عن المفاجأة والتفاجؤ واتساع الهوّة بين الوعد والتنفيذ../ خالد خليل

في نظرة خاطفة مدققة إلى الوراء، سرعان ما نلمح كمًا هائلاً من الوعود والالتزامات التي ظهرت على شكل خطط وبرامج ومشاريع لحل قضية الصراع العربي الإسرائيلي عن طريق التسوية والمفاوضات.

وفي كل مرة كانت تزدحم بها هذه الخطط والبرامج، ويزدحم معها المبعوثون والوفود في المنطقة، كانت تحدث المفاجأة، أي كان يحدث عكس المنشود والموعود، لتحل الحرب بدل السلام، والتوتر بدل الاستقرار. وهذا بالتأكيد لا يتطابق مع النظرة الاستاتيكية للتطورات السياسية المبنية على التحليل أحادي الوجهة، والذي يقود بالتالي إلى استنتاجات أحادية الجانب. إلا أن هذه الاستنتاجات ستصطدم في أحيان كثيرة بواقع مختلف، ضمن سيرورة تنافرية بين المتوقع والمتحصل، تغدو الوعود في إطارها هباءً منثورًا.

وها نحن أمام وعود جديدة وحراك سياسي ناشط لإدارة أوباما في كل الاتجاهات وعلى كافة المسارات، تبدأ من الإعلان عن المصالحة مع الإسلام والمسلمين، والانفراج في العلاقات مع إيران وسوريا، وحتى الوعد بحل قضية فلسطين من خلال ما يسمى مشروع الدولتين.

تعدنا إدارة أوباما بحل جميع النزاعات بالطرق السلمية واستبعاد العنف ولغة القوة. ويرى كثير من المحللين للشأن السياسي أنّ أوباما سيلزم إسرائيل بتغيير موقفها بحيث يؤدي إلى تقدم إيجابي على المسارين السوري والفلسطيني وصولاً إلى تسوية وفقًا للرؤية الأمريكية المقبولة على العرب. وحتى عندما تعلن إسرائيل أنها لن تقبل بإقامة دولة مستقلة للفلسطينيين، ولن تنسحب من الجولان، ولن تقبل بوجود إيران نووية، يصر هؤلاء على أنها مجرد تصريحات، وأن الإدارة الأمريكية مصرّة على تنفيذ "التسوية" قبل انتهاء الفترة الرئاسية الحالية.

إن عرض إدارة أوباما سياستها تجاه الشرق الأوسط ضمن صفقة شاملة من إيران إلى فلسطين، إنما تأتي في إطار النظرة الكليانية للأمن القومي الأمريكي في المنطقة بما يشمل باكستان وأفغانستان.

إلا أن هذه السياسة التي تسوق مقولة تغليب لغة الدبلوماسية على لغة القوة، تتناقض بالطبع مع ما تقوم به الولايات المتحدة من جرائم حرب وقتل وتدمير في باكستان وأفغانستان بحجة محاربة "الإرهاب" المتمثل بطالبان والقاعدة.

لم يتغير أي شيء جدي في السياسة الأمريكية نحو الأفضل، سوى الإعلان عن نية الانسحاب من العراق، وهذا بالنسبة لأوباما والديمقراطيين لا يعتبر تغيرًا، حيث أنهم عارضوا قبل توليهم السلطة الحرب على العراق، ليس من منظار حقوق الإنسان والشعوب، وإنما بسبب اعتبارهم فتح الحروب على عدة جبهات خطأً استراتيجيًا وتكتيكيًا يضع الولايات المتحدة أمام تحديات كبيرة لا تستطيع مواجهتها في آنٍ واحد، لأنها تحدث خللاً في موازين القوى من الناحية اللوجستية والعسكرية، علاوة على استعداء كم هائل من البشر في منطقة تشتعل غضبًا ضد الأمريكان والغرب الامبريالي.

