ما الذي يحدد أشكال النضال في الداخل؟../ عوض عبد الفتاح

ما الذي يحدد اشكال النضال داخل الخط الاخضر؟ وما هي الوسائل الانجع لخوض غمار الكفاح دفاعا عن الوجود؟ وما هي بوصلتنا؟ هل تحدّدها الخلفية التاريخية لفلسطين فقط، باعتبارها ارضًا عربية- فلسطينية، ويقتضى تحريرها بكل الوسائل التي أقرَّتها القوانين الدولية؟ أم المواطنة التي فرضت على فلسطينيي الـ 48، التي تقتضي اعتماد الوسائل السياسية والبرلمانية والقانونية والشعبية؟ ثم ماذا مع أهداف النضال؟ إلى أي مدى تتسق أهداف عرب الداخل مع الأهداف التاريخية للحركة الوطنية الفلسطينية التاريخية (تحرير فلسطين) أو الاهداف الراهنة (دولة في الضفة والقطاع)؟ هل حسم عرب الداخل أمرهم، وتوحدوا حول هدفٍ واحد وإن بمضامين مختلفة؟ أم أنّ الأهداف مختلفة؟ وما هو موقف قيادات الحركة الوطنية الفسطينية عمومًا؟ وما هو موقف طلائع الأمة العربية التي تدافع عن أوطانها ضد مشروع الهيمنة الأجنبي، وترى بفلسطين جزءًا من الوطن العربي؟ هذه أسئلة حملتها التجربة الفلسطينية منذ النكبة. وباعتقادنا تمت الإجابة عنها إلى حدٍ كبيرٍ بعد مخاض طويلٍ ولا حاجة الى العودة الى الحقبة السابقة.

بطبيعة الحال، وما يحدّد أهداف النضال هو العامل التاريخي، أما ما يحدّد أشكال النضال فهو الخصوصية التي أفرزتها النكبة وقرار التقسيم الصادر عن الأمم المتحدة الذي اعترف بدولة إسرائيل، هذا القرار الذي كرَّس الصراع ونتائجه المأساوية. لقد انتج استمرار الصراع دون الوصول الى حل عادل ومن خلال القوة الإسرائيلية وقائع وتراكمات مادية وسياسية وثقافية انعكست على العلاقة بين عرب الداخل ودولة إسرائيل نظر إليها العالم باعتبارها جزءًا من الدولة الإسرائيلية.

وظلت هذه النظرة الى أن نجح عرب الداخل عام 2000 عبر هبتهم المجيدة الى لفت نظراللاعبين الدوليين والإقليميين في مسألة الصراع في المنطقة الى أنَّ هناك جانبًا آخر للقضية الفلسطينية الذي جرى إهماله أو تجاهله أو التقليل من موقعه أو دوره لفترة طويلة جرى خلالها تمجيد غربي وأطلسي بديمقراطية إسرائيل المزعومة.

معروف أنّه لم يكن لدى الحركة الوطنية الفلسطينية رؤية واضحة واستراتيجية سليمة بخصوص موقع ومستقبل ودور هذا الجزء من شعب فلسطين. فقد تراوحت التوجهات بين الرغبة، والعمل إلى حد ما، في زجهم في الكفاح المسلح خاصة في الخمسينيات والستينيات مرورًا بمرحلة تفهم ظروفهم، ووصولا (أو انحدارًا) إلى التوقع منهم التصويت لليسار الصهيوني (حزب العمل) عشية الدخول في نفق التسوية منذ اواخر الثمانينيات.

كما يجدر تذكر موقف آخر لا تزال بعض آثاره قائمة في العالم العربي، ألاوهو تهمة تخلي عرب الـ48 عن هويتهم وتاريخهم واندماجهم في الدولة اليهودية.

لقد سعت فصائل فلسطينية على مدار العقود الأربعة الأولى الى تجنيد عرب الداخل في الكفاح المسلح، كما اختار العديد من الشباب بمحض إرادتهم الإلتحاق بالمقاومة الفلسطينية تحت ضغط ظروف القمع الإسرائيلية وبتأثير صعود نجم القومية العربية (خصوصا الناصرية)، وعلو شأن المقاومة الفلسطينية منذ أواخر الستينيات.

