هل نجح العشرون في إنقاذ الرأسمالية من نفسها؟ / غسان العزي

لدى تفكك الاتحاد السوفييتي تنبأ محللون بسقوط مدو هو الآخر للرأسمالية. ألم يقل ماركس إن هذه الأخيرة تبدأ بالانهيار حين تصل إلى أوج توسعها؟ أليست العولمة المتوحشة هي أوج هذا التوسع؟

لكن محللين آخرين، وهم أيضا كثر، يعتقدون أن الرأسمالية تمتلك في ذاتها آليات التوصل إلى حلول لمشاكلها وتخطي أزماتها وبالتالي لا مجال البتة لتوقع انهيارها سيما أن لا بديل عنها كنظام اقتصادي في الأفق المنظور. أما الرأسمالية المفرطة او المتوحشة فيبدو انها لم تعد تلقى الاستحسان حتى في معاقلها. وبالتالي فان الحل الذي سعت اليه الدول العشرون في مؤتمر لندن “التاريخي” بكل المقاييس هو التضحية، على ما يبدو، بالليبرالية المتوحشة على معبد رأسمالية أكثر عقلانية وتوازنا وأقل جشعا وشراهة.

كان ثمة خوف من أن تفشل القمة فيذهب الاقتصاد العالمي إلى المجهول ومعه العالم بأسره والذي تختزن دوله الكبرى أسلحة قادرة على تحويل الكرة الارضية إلى رذاذ منثور. الرئيس ساركوزي تملكه الرعب من أن تخرج القمة ببيان نهائي على الطريقة المعهودة في القمم التي لا تريد الاعتراف بالفشل. لذا كان واضحا بالاعلان انه سوف يغادر القمة اذا احس انها تتجه صوب الفشل.

ثم كانت الابتسامات العريضة أمام الكاميرات العالمية التي لاحقت كل حركة في هذا “الحدث التاريخي لمواجهة ازمة استثنائية” كما قالت المستشارة ميركل. كل الزعماء المشاركين ابدوا فرحهم بنجاحهم في وضع الازمة على طريق الحل بعد ان اتحدوا لمحاربة الانكماش كما عبر غوردن براون. كذا كانت لهجة افتتاحيات الصحف الكبرى في العالم لاسيما الغربية منها وإن سمحت لشيء من الشك والتحفظ بأن ينسل ما بين سطورها. فهل نجحت قمة العشرين في لندن بوضع العولمة الرأسمالية على السكة المؤدية إلى انقاذها من نفسها؟

ينبغي عدم الاستهتار بأهمية القرارات الصادرة عمن سمتهم احدى الصحف “ضامني العالم” أي الدول التي تشكل اكثر من خمسة وثمانين في المائة من حجم الاقتصاد العالمي وتضم القوى العظمى مجتمعة وتمثل الاقتصادات الناشئة إلى جانب اكثرها تطورا وغنى. كما ينبغي عدم الاستخفاف بمبلغ الالف ومائة مليار دولار التي تم الاتفاق على ضخها في الاقتصاد العالمي (والتي تصل إلى خمسة تريليونات اذا حسبنا الآثار التراكمية) ليس لتنفيذ خطط تحفيز وطنية جديدة كما كان يتمنى براون ولكن لدعم الاقتصاد العالمي المعولم ككل كما أصر ساركوزي وميركل. لقد قفزت ميزانية صندوق النقد الدولي إلى 750 مليار دولار منها 250 ملياراً من حقوق السحب الخاصة التي يحق للصندوق استصدارها و250 ملياراً اخرى من الصناديق المركزية (مع مخاطر تضخم ينبغي مكافحتها) الأمر الذي حدا بمدير الصندوق دومينيك شتراوس-كاهن إلى التصريح بان العالم في تاريخه لم يعرف مثل هذه الخطة المتفق عليها دوليا. لقد اضحى هذا الصندوق “مؤسسة العالم المالية” كما عبر ساركوزي ما يعني انتهاء عصر الاوامر المعطاة للدول ب”اعادة الهيكلة الاقتصادية” والتي تسببت بانهيارات اجتماعية وسياسية لاسيما في العالم الثالث.