لذلك اختارت الإدارة الأمريكية تنفيذ أهدافها في البؤر المختلفة ضمن تحديد واضح للأولويات. فكان ينبغي أولاً احتواء الأزمة في باكستان وأفغانستان، خاصة وأن مخاطر حقيقية باتت محدقة بالنظام الباكستاني والأفغاني مع تنامي قوة طالبان وحلفائها في البلدين، بشكلٍ قد يؤدي إلى قلب نظام الحكم في باكستان وسيطرة القوى المعادية لأمريكا على الدولة، وهذا بالتأكيد خطر استراتيجي بالنسبة للمشروع الأمني الأمريكي في المنطقة، علمًا أنّ باكستان دولة نووية عظيمة القوة والتأثير.

إن أمريكا لكي تستطيع علاج هذا الملف لا بد لها من التهدئة على الخطوط الأخرى. وبغض النظر عن الإغراءات التي ستطرحها الإدارة الأمريكية، فإنها لن تنجح بإنجاز التسوية في النزاع العربي الإسرائيلي، لكنها بلا شك ستنجح بإنجاز مهمة كسب الوقت بحجة العملية السياسية، التي نعتقد إنها ستطول كثيرًا، وعلى الأقل إلى حين الانتهاء من ملف باكستان – أفغانستان عسكريًا.

لا تتوفر نية أمريكية حقيقية لحل القضية الفلسطينية ضمن مفهوم العدل النسبي، أو بالأحرى السياسة الأمريكية غير مبنية على النوايا، إنما على استراتيجيات مُعدة سلفًا، وهذه الاستراتيجيات تنطلق من مفهوم التفوق الاستراتيجي لأمريكا وإسرائيل في الدرجة الأولى، وحماية أنظمة الاعتدال العربية بالدرجة الثانية بوصفها أدوات هامة للدفاع عن المشروع الأمريكي وتسويقه وقمع معارضيه. ولا أحد يتوقع أن تغيّر أمريكا وإسرائيل إستراتيجية التفوق الاستراتيجي، رغم كثافة التحليلات المؤيدة لأمريكا والمختصة باختلاق التفسيرات والشروح حتى للغة الجسد الأمريكي، علاوة على التصريحات العامة والغامضة لأقطاب الإدارة الأمريكية، لتصب جميعها في تحسين صورتها، في عملية خداع متواصلة منذ عقود.

الأمر الوحيد الذي بإمكانه تغيير الإستراتيجية الأمريكية والإسرائيلية هو مزيد من الفشل في تحقيق الأهداف. الفشل في الحسم العسكري في باكستان وأفغانستان، الفشل في إخضاع إيران، الفشل في الانسحاب من العراق، الفشل في إيقاع سورية وحماس في شراك التسوية الأمريكية، الفشل في تعزيز قوة محمود عباس، الفشل في تعزيز قوة 14 آذار في الانتخابات اللبنانية القادمة، الفشل وتلقي الضربات في أي حرب قادمة تقدم عليها إسرائيل وأمريكا في المنطقة، وأخيرًا الفشل في تأمين الاستقرار لأنظمة الاعتدال العربي.

إذن الوعود الأمريكية بصدد حل القضية الفلسطينية سيكون مصيرها الفشل وعدم التنفيذ، ومن راهن ويراهن على هذه الوعود سيصاب عاجلاً أم آجلاً بخيبة أمل وبالمفاجأة. وإذا كانت المفاجآت تعني الفشل المتراكم في تحقيق الوعود، على ما يحدد علماء الاجتماع، فإننا بلا شك مقدمون على عدد كبير من المفاجآت في المستقبل المنظور، وهذا ما يؤكده اتساع الهوة بين الوعد والتنفيذ.

باعتقادنا أنه كلما استطاع المحور المناهض للمشروع الأمريكي في المنطقة تفويت الفرصة على المحور المعادي في تحقيق أهدافه، كلما اشتدت شراسة هذا الأخير نحو مزيد من التدمير والحروب والمفاجآت البغيضة، بالنسبة للحالمين المراهنين على أمريكا، الذين يغمرهم التفاجؤ في كل هبّة ريح.

أما المحور المناهض إذا ما أعدّ نفسه جيدًا، فإنه لن يقع تحت سطوة المفاجأة والتفاجؤ، لأنّ الأمور بالنسبة له ستكون مبنية على قاعدة الإدراك والمعرفة للتغيرات الحاصلة، ولأنه ينظر إلى اشتداد الأزمات من زاوية اعتباره نذيرًا بانفراجها، حتى وإن كانت الحرب الثمن.