هل يتفق ملوك الطوائف في القاهرة؟../ راسم عبيدات*

......في استذكارنا واستحضارنا للتاريخ العربي- الإسلامي، الجميع منا يعرف أنه بسبب الخلاقات التي دبت بين أقطاب الدولة الأموية وتشكيل أكثر من حكومة خارجة على الحكومة المركزية، خسر الأمويين الأندلس وطردوا منها، وكذلك الحال زمن الدولة الأيوبية فالمعروف أن صلاح الدين الأيوبي حرر القدس من الفرنجة عام 1187، وبسبب الخلافات التي دبت بين ورثته من أبنائه وأشقائه، وحروبهم الداخلية واستعانتهم بالأعداء من الفرنجة لمحاربة بعضهم البعض خسروا الوطن وأعاد الفرنجة احتلال مدينة القدس ثانية.

وهذا المثال استحضرته لكي أوضح بأن الخلافات الداخلية وتجاوز الخطوط الحمر من خلال الاستعانة بالأعداء على الأهل وأل البيت، كان سبباً في خسارة البلاد وضياع الحقوق.

ولعل ما يجري على الساحتين العربية والفلسطينية شبيه إلى حد كبير بما جرى وحدث في عهد الدولتين الأموية والأيوبية، ومن قبلهما دولتا المناذرة والغساسنة. فنحن رأينا في أكثر من مرة أن القوى المعادية استخدمت الدول العربية في حروبها ومعاركها لاحتلال هذا القطر العربي أو ذاك أو حصاره وتجويعه.

وما جرى ويجري في العراق خير شاهد على ذلك، وما يجري في فلسطين أيضاً خير دليل وبرهان، حيث أن ملوك الطوائف وقبل أن تنتهي مرحلة التحرر الوطني وتكون هناك دولة فلسطينية مستقلة، اقتتلوا على وهم سلطة ليس لها أي مظهر من مظاهر السيادة الحقيقية، ودخلوا في حروب داخلية وقسموا جغرافيا الوطن وسلطاته خدمة لمصالحهم وأجنداتهم، وبات المشروع الوطني أكثر من أي وقت مضى مهددا بالتبدد والضياع، والتفكك السياسي، أعقبه أو وازاه تفكك اجتماعي، وبما يضع القضية الفلسطينية أمام خيارات صعبة وبما يقضي على الهوية والمشروع الوطني الفلسطينية.

واليوم وحوارات القاهرة تجري بين كل ألوان الطيف السياسي الفلسطيني، لا بد من القول أنه إذا ما استمر ملوك طوائفنا بالتمترس خلف أجنداتهم وفئويتهم ومصالحهم الخاصة ولم يبحثوا عن المساحات المشتركة والتي تضمن وحدة حقيقية تقوم على أساس استبعاد حل التناقضات بالوسائل العسكرية والاستعانة والإستقواء بالخارج والأعداء لحسم هذه الخلافات، فهذا يعني أول ما يعنيه أن الثمن سيكون القدس التي تتعرض لحرب شاملة من قبل الاحتلال، وبما يطال البشر والحجر والشجر فيها، حيث عمليات هدم البيوت بالجملة، ووصلت حد مرحلة تطهير عرقي منظم من خلال ترحيل وهدم أحياء فلسطينية كاملة، فهناك مئات العائلات الفلسطينية تلقت إخطارات بهدم منازلها كما هو الحال في أحياء البستان والعباسية في سلوان ورأس خميس في شعفاط والطور وغيرها، ناهيك عن الخسارة الكبيرة والمدمرة لكل منجزات وحقوق شعبنا الفلسطيني.

والمرجح أنها ستكون من خلال السيناريوهات والمشاريع التي ستطرح إقليميا ودولياً لحل القضية الفلسطينية في حال استمر الوضع الفلسطيني على حاله من انقسام وانفصال بالمعنيين السياسي والجغرافي، أو إذا ما أخذت الأمور منحى آخر بالعودة إلى الاقتتال الداخلي، وحينها سنكون أمام خيارات جاهزة لتصفية القضية الفلسطينية على شاكلة الإلحاق والضم والتطهير العرقي وغيرها. ونحن لسنا من السذاجة لكي نقول أنه من الممكن حل التناقضات بين الأطراف المتحاورة بشكل جذري، فنحن ندرك أننا أمام منهجين سياسيين، ولذلك لا بد من إيجاد آلية لإدارة هذه التناقضات، بعيداً عن لغة التخوين والتكفير والردة وغيرها، وبما يضمن تمثيل حقيقي وجاد لكل ألوان الطيف السياسي الفلسطيني، بعيداً عن لغة المحاصصة والصفقات الثنائية.

