أوروبا الغربية نفاق وازدواجية معايير غير مسبوقتين../ راسم عبيدات

منذ أن نشر الصحفي السويدي "دونالد بوستروم" من صحفية "أفتون بلاديت" تقريره بتاريخ 17/8/2009، عن قيام إسرائيل بسرقة أعضاء شهداء فلسطينيين والمتاجرة بها معززاً بالأدلة والقرائن، وهو يتعرض إلى حملة تشويه وتشهير وإقامة دعاوى ضده من قبل الحكومة الإسرائيلية، وضغط على الحكومة السويدية لإدانة وتكذيب التقرير والتنصل منه.

واللافت للأمر هنا ليس الموقف الإسرائيلي، وكأن إسرائيل "واحة الديمقراطية.. والديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط"، وجيشها لديه "أرفع وأسمى المعايير الأخلاقية"، وهو لم يرتكب "لا مجزرة ولا مذبحة ولم يقتل لا طفلاً ولا امرأةً، ولم يستخدم أسلحة محرمة دولياً"، أو وكأن كل ما يقال عن ارتكابها لجرائم حرب ومجازر واستخدام الأسلحة المحرمة دولياً هو كذب وخداع وتضليل ومعاداة للسامية.. الغريب في الأمر هنا هو التجند الغربي الأوربي خلف المواقف الإسرائيلية والدفاع المستميت عن كل خروقاتها وتجاوزاتها وخروجها على القانون الدولي، بحيث غدت أوروبا الغربية أكثر "كاثولكية من البابا نفسه"، بمعنى أنك في بعض الأحيان تجد بعض المؤسسات والحركات الإسرائيلية تدين وإن كان بخجل الممارسات والإجراءات العقابية والإذلالية التي تمارسها وترتكبها بحق الشعب الفلسطيني، ولكن أوروبا الغربية والتي ينصب قادتها ومؤسساتها من أنفسهم حماة ومدافعين عن حقوق الإنسان والديمقراطية، عندما يتعلق الأمر بإسرائيل وخروقاتها وتجاوزتها فهم "كالكلاب التي تتصارع على الجيفة" يهب كل واحد من جهته لكي يثبت ولاءه وحبه لإسرائيل، فأي كاتب أو موظف أوروبي غربي يتجرأ على انتقاد إسرائيل، ويشكك في حدوث المحرقة اليهودية أو عدم دقة الأرقام المعطاة عنها، فعدا عن حملة القدح والتشهير به، يتم طرده من وظيفته وحتى سجنه.

ولعله من المهم الإشارة بشيء من التفصيل إلى النفاق وازدواجية المعايير الأوروبية الغربية، فيما يتعلق بالقضايا العربية والإسلامية وفي القلب منها القضية الفلسطينية، ولكن قبل ذلك علينا القول إن من زرع دولة إسرائيل في خاصرة الأمة العربية، سيبقى حاضناً وراعياً لها، ولن يتخلى عن رعايته وحضانته لها، ما لم يحدث تهديد جدي لمصالحه عربياً وإسلامياً.

ففي الحرب الأخيرة على غزة كانون أول/2008، ارتكبت إسرائيل مجازر وجرائم حرب واستخدمت أسلحة محرمة دولياً من الفسفور الأبيض إلى الدايم بأدلة قطعية، وضربت وقصفت المؤسسات التعليمية ودور العبادة والمقرات والمؤسسات الدولية، ورغم كل ذلك رفضت أوروبا الغربية إدانة إسرائيل في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، وأيضاً عندما شنت إسرائيل حربها العدوانية على القطاع اعتبرت ذلك حرباً دفاعية مشروعة، واستجابت لطلب إسرائيل، بان وقف العدوان على غزة يجب أن يرتبط بقيام دول أوروبا الغربية، بتشكيل قوة أوروبية بحرية تجوب البحار والمحيطات وتراقب كل المداخل البحرية المؤدية إلى غزة من أجل منع تهريب السلاح إليها، وعندما أسرت المقاومة الفلسطينية الجندي الإسرائيلي "شاليط" تجند كل زعماء أوروبا لإدانة هذا العمل والمطالبة بإطلاق سراحه فوراً ،ولم ينس كل مسؤول أوروبي يزور إسرائيل أن يحج إلى بيت أسرة "شاليط" ويعلن تضامنه معها، في الوقت الذي فيه وصل تجاوز عدد الأسرى الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية 11 ألف أسير، مضى على وجود اثني عشر منهم أكثر من ربع قرن في السجون الإسرائيلية وفي ظروف غاية في المأساوية، ولم نسمع أي مسؤول أوروبي غربي يطالب لا بإطلاق سراح هؤلاء الأسرى أو حتى تحسين شروط اعتقالهم.