لقد لوحظ بعد فترة طويلة حصول مراجعة لهذا التوجه من جانب قياداتٍ تلك الفصائل، ولأنّ هذا الأسلوب النضالي غير ملائم لظروف عرب الداخل. وتمخض عن هذا التوجه ترك الأمور في ايدي قيادات عرب الداخل يقررون أشكال نضالهم وأنماط تنظيمهم السياسي. ولكن صعود قوى مقاومة فلسطينية وغير فلسطينية دينية منذ أواخر الثمانينيات، أعاد هذا التوجه دون اعتبار المراجعة التي أجرتها فصائل فلسطينية لتوجهاتها بخصوص عرب الداخل. وهذه المراجعة تقول بعدم جواز تحميل هذا الجزء أو أي جزء من الشعب الفلسطيني فوق طاقته.

طبعًا هناك من الشباب من تجند بمحض إرادتهم لدى فصائل مقاومة، وهناك من وقع في فخ نصبته المخابرات الإسرائيلية لتسويغ نظرتها الأمنية إلى عرب الداخل وحملتها القمعية المادية والمعنوية ضدهم لإحكام السيطرة على ما تبقى من أراضيهم وثرواتهم ومنعهم من التطور كمجموعة لها حقوقها الكاملة.

هذه المظاهر العسكرية تتحمل إسرائيل المسؤولية عنها، إذ أن استمرار التنكر لحقوق الشعب الفلسطيني، ومواصلة إغتصاب وطنه وارتكاب المجازر والمذابح ينتج غضبًا شعبيًا عارمًا وأحيانًا أخرى ردود فعل فردية بين عرب الداخل ليس بالضرورة أن تكون مدروسة.

لقد اختار الفلسطينيون، وبالتحديد أحزابهم السياسية منذ عام 1948، النضال السياسي والشعبي والبرلماني، ولكنهم اختلفوا في التوجهات الفكرية والأيديولوجية وأيضا السياسية. هناك من اختار الاندماج في الدولة منذ البدء، وقبول يهوديتها واعتبارها ببيته الطبيعي، كالحزب الشيوعي، وهناك من رفض هذه المضامين وتبنى التوجه القومي لحركة الارض، والتي قمعت بشدة وشتت قادتها رغم أنها لم تكن حركة مسلحة.

ومنذ أوائل الثمنينيات، ظهر التيار الاسلامي الذي اختار أن يكون خارج البرلمان ويعتمد الأسلوب الدعوي والعمل الاجتماعي في مواجهة السياسات الإسرائيلية العنصرية والمعادية (إلى أن انشق جزء منه ودخل الكنيست).

لقد توحدت مؤخرًا معظم التيارات السياسية على الساحة العربية في الداخل حول رفض مصدر التمييز والقهر ألا وهو البنية الصهيونية، العنصرية والكولونيالية لدولة إسرائيل. وأسست أحزاب جديدة كالتجمع الوطني الديمقراطي برامجها على هذا الأساس.

وقد كان ظهور هذا الحزب ببرنامجه الداعي إلى تحقيق دولة المواطنين ومواجهة الصهيونية تحولاً نوعيًا في الخطاب والمفاهيم السياسية والأيدلوجية، إذ جعل خطاب الإندماج في حالة دفاع عن النفس.

كل ذلك أدى إلى خلق نفس قومي متجدد، عصري وحديث، وإنساني، ترى فيه إسرائيل أنه يهدد امتيازات الأكثرية اليهودية ويهدد أيدلوجيتها العنصرية. مما يدفعها إلى وضع التجمع الوطني في موضع شك في شرعيته وتعريضه لمحاولات متكررة لشطبه وإنهاء دوره. ربما كانت ترغب إسرائيل لو كان حزب التجمع حزبًا متطرفًا وشوفينيًا ليسهل ضربه، وهي تستغل حالات فردية تخرج عن السياق السياسي العام للتهويل وتسجيل المزيد من الإدعاءات ضد الحزب.

ولكن هذا الحزب ليس لقمة سائغة، فهو حزب قادر على إدارة نضاله بصورة مسؤولة ولكن بصورة مؤثرة. وقد أصبح رقمًا صعباً في معادلة عرب الداخل، وبوصلة لعموم القوميين الديمقراطين ولأوساط واسعة من جماهير شعبنا.