التطبيع مقابل التجميد المؤقت للاستيطان../ راسم عبيدات*

من الواضح أن إسرائيل هي من يمسك بخيوط اللعبة، وتسير وفق إيقاعاتها، وهي تتحكم بمداخلها ومخارجها من الألف إلى الياء، والطرف الفلسطيني المفاوض والأطراف العربية، وفي ظل غياب موقف فلسطيني وعربي موحدين وقويين وغياب أية إستراتيجية وآليات وبدائل لكيفية المواجهة والقدرة على التأثير والفعل، وحصر الخيار العربي والفلسطيني بالخيار التفاوضي، فلا مناص أمام العرب سوى التسليم بالشروط الإسرائيلية والأمريكية والاستجابة لها.

ولعل الجميع منا يعرف أن المبادرة أو ما يعرف بخطة "أوباما" الأمريكية تقوم على أساس الوقف الشامل والكلي لكافة الأنشطة الاستيطانية في الضفة والقدس، وبما في ذلك ما يسمى بالنمو والزيادة الطبيعية للمستوطنات مقابل التطبيع العربي مع إسرائيل. ولكن هذه المبادرة كحال غيرها من المبادرات والمشاريع التي طرحت سابقاً، تبادر إسرائيل إلى رفضها ووضع اشتراطاتها عليها، وبما يفرغها من محتواها ومضمونها، ويوفر لها الوقت الكافي لإقامة واستمرار أعمالها ومشاريعها على الأرض لفرض حقائق ووقائع جديدة.

والأمثلة في هذا السياق كثيرة، فخارطة الطريق التي طرحتها الإدارة الأمريكية السابقة كمدخل لحل الصراع العربي- الإسرائيلي وجوهره القضية الفلسطينية، وضع عليها رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق "أرئيل شارون" أربعة عشر تعديلاً وتحفظاً. وطبعاً الإدارة الأمريكية تعاطت مع هذه التحفظات.

ويبدو أن خطة أو مبادرة أوباما لن تكون أكثر حظاً من سابقاتها، فها هو الموقف الأمريكي بالتحديد يتراجع ليتكيف مع الموقف والرؤية الإسرائيلية من حيث تصنيف الاستيطان إلى شرعي وغير شرعي، ومن الوقف الكلي للاستيطان في الضفة والقطاع إلى التجميد الجزئي، وبما لا يشمل القدس والتجمعات الاستيطانية الكبرى في الشمال "أرئيل" وفي الوسط "معاليه أدوميم" وفي الجنوب" تجمع غوش عصيون".

وإمعاناً في إذلال العرب والفلسطينيين صادق نتنياهو وباراك على تسريع وتائر الاستيطان قبل التجميد المؤقت، بحيث تمت المصادقة على إقامة 450- 500 وحدة استيطانية، ستوزع على ست أو سبع مستوطنات في الضفة والقدس، ستكون"هار غيلو" و"موديعين عليت" في القدس و"أرئيل" في الضفة في مقدمتها، مع مواصلة العمل في استكمال بناء 2500 وحدة سكنية أخرى. وهذه المواقف الفرعونية والمتغطرسة للحكومة الإسرائيلية تأتي لكونها تدرك أن المواقف الفلسطينية والعربية والأوروبية، ليست أكثر من ظاهرة صوتية تتلاشى بتلاشي صدى الصوت. والأمريكان لن يكونوا "كاثوليكيين أكثر من البابا"، ولن يضحوا لا بمصالحهم ولا بعلاقاتهم الإستراتيجية مع إسرائيل في سبيل أمة لا وزن ولا قيمة لها لا في الشؤون التي تخصها ولا في الشؤون الإقليمية والدولية ولا تشكل أي تهديد جدي لمصالحها في المنطقة.

والشيء اللافت هنا أن التطبيع لم يعد مقابل الوقف الكلي والشامل للاستيطان، بل مقابل عمليات تجميد شكلية وجزئية بصورة مؤقتة، وبما يكشف مدى حالة الانهيار وعمقها عربياً، فعدد من المسؤولين الأمريكيين أدلوا بتصريحات لصحيفة "هآرتس" الإسرائيلية قالوا فيها إن الولايات المتحدة حصلت على تعهدات من العديد من الدول العربية للقيام بخطوات تطبيعية متفاوتة تجاه إسرائيل، وبما يظهر مدى التهافت والانهيار العربي الرسمي.

