أداء الأداة!../ عواطف الشيخ

من تابع أخبار „الفنانين” في الداخل في خضّم العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، وتحديداً تلك الرسائل والكتابات إلى ميرا عوض حول مشاركتها في مهرجان الأغنية الأوروبية „يوروفيجن 2009” مندوبة عن إسرائيل، إلى جانب احينوعم نيني، المحسوبة على „دعاة السلام”، فإنَّه سيعي حتمًا أزمة الهوية العميقة لدى فلسطينيي 48.

من يمعن في خلفيات النقاش سيدرك أنَّ ثمة ضرورة للعمل على تحديد موقعنا من المشروع الصهيوني وتوضيح مفهوم المواطنة لأقلية أصلانية وطنية داخل دولة مستعمرة تديرها الأغلبية لهدف عنصري مطلق وهو تكريس حقوق حصرية لها.

التمثيل والإكراه „ودلّوعي المواطنة”

قرأت أنَّ البعض احتج على „التوجه الجماعي” -إنْ صحَّ التعبير- إلى عوض من خلال رسائل مفتوحة في سعي منهم لإقناعها العدول عن فكرة مشاركتها، مبررين احتجاجهم المذكور بأنَّ هذا التوجه فيه „إكراه بحق ميرا عوض”، وعبارة عن فرض وجهة نظرٍ عليها.

من هذا المنطلق، لا بدَّ من توضيح نقطة أساسية في سياق „الإكراه”، فالقضية ليست „وجهة نظر” أو „حرية فرد”، ففي حال كان اختيارها فرديًا فإننا بطبيعة الحال لا شأن لنا باختياراتها، لكنَّ علينا الإنتباه إلى أنَّ عوض لن تغنّي في كونسيرت دوليٍ بصفتها الفردية، إنمَّا ستمثّل إسرائيل في مسابقة دولية وستقف على المسرح في موسكو ومن خلفها سيلوح العلم الإسرائيلي وكأنها تعرض للعالم „التعددية” داخل المجتمع الإسرائيلي.

بكلمات أخرى، فإنَّ عوض وبمشاركتها هذه ستفرض نفسها ممثلةً عن الأقلية الفلسطينية في الداخل والفلسطينيين بشكل عام، دون أن يهبها أحد هذا الخيار. ومن هنا يأتي الإكراه من طرفها بحقنا ولنا الحق الكامل بمطالبتها بعدم تمثيلنا.

من الواضح أنَّ عوض لا تعي مفهوم المواطنة والتي هي حق وليست منّة. إنَّ تحقيق المواطنة يأتي من خلال نضال أصحاب الحق في هذه البلاد، وليس خلاصة محاولات مهينة كي نثبت للأغلبية اليهودية بأننا „عرب صالحون” كما تبرّر عوض في حوار مع „بي بي سي”، حيث قالت: „أريد إستغلال شهرتي كممثلة، وممثلة لإسرائيل في يوروفيجن لاقناع الأغلبية اليهودية بالنظر إلى عرب إسرائيل بشكل مختلف”.

أنا أتساءل: كيف ستغير الاغلبية اليهودية نظرتها إلينا من خلال هذه المشاركة؟ وما هي الصورة التي تريد عوض نقلها عن „عرب إسرائيل” للاغلبية اليهودية في الدولة؟ هل تريد أن تقول لهم: أنظروا إلينا كم نحن لطيفون، نغني مثلكم، ونتحرك برشاقة على المسرح، لا ذيل لنا ولا أنياب تنهش؟!

الشخصي والعام

قد يتفهم بعض الفنانين قرار عوض، وقد يكون هذا التفهم ناجمًا عن تجربتهم الشخصية المرّة في العمل ضمن ظروف صعبة، وقد يقول البعض إنَّ قرار عوض الذهاب إلى موسكو „ليس جريمة” إنّما جاء لخدمة مصلحتها الشخصية كفنانة للانتقال من هناك إلى الشهرة العالمية.

ولكن في المقابل، علينا أن نعي بأنَّها فعلاً جريمة، فعندما تخطو عوض خطواتها نحو الشهرة العالمية لخدمة مصالحها الشخصية متجاهلة جثث أهل غزة وحطام المباني والثمن الذي لا تزال الأقلية الفلسطينية تدفعه منذ ستة عقود من التمييز الصارخ وسلب الحقوق الأساسية، فبطبيعة الحال لا شرعية لمصلحة شخصية إذا كان في ذلك مضرة لقضية شعب واقع تحت الاحتلال وفيها خدمة لمحتل فاشٍ.

„دعاة السلام”

تبرّر عوض أنَّ „داعية السلام” أحينوعم نيني، شريكتها بالأغنية، „مرتبكة” بسبب „خوفها من حماس”، كما قالت عوض في لقاءٍ مع „بي بي سي”، لكنَّ عليها أن تعلم بأنَّ حركات التضامن مع الفلسطينيين أعلنت مقاطعتها لنيني بسبب مواقفها من الحرب على غزة، أما عزيزتنا عوض، „الفلسطينية والتي ستبقى دائماً فلسطينية”، على حد تعبيرها، تعمل ضد نفسها في هذه الحالة خصوصًا وهي شريكة لمغنية أعطت شرعية للحرب الإسرائيلية على غزة وبررتها رافضة ما „زَعَمَه” الفلسطينيون بأنَّ العدوان على غزة أدَّى إلى قتل أكثر من 1440 فلسطينيا.، مدعية أنه „من بين 1200 قتيل المعترف بهم حسب جيش الدفاع الإسرائيلي هناك 580 إرهابيًا، منهم 320 رجلاً بالغًا ثلثهم ربما كانوا إرهابيين ناشطين، وفقط 300 كانوا نساءً وأطفالاً ومسنين، وهناك معلومات تدَّل بأنَّ نسبةً من النساء كنَّ إرهابياتٍ ناشطاتٍ أيضاً.”

