إذا رأيتم حوار القاهرة ينجح، فاتهموه....! / أيمن اللبدي*

ما يطلقون عليه في صحافتهم الجمهور«الإسرائيلي» أي المجموعات السكانية في الكيان على اختلافهم وتنوعهم وتوزيعهم، يلقون بالسمع إلى ما يقوله إعلام حزب الله اللبناني والمقاومة الوطنية اللبنانية، وأكثر تحديداً إنهم يؤمنون بما يقوله سماحة السيد حسن نصر الله عن أحوالهم وما ينتظرهم، وهم يصدقون الأمين العام ولا يحتاجون على ما يعدهم به مراجعة، وفي واقع الحال فإنهم محقون جداً في هذه المسألة وقد اختاروا الوقوف فعلاً على الحقيقة من منابعها، دون الحاجة إلى الانتظار عدة سنوات لاكتشاف المختفي والمخفي.

الشعب الفلسطيني المقيم تحديداً على أرض فلسطين المحتلة، في مسائل المستقبل ومعالجة مصائبه ومعاناته عل الطريقة الشعبية الخاصة، ومن ذات آليات الجمهور وما يصدّق أو يلقي إليه بسمع، كان في واقع الأمر فريسة لتصديق من لا يجب أن يلقى إليه سمع ولا يجتلب بصراً، فهو ويا لشديد لأسف ابتلع طعماً غريباً وعجيباً اسمه «اليسار الإسرائيلي» في أول الأمر، ألقى به هذا الأخير بعد برهة في أحضان قنطرة حزب العمل، وطبعاً قبل أن ينفرط إلى شكل «كاديما» وبعض أجزائها، واليوم أظنه لن يصدّق إلا ليبرمان وأمثاله في شأن حقيقة ما يعدون.

أظن بالنسبة لي أن تصديق وزير خارجية العدو، في مسألة «خداع» السلام القائمة منذ عقدين، أحوط كثيراً من تصديق ألاعيب شمعون بيريس، وبالقطع ليس هذيان سلام فياض الطفولي عن مسألة الدولة أم السنتين، ويا لهاتيكم الدولة التي يبدو أنها فعلاً أصبحت مقصلة على عنق القضية الوطنية الفلسطينية، طالما هي مادة الابتزاز السياسي الأكثر استخداماً في وجه الفلسطيني، سيما وهي تفرغ من المعاني الحقيقية وتقدّم فارغة من المضمون والضمانات، على طريق تصفية جوهر القضية الفلسطينية وتحطيم لب الحقوق السياسية الفلسطينية، حيث هو موضع الفعل الحقيقي في شأن المستقبل الحقيقي، وليست تجارة الأوهام المعاد تعليبها كل مرة.

لبعض الناس الذين مروا في تاريخ الثورة الفلسطينية، يحملون سيجار الرفيق كاسترو، وعيونهم ليس على قبعة الرفيق تشي، وإنما على لون ربطة عنق المستر هنري كسنجر، وقصة الــ99% وبقية المنسوجة الانمساخية، هم أنفسهم الذين يحاولون بين الفينة والفينة المرور على ذلك الماضي لشراء ما يمكن من أوراق التوت لتغطية خياناتهم التي بدأت منذ أمد بعيد، بل ربما حتى قبل أن تضع لها الإدارات الأمريكية أو حتى الحكومات الصهيونية سعراً ومساراً، هؤلاء الذين كانت مواقعهم في دوائر المكاتب الخلفية دوماً وفي موقع التنفيذ، في لحظات تغيير الكراسي داخل اللعبة الموسيقية، لم يكونوا يستعدون لجولة جديدة، بل كانوا منشغلين في تغيير الأغنية نفسها بمساعدة بعض من صادف استعداده لوكالة ربع الشوط الأخير. إذن في مسألة التصديق والتكذيب فهناك دوماً موضع بعينه يختصر الطريق، وهناك مصدر أكثر قرباً من حقيقة الأشياء، وفي مسألة الثورة الفلسطينية لن أصدق حملة سيجار كاسترو ورباط حذاء هنري أبداً، بل سأصدق أن الحصاد من فوهة بندقية ولسان صادق كلسان تجربة الشيخ حسن نصرالله..