وكذلك في ظل هذه المرحلة والتي نشأت فيها سلطة فلسطينية تتولى القضايا الخدماتية والحياتية للسكان الفلسطينيين، فإنه يجب الاتفاق على إستراتيجية ومرجعية موحدتين، بحيث تكون السلطة هي العنوان في الهموم الحياتية اليومية، ومنظمة التحرير الفلسطينية هي العنوان السياسي. وهذا بالطبع بعد أن تصبح البيت الجامع والموحد والوحيد لكل ألوان الطيف السياسي الفلسطيني، وبعد أن يعاد رسم وتفعيل هيئاتها ومؤسساتها وهياكلها من جديد استناداً إلى ما حصل من إزاحات سياسية في المجتمع الفلسطيني على ضوء الانتخابات التشريعية الأخيرة.

ولعل الجميع يدرك حجم التدخلات الإقليمية والدولية في الشأن الفلسطيني، والتي أصبحت ساحة لتصفية هذه الخلافات، ناهيك عن وجود بصمات أمريكية- إسرائيلية في أمور الشأن الفلسطيني، أن هذين الطرفين بالتحديد يلعبان دوراً بارزاً وهاماً في إعاقة ومنع أي اتفاق ووحدة فلسطينية خدمة لأهدافهما ومصالحهما. فإسرائيل تريد تحقيق تغيرات جدية وجوهرية على الأرض من خلال مواصلة وتكثيف الاستيطان في الضفة الغربية، حيث يجرى الحديث عن نية الحكومة الإسرائيلية إضافة 73000 وحدة سكنية في الضفة الغربية، وبما يخل بالتوازن الديمغرافي بين العرب واليهود، ويقضي على أية إمكانية لإقامة دولة فلسطينية مستقلة، وبما يبقى الوضع الداخلي الفلسطيني ضعيفاً مقسما ومنفصلاً سياسيا وجغرافياً، وبوجود سلطتين بلديتين وبغض النظر عن تسميتهما الفلسطينية دولة أو إمارة أو إمبراطورية تخضعان بالمطلق جواً وبراً وبجراً لإسرائيل.

إن ملوك طوائفنا المجتمعين والمتحاورين في القاهرة أمام لحظة تاريخية حاسمة، يجب أن يرتقي فيها الجميع إلى مستوى المسؤولية والمرحلة وخاصة أن ما ينتظر الشعب الفلسطيني ينذر بالكثير من السوء والكوارث، فهناك حكومة إسرائيلية أغلبها من اليمين واليمين المتطرف، وتقوم على أساس عدم الاعتراف بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، وأقصى ما تؤمن به هو تحسين الظروف الاقتصادية للشعب الفلسطيني، ودون تقديم أية تنازلات لها علاقة بالانسحاب ووقف الاستيطان وغيرها من قضايا الحل النهائي.

ومن هنا فإن العودة بدون الاتفاق تعني أن ملوك طوائفنا يغلبون مصالحهم وامتيازاتهم وفئويتهم على المصالح العليا للشعب الفلسطيني، وتصبح الطريق معبدة وسالكة أمام القوى المعادية لتنفيذ مخططاتها وبرامجها التصفوية لشعبنا وقضيتنا الوطنية.

ولذلك لا يجوز لأي طرف فلسطيني مهما صغر أو كبر أن يدفع بالمشروع الوطني الفلسطيني والذي عمد بالدم والتضحيات نحو المجهول والتبدد والضياع خدمة وإرضاء لمصالح ضيقة أو أجندات وأولويات ومشاريع غير فلسطينية، وكما خسرنا العراق ومن قبلها الأندلس سنخسر البقية الباقية من فلسطين، وستستمر العجلة بالدوران على العرب الدولة تلو الأخرى فها هو البشير تصدر بحقه مذكرة توقيف دولية وغداً قد تصدر بحق آخرين..