المقاومة لا تنتقص من السيادة../ عبد الباري عطوان

أحدثت قضية اكتشاف 'خلية' تابعة لحزب الله تخطط لتهريب أسلحة ومعدات الى المحاصرين المجوّعين في قطاع غزة عبر الأراضي المصرية جدلاً حاداً في الأوساط السياسية والاعلامية العربية، ما زال مستمراً حتى هذه اللحظة، كشف عن حالة استقطاب جديدة، ومحاولة مدروسة لإذكاء نيران الطائفية المذهبية، وتوظيف كل ذلك في خدمة مشاريع أمريكية وإسرائيلية يتم طبخها حالياً بشكل متسارع في الغرف المظلمة.

فمن يتابع بعض المقالات في صحف 'دول الاعتدال' يجد تركيزاً مكثفاً على نقطتين اساسيتين، الأولى تجريم 'حزب الله' وفعلته، ونزع صفة الوطنية عنها، والثانية 'تقديس' مفهوم الدولة القومية والتشديد على ضرورة الحفاظ على سيادتها وحدودها في مواجهة محاولات الإلغاء التي تعتمدها قوى وتجمعات معارضة او متشددة تؤمن بمفهوم الأمة والخلافة الاسلامية العابرة لحدود الدولة مثل 'حزب الله'، وتعمل انطلاقاً من هذه المفاهيم على تقويض مفهوم الدولة، مما سيؤدي الى خلق حالة من الفوضى.

الحفاظ على مفهوم الدولة، وتكريس مبدأ السيادة الوطنية، وإحكام إغلاق الحدود في وجه اي اختراقات من الأمور المسلم بها، والتي لا خلاف عليها، شريطة أن تكون هذه الدولة تدار من قبل حكومة راشدة، تلتزم بشروط العقدين السياسي والاجتماعي، وتلبي حاجات وتطلعات شعوبها الوطنية والقومية.

ولا نبالغ اذا قلنا إن الغالبية الساحقة من الأنظمة والحكومات العربية لا تتوفر فيها هذه الشروط، ولهذا تعتبر في حكم الدول الفاشلة، او تلك التي تتجه بسرعة او ببطء الى هذه النتيجة المحتومة.

في الفترة السابقة، وبالتحديد منذ غزو القوات العراقية للكويت قبل عشرين عاماً تقريباً، خرج علينا وعاظ السلاطين بفتاوى تطالب باطاعة أولي الأمر لأنها واجبة ومنصوص عليها في القرآن الكريم، وذلك لتبرير سابقة الاستعانة بقوات اجنبية 'كافرة' لمحاربة دولة مسلمة وقواتها. والآن يذهب هؤلاء أنفسهم، وبعض الكتاب الدائرين في الفلك نفسه، الى ما هو ابعد من ذلك عندما يطالبون بالحفاظ على الدولة القومية ووحدة أراضيها في مواجهة بعض الجماعات المتشددة، في اشارة الى مصر في الحالة الأولى، و'حزب الله' في الحالة الثانية.

طاعة ولي الأمر أمر واجب، شريطة أن يستحق الطاعة، ويكون أهلاً لها، كأن يقود دولة ديمقراطية يتساوى فيها جميع المواطنين أمام قانون عادل مستقل، ويحاسب فيها الوزراء وأعضاء السلطة التنفيذية من قبل برلمان منتخب يملك صلاحيات كاملة. لكن أن يكون ولي الأمر فاسداً يترأس نظاماً قمعياً ينخره الفساد، ولا يعترف للمواطنين بأبسط حقوقهم الأساسية، فالطاعة هنا جريمة بل كبيرة الكبائر.

عندما طالبنا الخالق، جلّ وعلا، باحترام أولي الأمر، كان يحكمنا الرسول، صلى الله عليه وسلم، والخلفاء الراشدون من بعده، وكان مجلس الشورى يضم خيرة الصحابة، والمجاهدين الذين رفعوا راية الاسلام وشاركوا في الفتوحات. فعندما يتحلى الحكام بأخلاق رجل مثل سيدنا عمر بن الخطاب عليه السلام الذي رفض وهو على سرير الموت، ان يسمي ابنه عبد الله بن عمر التقي، الورع، حافظ القرآن، راوي الحديث النبوي الشريف، احد اربعة او خمسة مرشحين لخلافته، فإن طاعة هؤلاء 'فرض عين'، ومسألة محسومة سلفاً.

نعم هذه الجماعات المتشددة تهدد سيادة الدولة، وتريد تقويض استقرارها، لانها تتجاوز حدود القانون، باختراق الحدود، وفق مبررات ترى انها مقدسة، ولكن هذه الجماعات ما كان لها ان تقدم على ما أقدمت عليه لو أن الدول المعنية تقوم بواجباتها الوطنية كاملة، ولا ترهن سيادتها في خدمة مصالح وأجندات اجنبية.

