أوباما في بغداد: ما الجديد؟/ عبدالحسين شعبان

مرة أخرى يصل الرئيس الأمريكي باراك أوباما الى بغداد على نحو مفاجئ، وليس كما زار لندن وبراغ وأنقرة، ولكن زيارته هذه لم يعلن عنها إلا حينما وصل والتقى بعض المسؤولين العراقيين بمن فيهم رئيس الوزراء نوري المالكي.

لا شك في أن هناك تحسناً ملحوظاً في الوضع الأمني في العراق، خصوصاً خلال الأشهر الأخيرة حيث شهد النصف الثاني من العام 2008 وقبيل وبُعيد اجراء الانتخابات المحلية للمحافظات والأقضية والنواحي، مثل هذا التحسن، رغم ان القلق لا يزال يخيم على الكثير من الفاعليات والأنشطة، الأمر الذي يجعل من عناصر عدم الثبات والاستقرار مستمرة. وقد شهدت الأيام القليلة الماضية اختراقات أمنية وصدامات بين القوات الحكومية وقوات الصحوات في منطقة الفضل في بغداد وغيرها، فضلاً عن تفجيرات عديدة.

لقد ساهم التحسن النسبي في الوضع الأمني في تعزيز هيبة الدولة نسبياً، تلك التي انهارت بعد الاحتلال، خصوصاً عند حل المؤسسات العسكرية والأمنية بما فيها الجيش وقوى الأمن والشرطة وشرطة النجدة وشرطة المرور وحرس الحدود وغيرها.

وقد كانت نتائج الانتخابات الأخيرة أحد المؤشرات الأولية في هذا التوجه لدرجة ان انحساراً ملموساً شمل قوى كانت مهيمنة إلى حدود كبيرة على مجالس المحافظات وعلى البرلمان وعلى الشارع، حيث تقلّص نفوذها لمصلحة القوى الأقل تشدداً، خصوصاً إذا كانت من موقع الدولة، ويمكن القول إن انعطافاً “إيجابياً” محدوداً كان قد حصل لمصلحة القوى الأقل تطرفاً والتي عملت على استبعاد الشعارات الطائفية من خطابها المعلن على أقل تقدير. وإذا كانت النتائج لا تعكس الصورة الحقيقية للمجتمع العراقي بعد ست سنوات من الاحتلال الا انها تعتبر تغييراً أولياً في بعض التوجّهات، من داخل مواقع السلطة وليس خارجها بالدرجة الأساسية.

لقد طرح المالكي مسألة استعادة قوة ومركزية الدولة، خصوصاً بمواجهته لجماعة السيد مقتدى الصدر في البصرة ومدينة الثورة (الصدر) في بغداد ومواصلة ملاحقة تنظيمات القاعدة والجماعات المسلحة في الموصل وديالى التي تشكل عقداً عراقية تكاد تكون مزمنة، ولاسيما أن ثلاثة مكونات تتفاعل وتتداخل وتتعايش وتتصارع فيها، وهي: العرب والكرد والتركمان، فضلاً عن تعدد الأديان وتشعّب الطوائف فيها.

كما أن إصراره وتشجيعه المعلن والخفي لوزير النفط حسين الشهرستاني بشأن عدم الاعتراف أو اعادة النظر بعقود النفط التي ابرمتها حكومة اقليم كردستان ، جعله في نظر البعض يتخذ مواقف رجل دولة، وإن كان الأمر يثير اشكالات فيما يتعلق بصلاحيات وسلطات الأقاليم على حساب السلطة الاتحادية (الفيدرالية) طبقاً لما جاء في الدستور الذي هو مصدر الخلل والارتباك إزاء الكثير من القضايا العُقدية سواء المادة 140 المتعلقة بكركوك أو عقود النفط او صلاحيات الأقاليم وتنازع القوانين أو غيرها، تلك الأمور التي تثير تعارضات وتفسيرات واجتهادات ومصالح متضاربة.

أما جماعة “الوفاق الوطني” التي يرأسها رئيس الوزراء الأسبق الدكتور إياد علاوي والمقربة من الولايات المتحدة فقد ضعفت مواقعها، لاسيما بانسحاب البعض منها أو اعلانه مواقف مستقلة، حتى إن حزباً عريقاً مثل الحزب الشيوعي الذي هو طرف في كتلة الوفاق، لم يستطع الحصول على مقعد واحد من المقاعد ال 440 المتنافس عليها في انتخابات مجالس المحافظات.

