كل خيار عاطل إلاّ الثلث المعطّل../ جوزف سماحة*

كل خيار عاطل إلا خيار الثلث المعطّل. لا ضرورة لتسميته «الثلث المشارك»، أو «الضامن» أو «ثلث المشاركة»... لا ضرورة لذلك، إذا كان القصد الإيحاء بأن كل شيء على ما يرام.

يجب امتداح هذا «الثلث» بسبب قدرته التعطيلية. كما يجب القول إن المواطنين لم يسمعوا، حتى الآن، اقتراحاً واحداً يقنعهم بأن البديل من هذا الخيار موجود.

إن كل ما يجري إيراده شتماً لهذا الثلث هو، بالضبط، ما يجعله، في الظرف اللبناني الحالي، مغرياً. قد يعرقل إنشاء المحكمة الدولية. يؤدي إلى التحكّم بمصير الحكومة. يمارس النقض في حق القرارات الكبرى. يتيح التدخل في تطبيق 1701. «يخربط» على مؤتمر باريس ــ 3... هذه الاتهامات هي كلها أسباب تدفع إلى التمسّك بتركيبة حكومية غير القائمة حالياً.

يكفي أن نسلّم بوجود انشقاق وطني، ويكفي أن نكثر التحذير من الخراب المقبل والحرب الأهلية المحتملة، يكفي ذلك من أجل أن نقتنع بأن «الثلث المعطّل» هو أهون الشرور المقترحة على لبنان.

إن البلد أمام مفترق. إما الذهاب نحو صيغة تحتّم إجراء تسويات يومية، مع ما يعنيه ذلك من بطء في التحرك، ومن جمود، ومن الاضطرار إلى التخلّي عن قرارات يريدها هذا الطرف أو ذاك، وإما انفراد جهة بالقرار وتقدمها وحدها على طريق تختارها وترى أنها الأفضل، وإن زادت من ابتعادها عن الشركاء في الوطن.

يقود الاحتمال الأول، في حدّه الأقصى، إلى أن يتقدم اللبنانيون معاً، لكن بتباطؤ. يقود الاحتمال الثاني إلى أن يتقدم شطر منهم بسرعة، قائداً البلاد نحو مواجهات سياسية قاسية تدل طلائعها على احتمال امتلاكها بعداً عنفياً.

لا ضرورة للإفاضة في شرح مضار «الثلث المعطّل». إنها معروفة. ولكن الغريب هو أن من يشرح هذه الأضرار يتولّى، هو نفسه، التهويل من المخاطر الهائلة الموجودة في الوجهة المقابلة.

أن نتقدم معاً على مهل، وأن ندير بطريقة خلّاقة خلافاتنا، وأن نعيش سلماً أهلياً بارداً، خير من البديل الذي تتمسّك به الأكثرية النيابية والحكومية.

¶ ¶ ¶

ليس من المتوقع أن تتجاوب السلطة مع ما يبدو بديهياً. وليس وارداً أن يحصل ذلك وجورج بوش في عمّان (وربما في بيروت؟). لقد جعل الرئيس الأميركي الدفاع عن الحكومة اللبنانية بتوازنها الحالي أولوية سياسية للإدارة الأميركية. ونجح، فوق ذلك، في استدراج دعم أوروبي، علماً بأن كثيرين لم يكونوا في حاجة إلى أي استدراج.

إلا أن الحكمة تقتضي التدقيق بعض الشيء في معاني زيارة بوش إلى عمان من أجل الالتقاء برئيس الوزراء... العراقي.

لقد استبق الملك الأردني عبد الله الزيارة بالتحذير من ثلاث حروب أهلية في المشرق العربي: فلسطين، لبنان، العراق. ولاحظ كوفي أنان أن العراق على شفير حرب أهلية، ثم استطرد معرباً عن رضاه عن السياسة الأميركية في لبنان.

إن الرئيس الأميركي قادم من أجل البحث عن مخرج من الورطة العراقية. يريد الاستنجاد بالعرب المعتدلين في سبيل ذلك بعد أن كان يهدّدهم بسيف التغيير الديموقراطي.

سيحاول الاستفادة من العرض الانفتاحي المؤقت الذي قدّمه إيهود أولمرت من أجل تسويقه لدى أصدقائه في المنطقة ومطالبتهم بثمن يدفعونه مقابل ذلك. والواضح أن الخلفية الإجمالية لزيارة بوش هي نشوء إجماع، أو ما يشبه الإجماع، أميركي ودولي على فشل المغامرة العراقية. وسيجد الرئيس الأميركي نفسه مضطراً، شاء أو أبى، إلى إدخال تعديلات على سياسته، وخاصة مع تبلور اقتراحات بديلة في واشنطن.

ومع ذلك يبقى أن هناك من لم يتّعظ من الفشل الأميركي في العراق، ولا حتى من الاحتمالات الكبيرة للفشل الأميركي، والأطلسي، في أفغانستان. إن الاتّعاظ لا يعني تغيير الوجهة في العراق فقط، إنه يعني، أول ما يعني، عدم تكرار المغامرة نفسها في لبنان، حيث تدلّ المؤشرات كلها على أن هناك من يدفع نحو ذلك.

يفترض بالمشهد العراقي الحالي أن ينعش في ذاكرة اللبنانيين أهوال الحروب الأهلية. ويفترض، تأسيساً على ذلك، مغادرة الوهم القائل بأن الولايات المتحدة المسؤولة عن المذبحة العراقية هي غير الولايات المتحدة الساعية إلى خير اللبنانيين.

إن بوش العراقي هو بوش اللبناني. ووظيفة «الثلث المعطّل» هي، بالضبط، قطع الطريق على المصير العراقي للبنان.