واليوم عندما نشر الصحفي السويدي تقريره حول سرقة إسرائيل لأعضاء الشهداء الفلسطينيين والمتاجرة بها، تجندت باقي الدول الأوروبية الغربية للضغط على الحكومة السويدية لإدانة هذا التقرير ووصفه "بالأكاذيب"، والذي يتولى هذه المهمة وزير الخارجية الإيطالي "فرانكو برتيني" فهو في هذا الصدد يقول في حديث لصحيفة: هارتس الإسرائيلية إنه اتفق مع وزير الخارجية السويدي كارل بيلت، الذي تتولى بلاده الرئاسة الدورية للاتحاد الأوروبي، على أن يتلي بتصريحات خلال اجتماع وزراء الإتحاد نهاية الأسبوع الحالي، مفادها أن "أوروبا تدين بشدة اللاسامية وأن الاتحاد الأوربي سيعمل ضد كل مظاهرها في القارة الأوروبية".

وقال برتيني أنه سيطالب خلال الجلسة غير الرسمية لوزراء الاتحاد الأوروبي بأن يتضمن البيان الختامي نبذاً لتقرير " أفتون بلاديت" السويدية، وان يعتبر تقريراً من هذا النوع "عملاً لا سامياً لا لبس فيه"، ووصلت وقاحة برتيني حد القول عن التقرير الصحفي حول سرقة أعضاء الشهداء الفلسطينيين، أن الحديث يدور ادعاءات فظيعة، كاذبة تلحق الأذى، ومن شأنها أن تساعد هؤلاء الذين يسعون للتحريض ضد اليهود والمعارضين لإسرائيل ووجودها".

وبرتيني هذا شأنه شأن رئيس الوزراء الفرنسي"ساركوزي" فهو يفاخر ويقول بأنه لن يألو أو يدخر جهداً من أجل إطلاق سراح الجندي الإسرائيلي المأسور "شاليط"، ويبرر ذلك كون الجندي الإسرائيلي يحمل الجنسية الفرنسية، في الوقت الذي فيه هناك أسير فلسطيني اسمه صلاح الحموري موجود في السجون الإسرائيلية ومحكوم سبع سنوات، وهو لم يحمل السلاح، بل قاوم الاحتلال بالمقاومة الشعبية، ولم يتطرق له "ساركوزي" مرة واحدة، بل اضطر تحت ضغط المؤسسات والمنظمات الحقوقية الفرنسية إلى توجيه رسالة إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي من باب رفع العتب يطلب منه العمل على إطلاق سراح المناضل الحموري.

أما وزير الخارجية الإيطالي "فرانكو برتيني" فيفاخر بأنه من أشد المؤيدين لرفع مستوى العلاقات بين أوروبا وإسرائيل، ويفاخر أيضاً بأن الضغط الايطالي هو الذي قاد إلى اتخاذ قرار في الاتحاد الأوروبي يقضي بفصل التقدم في العملية السلمية في الشرق الوسط عن رفع مستوى العلاقات مع إسرائيل.

إن هذا النفاق الأوروبي الغربي ومن قبله الأمريكي، و"تعهيرهم" للمعايير وازدواجيتها، سيستمر وبأخذ أشكالاً أكثر وقاحة وسفوراً، إذا لم يجابه بمواقف عربية صلبة، تتعامل مع هذه الدول بلغة المصالح، وتستخدم كل مقومات القوة العربية الاقتصادية والتجارية والمالية وبما في ذلك تفعيل المقاومة ودعمها واحتضانها، من أجل ممارسة ضغط جاد وحقيقي على أوروبا الغربية لحملها على التوقف عند حدها واتخاذ موقف تأخذ بعين الاعتبار المصالح العربية، وتحسب لها ألف حساب عند أي تصريح أو موقف تنوي اتخاذه بحق قضايا الأمة العربية.