فعندما كانت الدولة القومية تتحمل مسؤولياتها الوطنية، والقومية، والاخلاقية، لم نسمع عن مثل هذه الجماعات، وحتى ان وجدت، فبقرار من الحكومات، وكجزء لا يتجزأ من مشروعها الوطني التحرري، فقد كنا كعرب نشتكي من كثرة فصائل المقاومة الفلسطينية المدعومة من حكومات عربية. وربما يفيد التذكير بأن مصر العربية هي أول من تبنى فكرة انشاء منظمة التحرير الفلسطينية، وتأسيس جيش نظامي فلسطيني، بل إنها اول من اسس مجموعات فدائية بقيادة العقيد مصطفى حافظ، انطلاقاً من قطاع غزة في فترة الخمسينات من القرن الماضي.

أولو الامر، قادة الدول القومية، منشغلون حالياً في 'استجداء' السلام من خلال تقديم مبادرات وفق الشروط الامريكية، ويوظفون كل أراضي البلاد وثرواتها في خدمة مشاريع الهيمنة الامريكية. فلم يحدث في التاريخ، القديم منه والحديث، ان هبطت ثروة على أمة، مثل التي هبطت على الأمة العربية. ولم يحدث في التاريخ ان أهدرت هذه الثروات وتبددت بالطريقة التي نراها حالياً، حيث تذهب هذه الثروات في اتجاه واحد الى البنوك وفرص الاستثمارات الغربية، ولا تعود مطلقاً الى أصحابها، ولهذا تستفحل البطالة والأمية والامراض، وتتراجع الخدمات الاساسية.

لا بد من التفريق بين أمرين أساسيين، وهما تهريب الأسلحة الى المحاصرين المجوّعين المحتلين، سواء داخل قطاع غزة او أي ارض فلسطينية أخرى، وسواء عبر الحدود المصرية او أي حدود عربية أخرى، وبين الإقدام على هجمات تستهدف أهدافاً ومصالح داخل مصر، فالأول يبدو مشروعاً حسب القوانين والأعراف الدولية، وجرى فرضه من الجانب المصري باغلاق الحدود، وتفجير الانفاق. اما الثاني فيشكل تهديداً مرفوضاً لأمن مصر، ويقدم ذريعة للذين يريدون خلق فتنة بين مصر وأشقائها العرب.

الفوضى السياسية، وما قد يتبعها من فوضى أمنية، هي إفراز طبيعي متوقع لسياسات رسمية قصيرة النظر لا ترى ابعد من مصالح الحاكم الشخصية، وبطانته الفاسدة. فالمنطقة العربية بركان يغلي من شدة الحيف والقهر، بسبب سلسلة الإهانات المتواصلة على أيدي الإسرائيليين والقوى الاستعمارية.

جميع الأنظمة في العالم مستعدة للحرب دفاعاً عن كرامتها، وسيادتها، وقضاياها الوطنية، إلا الأنظمة العربية الحالية، فالتلفظ، مجرد التلفظ بمفردة 'الحرب' جريمة يعاقب عليها صاحبها بالاتهام بالكفر والزندقة التي تستحق إقامة 'حد الحرابة' اي دق العنق.

أمريكا ترسل قوات الى افغانستان والعراق اللذين يبعدان عنها أكثر من عشرة آلاف ميل على الأقل، للدفاع عن مصالحها، واسرائيل الدولة التي لا يزيد عدد سكانها على خمسة ملايين نسمة خاضت حربين في أقل من عامين، واحدة في جنوب لبنان، والثانية في قطاع غزة، وتستعد لخوض حرب ثالثة ضد إيران، وترسل طائراتها لقصف قوافل تنقل أسلحة شرق السودان، بينما الحكومات العربية، ترتعد خوفاً من جماعة متشددة، رغم أنها تكرّس نصف ميزانياتها لشراء الأسلحة و'علف' جيوش جرارة تكرّش قادتها من البطالة وقلة الحركة.

بعض الكتاب العرب يدافع عن سيادة وهمية، موجودة فقط في أذهان حكام لا يفهمون معناها، واذا فهموه فإنهم غير مستعدين للدفاع عنها، لأنهم رهنوها منذ زمن مقابل حفنة من الفضة.

ما قام به 'حزب الله' من محاولة لتهريب أسلحة هو 'وسام شرف' فعلاً، وليس جريمة، والمجرم الحقيقي هو من يهادن الأعداء ويشارك في حصار وتجويع الأشقاء في الدم والعقيدة، ويطلق العنان لأقلامه المسعورة لنهش أعراض الشرفاء الذين هزموا أعداء الامة وأذلوهم، وغيّروا جميع الموازين والمعادلات والنظريات العسكرية بانتصاراتهم غير المسبوقة عربياً.