هذا الارتياح انسحب أيضاً على مدير المنظمة العالمية للتجارة باسكال لامي الذي عبر عن تفاؤله بأن اجتماع المنظمة المقبل في سردينيا في يوليو/تموز المقبل سوف ينجح في اخراج المفاوضات التجارية العالمية في اطار دورة الدوحة من المأزق الذي تقبع فيه منذ العام 2001. وفي سياق انجازات مؤتمر لندن الاتفاق على لوائح سوداء ورمادية للجنات الضريبية والمالية في العالم والتي من المفروض عليها منذ اليوم إعادة النظر في قواعد السرية المصرفية والمزيد من التعاون في مجال مكافحة تهريب الرساميل وتبييض الاموال والتهرب من دفع الضرائب وغيرها. وقد اتفق المؤتمرون على مجموعة اجراءات وعقوبات محددة ضد من لا يتعاون من هذه الدول. اضفاء المزيد من الاخلاقية والشفافية على الرأسمالية المعاصرة واشراك الاقتصادات الناشئة في القرار كان أحد اهداف المؤتمر في سبيل الخروج من الأزمة التي تعصف بالاقتصاد العالمي. وابتداء من العام المقبل سوف يكون لدول مثل الصين والهند والبرازيل حق التصويت في صندوق النقد كما أن مجموعة العشرين لن تكون مجرد مجموعة سبعة أو ثمانية موسعة فهي تمتلك صفة تمثيل الاقتصاد العالمي كله وليس اغنياءه فحسب.

على صعيد آخر، كان اللافت في القمة هذا التواضع الذي سيطر على سلوك الرئيس اوباما خلال الاجتماعات والمناقشات والذي لم يكن من شيم الامريكيين في السابق لاسيما خلال العهد المنصرم. لقد اعلن الرجل انه هنا ليس ليبدي أية فوقية أو يفرض رأياً بل للاستماع والنقاش والاقتراح والسعي مع الآخرين وراء الحلول المنشودة. بيد أنه لم يرضخ أمام الاصوات التي نادت باستبدال الدولار كعملة عالمية بعملة أخرى أو استنباط عملة جديدة تحل محل الدولار في التبادلات العالمية. فالمسألة جيو-استراتيجية بقدر ما هي نقدية، واوباما لم يذهب إلى لندن ليعلن استقالة بلاده من موقعها كقوة اعظم ولكن لكي يستخدم اسلوبا مختلفا في توكيد هذا المركز.

يبقى رغم كل شيء انه ينبغي على المرء ان يتمتع بالكثير من السذاجة كي يصدق أن الأزمة اضحت وراء ظهورنا، فاتخاذ القرارات على اهميتها شيء والقدرة على تنفيذها شيء آخر، والحسابات الكلية على المستوى العالمي شيء وتلك الوطنية شيء آخر لاسيما في الديمقراطيات القائمة على الاقتراع العام. لذا لن تكون مهمة الزعماء العائدين إلى أوطانهم من السهولة بمكان عندما ينبغي اقناع ناخبيهم بكيفية وضع حد للبطالة أو إنقاذ المؤسسات المتعثرة ولاسيما انهم لا يملكون في مالياتهم العامة الهوامش التي تسمح لهم بالمرونة والحركة. وامام الخيار بين احترام الالتزامات المتفق عليها في قمة لندن واتخاذ تدابير لا تتفق معها وتحظى بتأييد شعبي فقد يميلون إلى الخيار الثاني وعندها يحدث المحظور. هكذا بدأ الركود العالمي الكبير في العام 1929. لكن هل تعلم القيمون على عالمنا منه الدروس والعبر؟ الجواب في خلال العام المقبل وهو ليس ببعيد.