هذه الأنظمة التي خطت خطوات بعيدة جداً نحو الطلاق مع القضايا القومية العربية، نحو قضايا ومصالح قطرية حتى لو كان ثمنها اصطفاف مع قوى معادية ضد مصالح عربية أخرى. وتشمل هذه الخطوات التطبيعية للدول العربية الموافقة على فتح ممثليات إسرائيلية، ومنح تأشيرات لرجال أعمال وسياح إسرائيليين وعقد لقاءات علنية على مستوى رفيع مع مسؤولين إسرائيليين، وكذلك السماح للطائرات الإسرائيلية بالتحليق في أجوائها، أو الموافقة على هبوط الطائرات الإسرائيلية في مطاراتها، ويذهب البعض عربياً إلى ما هو أبعد من ذلك، وهو الموافقة على إقامة خطوط دولية مباشرة مع إسرائيل.

إن هذا التهافت العربي الرسمي على التطبيع مع إسرائيل مقابل خطوات شكلية وجزئية، يجعلنا نصل إلى قناعة بأن ما يجري هو شرعنة للاحتلال بموافقة ومصادقة عربية رسمية، ووعد أوباما الرباعي بإقامة الدولة الفلسطينية سيتدحرج كوعد سابقه بوش الخماسي إلى الأمام أكثر من مرة ، وخصوصاً أن إسرائيل كلما تهافت العرب على التطبيع معها، كلما زادوا تصلباً وشراهة في مطالبهم، ولم يعدموا خلق الحجج والذرائع التي تمكنهم من عدم الاستمرار في تجميد الاستيطان أو العمل على وقفه مستقبلاً، وسيبدأون بإثارة الجلبة والمشاكل بالقول إن هذه الخطوات التطبيعية غير كافية، والمطلوب من العرب والفلسطينيين ليس فقط التطبيع، بل عليهم الاعتراف بيهودية دولة إسرائيل، وإسقاط حق العودة لكي تتقدم إسرائيل إلى الأمام، بالموافقة على دولة فلسطينية منزوعة السلاح، تبقى السيطرة فيها لإسرائيل على برها وبحرها وجوها.

إن ما يجري على درجة عالية من الخطورة، حيث يجري إخراج القدس من معادلة الصراع، وحسم مسألة السيطرة والسيادة عليها إسرائيليا بموافقة عربية وفلسطينية. فأوسلو الذي أجلها ألى ما يسمى بالمرحلة النهائية، نشهد نتائجه على أرض الواقع، حيث تقوم إسرائيل بهجمة شاملة على المدينة المقدسة مستهدفة بشرها وحجرها وشجرها، وعمليات التهويد والأسرلة تجري على قدم وساق، والتطهير العرقي وهدم المنازل أصبح يطال أحياء عربية بكاملها، وبالتالي العودة للمفاوضات والموافقة على التجميد المؤقت للاستيطان بدون القدس يعني تسليماً كاملاً بالشروط الإسرائيلية واعترافاً بالسيادة والسيطرة الإسرائيلية عليها.

ومن هنا فإنه بدون موقف فلسطيني موحد، وأيضاً موقف عربي موحد، وبدون الأخذ بكل الخيارات وأشكال النضال واستحضارها على أرض الواقع، وليس في إطار"الجعجعات" والشعارات الفارغة، فلن نكون قادرين لا على وقف استيطان ولا تحرير أوطان. فها هي المبادرة العربية للسلام، تقوم إسرائيل بركلها والأنظمة العربية الرسمية ترحلها كالنعش الطائر من قمة عربية إلى أخرى،وتهبط بسقفها وتتذلل إلى إسرائيل الموافقة عليها، ولكن إسرائيل وأوروبا الغربية وأمريكا وكل دول العالم لا يحترمون الضعيف والعاجز، فالحق بحاجة إلى قوة تدافع عنه، وكذلك استرداد الحقوق والأوطان. والتاريخ بكل مراحله وعصوره لم يعرف شعباً نال حريته أو استرد حقوقه بالمفاوضات غير المسنودة والمدعومة بالقوة والنضال.

"العاصمة"... القدس والفعل الثقافيّ | ملف خاص