بعض الذين درجوا على اللف والدوران وأدوار الحاوي في الساحة الفلسطينية، يبدو أن هذه الأيام انفرجت لهم «طاقة» الحظ فبدأ يمارس الشعوذة علناً، ومن هؤلاء من كان يفاخر بأنه قد مارس دورا على هذا وذاك، وأنه تمكن من خداع بعضهم لصالح بعضهم الآخر، حينما يتكلم هؤلاء في شأن ما على مقياس المصالحة الوطنية، لا بد وأن يقرع جرس الإنذار بلا هوادة، وعندما يتحدث أحدهم وهو يحتل مقعد رئيس المجلس الوطني الفلسطيني- سليم الزعنون - عن انخراطه في مهمة جديدة للحوار والمصالحة، ويبدأ في الحركة على أساس أنه حمامة السلام بين الفرقاء وموطن الثقة لعقد الصلح والمصالحة، فإن الحقيقة هي بالضبط على مدار آخر تماماً وفي موقع آخر تماماً، بالضبط كما علمتنا التواريخ القريبة والبعيدة لصاحبنا وعلى الأقل فترة مؤتمر «السداسية» في بيت لحم أخيراً.

المصلحة العليا للشعب الفلسطيني بالتأكيد هي في وحدته الوطنية، لكنها يجب أن تنهض وحدة وطنية على أساس الحفاظ على الحقوق والنضال من أجلها، بالضبط مثلما كانت دائماً طيلة الفترة المنصرمة بشكل رئيس، ولكنها عندما تكون مجرّد غطاء لفصول التوريط فالتفريط ليست بالقطع في مصلحة الشعب الفلسطيني فضلاً عن أنها ليست وحدة وغنما صيغة تقاسم لا أكثر ولا أقل، والنمط الذي يدور حوله حديث السيد زعنون ورفاقه لا تغادر هذه «المهمة» الجديدة للرجل وأمثاله على الساحة السياسية الفلسطينية، مثلما كانت مهمة من نوع آخر قد أسندت في إيجاد صيغ تقاسمية أخرى لغنيم ولقريع وغيرهم داخل حركة «فتح»، وتفريغها من محتواها ومضمونها النضالي الوطني.

الحقيقة أن محمود عباس لا يريد أشياء كثيرة، أولها الوحدة الوطنية على أساس كفاحي ونضالي، وهي ليست بسر كبير، فالرجل قد كان السبب الأول في إفشال كافة الحوارات والمواثيق والاتفاقيات السابقة على علّاتها، وليس اتفاق القاهرة الذي عطله بقوة ومنع تنفيذه عن الصورة ببعيد، وهو كما كان لا يريد لحركة « فتح» أن تبقى على شعرة معاوية مع المقاومة ونهجها وقدرتها، وحرص على قطع كل ما له علاقة حقيقية بالماضي الكفاحي في هذه البؤرة، وسعى إلى تجفيف منابعها واستبداله بمفردات وأدوات ثقافة الجمود والاستخذاء، والاحتجاج بحسب حدود «خارطة الطريق» وما قد يعطي عليه كيث دايتون الموافقة، مثل هذا النمط الطبيعي من الانسلاخ لا يفترض لحمة من أي نوع في مكان نقيض، ولهذا فإن مسألة ما جرى في قطاع غزة بعد توقيع اتفاق مكة، هو في حقيقة الأمر أقرب لأن يكون جزءاً من منظومة أماني محمود عباس بالخلاص من غزة، وفي حقيقة الأمر الخلاص من أي ضغوط تجاه وحدة وطنية من نوع لا يخدم اندحاره المتسارع.

