فتحاً مبيناً، وخصوصاً إذا كان الرجل صهيونيّاً، لأن عصر المصالحة مع الصهيونية بدأ رسميّاً بأمر ملكي سعودي.

والبوق اللبناني للمحافظين الجديد في لبنان، مسؤول صفحة الرأي في «دايلي ستار»، مايكل يونغ، كتب دفاعاً طويلاً عن هتشنز بوجه منتقديه في محاضرته في الجامعة الأميركيّة في بيروت. والدعوة لهتشنز كانت باسم قسم دراسات الشرق الأوسط، مع أن طريف الخالدي لم يكن حتى على علم بها، كما أخبرني. و«يونغ» وبّخ من جرؤ على انتقاد هتشنز لأن «يونغ» يعتبر أن الشعب المتخلّف لا يحق له معارضة أو مساءلة الرجل الأبيض. «يونغ» أراد من العرب أن يؤيّدوا غزوات بوش لبلادهم لأنه حرّرهم ـ في رأي «يونغ» ـ من طاغية. نلاحظ أن لا «يونغ» ولا هتشنز يطالبان بحرب أميركيّة تحريريّة ضد... إسرائيل، مثلاً أو السعوديّة مع أن الاثنيْن طالبا بحرب تحريريّة أو أكثر ضد أعداء أميركا في الشرق الأوسط.

ولحسن حظ «الشعب» اللبناني مرّت زيارة الصحافي البريطاني ـ الأميركي، كريستوفر هيتشنز، إلى بيروت من دون ضجة ومن دون إعلام أو تغطية تذكر. وهذا ما يستحقّه. لكن الدعاية السياسيّة لـ 14 آذار تتذاكى: تظن أن حلفها الوطيد مع عتاة اليمين والصهيونيّة في أميركا ما زال مستتراً وخافياً على الرأي العام. وشبكات الإعلام المتشعِّبة في لبنان التي تتلقّى تمويلاً من آل الحريري كما ترتبط بأجهزة دعاية حكوميّة غربيّة، لكن الارتباط ـ تريدنا أبواق سعد ونادر الحريري أن نصدِّق ـ بريء كما كان حب قيس بن الملوّح بريئاً أيضاً. ودعوة هتشنز مُعبّرة عن هذا التعطّش لسماع آراء الرجل الأبيض في 8 آذار وفي 14 آذار: فإعلام حزب الله يطنطن لتوقّعات فرانكلين لامب (شبه الفلكيّة) عن الشرق الأوسط، مع أن الرجل لم يدرس المنطقة ولم يتدرّب في علم دراسات الشرق الأوسط. لكن إذا كان الرجل الأبيض يُسعد خاطر المعسكريْن، فإن ماركس وباكونين وهبزماوم وروزا لكسمبرغ وإما غولدمان ووالرستين هم من البيض أيضاً. وبلغ التماهي مع الرجل الأبيض حدّاً دفع براشد فايد إلى نعت جماهير 8 آذار بـ«العالمثالثيين». أي إن فايد أعلن رسميّاً اندماج فريق آل الحريري في العالم الأول، ما يجعل فايد رجلاً أبيض بامتياز. فلتُعقد حلقات الدبكة فوراً.

"الأخبار"