أما بالنسبة لحماس، فتقول نيني: „حماس لا تستأهل موت ولد واحد من أولادنا، ولا تساوي جنديًا إسرائيليًا واحدًا! إنّها مسؤولية الشعب الفلسطيني ليلفظ حماس من أحشائه”.

وتتابع نيني: „منذ ولادتي وحتى قبل ولادتي، تعيش إسرائيل تحت وطأة هجماتٍ إرهابية فظيعة من قبل الإسلاميين الإرهابيين”.

تتبني „داعية السلام” ترويجات وزارة الخارجية الإسرائيلية التي تدّعي بأنَّ إسرائيل „ضحية إرهاب” وتبدع نيني هنا لتحول إسرائيل إلى „ضحية إرهاب إسلامي” عمره من عمرها „وأكثر”.
إنّ دعاة وشركاء السلام يا ميرا عوض لا يتقنون تذوق الحمص بدرجة إتقانهم دكّ السلاح.

المواطن الشفاف

لقد أسسّت إسرائيل على إيديولوجيا عنصرية تمنح حقوقًا حصرية ومطلقة للأغلبية اليهودية. منذ تأسيسها، عملت المؤسسة الاسرائيلية على إحباط اندماج المواطن الفلسطيني في المجتمع وكرَّست مبدأ separate but not equal.

عملياً، ابن خالة جدة عم زوجة إبن عم احينوعم نيني، الذي لا يملك المواطنة الإسرائيلية، والمتواجد في اليمن أو في أي بقعة اخرى على هذه المعمورة، يتمتع بحقوق أكثر من ميرا عوض نفسها بحسب المفهوم الإسرائيلي، فقط لانه يهودي. بما معناه أنَّ الحقوق مرتبطة بالقومية وليس المواطنة، والقومية هنا موروثة جينياً عن الأم اليهودية ولا تمنح بالتعاقد الاجتماعي أو الرغبة بالانضمام للمجموعة.

فالمواطن الفلسطيني في الداخل شفاف، لا تراه سياسات التخطيط للدولة ولا ميزانيات الحكومة، وأكبر دليل على هذا هو عيش ما يزيد على 85 ألف مواطن في النقب في ما يسمى بالقرى غير المعترف بها، فعملياً لا تقع هذه القرى على خرائط التخطيط ولا حتى على خرائط السير، ولن تستطيع عوض ولا شريكتها الوصول إلى هذه القرى إلا إذا طلبت الأخيرة من أصدقائها العرب بأن „يتقصّوا” لها اثر الطريق إليها.

العربي بنظرة الحكومة الإسرائيلية سلعة ينفذ تاريخ إستعمالها، مجرد برغي في ماكينة الدعاية يغير دورياً كلما حان موعد صيانته، لأنَّ براغي الدولة من العرب كثر، منهم ايوب قرا ومجلي وهبه وغالب مجادلة. وهناك براغٍ اهم يتحدثون الإنجليزية تدفعهم وزارة الخارجية الإسرائيلية لإقناع حركات التضامن مع الفلسطينيين في الخارج والمناهضة لجرائم إسرائيل وسياستها العنصرية للعدول عن مواقفهم، وتتبع إسرائيل بحنكة كبيرة سياسة „شهد شاهد من اهله”، وهل هناك ما هو أعذب من كذبة „الديمقراطية والمساواة”؟! أو أجمل من لوحةِ إذا رسمت بيد „عربي”. فالعربي مقنع عندما يبرر جريمة بحق عربي؟

لقد ضقنا ذرعاً بالقوالب التي تضعنا فيها الدولة المستعمرة وتساعدها ميرا عوض وأمثالها من الإنتهازيين الذين يعتقدون بأنهم أذكياء عندما يصدقون انهم يوظفون مؤسسات الدولة لصالحهم وانهم „حققوا إنجازاً آخر” من إستحقاقات المواطن الفلسطيني في الداخل حين يصلون إلى أماكن كهذه، ولكن حقيقة الأمر تبدو عكسية، فقد فرح بعض العرب بـ „المساواة” عندما فازت الحيفاوية رنا رسلان بلقب „ملكة جمال اسرائيل”، لكنَّ الرهان سقط حين ارتدت رسلان في المسابقة الدولية فستانًا تزينه „نجمة داوود” لأنه كان عليها أن تظهر صهيونية بكل ما تحويه الكلمة من معنى.

على هؤلاء أن يدركوا بأنَّ اختيارهم „التمثيلي”، لا يأتي عبثًا، وعلى ميرا عوض أن تبحث سؤالاً جادًا مع نفسها، فما هو المجد الذي ستحققه من على المنصات الدولية كأداة بيد المؤسسة الإسرائيلية الصهيونية؟