وإذا كان محمود عباس الذي ينقل سليم الزعنون عنه في حديثه مؤخراً، أنه سمح له بلا حرج أن يفتي في أمر ملف من هذا النوع وهذه الأهمية، لم يقدم على تنفيذ مستحقات أساسية في هذه العملية من نوع إطلاق المعتقلين السياسيين الذين عاد واعترف بوجود 400 منهم في سجون فياض- دايتون لديه، وذلك عندما كانت حركة « فتح» لا زالت بعد غير محسومة الفرز بالقولبة على أساس الحزبية لسلطة الحكم الذاتي، فهل يعقل أن يفعلها الآن بعد أن قفز شوطاً كبيراً إلى ملعب نهج التوريط المفضي إلى التفريط؟ سؤال لا أظن أن أحداً في قيادة حركة «حماس» يجهل ما يفضي إليه، عوضاً عن أن تغريه رشوة السيد زعنزن بحكاية عضوية في نمط مجلسه الوطني الذي يجمع ويفرّق بحسب مقتضيات المطلوب تنفيذه في مرحلة بعينها، دون أن يكون له من دور سوى دور إما تنفيذ الخروقات الخطيرة لأسس عمله ومقتضيات نشاطه، أو شهادة الزور فيما يطرأ داخل المنازعات الفصائلية أو بين عباس وقادة آخرين في الساحة الفلسطينية.
يوجد اليوم «فتح» أخرى بيد محمود عباس، وكذلك يوجد « م.ت.ف» أخرى، والذي يريده عباس من حوار كحوار القاهرة أو غيرها اليوم من «حماس»، لا يختلف عن هذه الصيغة، إنه يريد « حماس» أخرى، تمنحه حرية الحركة في مسألة التفويض والمراوحة داخل «فخ نتنياهو»
وطبعاً اليوروات الأوروبية والرضا الأمركي، ولا مانع أن تقتسم معه سلطة «دايتون» وحتى خيمة مرقّعة باسم منظمة التحرير لا علاقة لها لا بالتحرير ولا بالشعب الفلسطيني أصلاً، ولذا فإن مثل هذا الذي يريده عباس ويفضحه علناً ولا يخفيه، يعني نجاح حوار القاهرة قبول «حماس» بهذا النوع من المحاصصة والمقاسمة، وفشله يعني التزام حماس الصيغة الوطنية الشاملة التي تفترض شيئا مغايراً تماماً، فهي تفترض حواراً حقيقيا جاداً وشاملاً تقوده الصفوف الوطنية في الساحة الفلسطينية، يأتي في مخاض جلسة مؤتمر شعبي حاشد ومجلس وطني شرعي كامل لكل الفصائل والمستقلين، تنتخب هيئات وأطر قيادية حقيقية، تعيد الالتزام بالميثاق الوطني الفلسطيني، وتوقف مسلسل العبث بالحاضر والمستقبل الفلسطيني.

ثمة سؤال بأمانة لا ينتظر «حماس» وحدها، بل أيضا ينتظر قوة «فتح» الحقيقية وغير المختطفة رهينة للثنائي (عباس- فياض)، في كوادرها وجماهيرها الأصيلة التي بقيت على العهد والقسم، كما هو بالقطع مطروح على كل فصائل العمل الوطني- الإسلامي جزء منها- بلا استثناء لإعادة صياغة الخيمة الحقيقية في «م..ت.ف»، والبرنامج الكفاحي الذي يمكن الركون إلى المستقبل عبره، والأجهزة والأطر والمؤسسات والقيادة الأمينة على مستقبل الشعب الفلسطيني وخياراته، وكل ما يتم تحت الاحتلال هو سلطات محلية ومحتلة لا قيمة مرجعية من الناحية الوطنية له ولو تسمت باسم السلطة، وهي بهذا تستحق أن تعاد إلى مستوى الرف الذي قفزت عنه لتفجر الطريق الفلسطيني، وسواء أكان عندها في القاهرة أو غيرها لا يهم، المهم أن يكون على هذه الصفة حتى يوقف مسلسل البذاءة السياسي والفجور الوطني الذي تساق إليه القضية الفلسطينية، عبر سياسات تعدت الخرق والطيش اليوم، إلى مستويات الشك الحقيقي بوجود ما يقترب من حدود أخرى خطيرة، ألقت على بعضها وثيقة وزير خارجية دولة فلسطين السيد فاروق القدومي بعض من شكوكها ولم يقترب منها أحد حتى الساعة بأي جواب!


* نائب رئيس تحرير صحيفة «الحقائق» - المشرف العام على «الحقائق الثقافية».

ayman@alhaqaeq.net