وبقيت الكتلة الكردية “التحالف الكردستاني” الأكثر تماسكاً حتى الآن من بقية الجبهات والكتل البرلمانية والسياسية، ولديها أجندة أكثر وضوحاً من الكتل والجماعات الأخرى، رغم ما حصل من تصدع في حزب رئيس الجمهورية جلال الطالباني “الاتحاد الوطني الكردستاني” وبروز أصوات معارضة داخل كردستان منددة بالتجاوزات والانتهاكات والفساد، لكن الكتلة الكردية تعرف ما تريد.

ومن المؤشرات المهمة الأخرى هو التغيير في الاستراتيجية الأمريكية ما بعد عهد الرئيس بوش، ففي ظل ولاية الرئيس أوباما وفوز الديمقراطيين وتراجع الجمهوريين، يجري الحديث ليس وعوداً هذه المرة، بل واقعاً عن انسحاب امريكي خلال ال 18 شهراً القادمة، والتي بقي منها حالياً نحو سنة وأربعة أشهر وهو ما أكدته زيارة الرئيس أوباما الى بغداد مؤخراً. وإذا كان الانسحاب مقرراً، فالاختلاف كيف سيتم ومتى وهل سيترك العراق دون تأهيل قواته لتستطيع حمايته من التهديدات الخارجية والداخلية؟

ولعل هناك خلافات بين البنتاغون الذي وإن كان يقر بالانسحاب، الا انه يريده منظماً ويريد وجوداً أمريكياً ليتم اكمال المهمة من دون فشل أو خسائر أو فوضى، وبين ال CIA ووزارة الخارجية، اللتين تدركان حجم الخسائر من الناحية السياسية والمستقبلية، لكن الكل، لاسيما بعد قرار الرئيس أوباما يقرّ بالانسحاب، والانسحاب ليس لفشل المشروع الأمريكي في العراق حسب، بل للتبعات المالية الهائلة التي كلفها وللخسائر في الأرواح، ولاسيما بعد انسداد الآفاق، وهذه المسألة ناجمة عن الأزمة المالية والاقتصادية الخانقة التي تلفّ الولايات المتحدة والعالم خلال الأشهر الستة الماضية، والتي قد تستمر لسنتين حسب بعض التقديرات الاقتصادية، ولعل هذه هي أولوية الاولويات بالنسبة لواشنطن، فلم يعد العراق أو أفغانستان أولوية ضمن الاستراتيجية الأمريكية الجديدة.

وتريد الولايات المتحدة إكمال مهمتها بالابقاء على قواعد عسكرية تساعد القوات العراقية وللتدريب والتأهيل كما تقول، ومن جهة ثانية ضمان تدفق النفط واتفاقياته طبقاً للشروط الأمريكية، وإبقاء العراق خارج دائرة الصراع العربي- “الإسرائيلي”، وتلك إحدى القواعد الاساسية في الاستراتيجيات الأمريكية خلال العقود الستة ونيّف الماضية، فرغم التغييرات والتطورات التي تحدث، الا أن تلك الأهداف تكاد تكون “ثابتة” ومدّورة في خطط جميع الرؤساء الأمريكيين جمهوريين كانوا أم ديمقراطيين!

لقد أكد أوباما خلال زيارته المفاجئة الى العراق (مطلع نيسان/ابريل الجاري) أن الاستراتيجية الجديدة لا تريد البقاء في العراق، وتحمّل تبعات وأوزار ما حصل منذ غزوها العام 2003 والى أجل غير معلوم، وهو أمر لا طاقة لواشنطن عليه حالياً، خصوصاً أن البقاء مكلف ومستنزف وربما يجعل هزيمتها غير المعلنة شاملة، لاسيما انعكاساتها على سياسات واشنطن في الشرق الاوسط وربما على المستوى العالمي، بما فيها تأثيراتها في السياسة الداخلية.

الفرق بين بوش وأوباما، ان الأول هو المسؤول عن تبعات احتلال العراق وكان يصرّ على ان النصر قاب قوسين أو أدنى، وكان جدوله الزمني هو تراكم النجاحات حتى وإن كانت على الورق، أما بالنسبة لأوباما فإنه يريد التسريع في إنهاء الوجود العسكري الأمريكي في العراق، مع الابقاء على الحضور السياسي والنفوذ الاستخباري، مستفيداً من الأمر الواقع ووجود اتفاقية امريكية - عراقية.

ولعل هذا يعتمد بدرجة كبيرة على مدى قدرة الولايات المتحدة على سحب قواتها بصورة منضبطة ودون حدوث فوضى او فراغ أمني أو عسكري، ناهيكم عن اقرار دولي، لاسيما من دول الجوار وبخاصة ايران على عدم التدخل بالشؤون الداخلية العراقية.

باحث ومفكر عراقي

"االخليج"