تحية إلى لبنى: عجزوا في الأرض فاحتموا بالسماء../ الفضل شلق

العرب إلى أن تلج حكوماتهم مجال الأخلاق لإدارتها. لقد فشلت هذه الحكومات في السياسة، وفي إدارة شؤون المجتمع الاقتصادية، وكل شيء آخر تقريباً. وهي ستفسد الأخلاق، حكماً، إذا سمح لها بإدارة شؤونها.

"قترفت" لبنى حسين في السودان لبس "البنطال"، فأدانها النظام السوداني، وحكمها القضاء بعقوبة سجن؛ رفضت دفع الغرامة لتلافي دخول السجن قبل الاستئناف؛ كان موقفها تحدياً للنظام وأتباعه من الأصوليين؛ دخلت السجن، حدثت تظاهرات نسائية لتأييدها؛ أهينت وزميلاتها بنعوت مثل "العهر" وما يشبه ذلك؛ وزاد أتباع النظام والشرطة على ذلك بضرب المتظاهرات؛ لا لشيء إلا لأنهنّ أردن التعبير عن رأيهنّ بالحشمة.

لا ندري ما هو الأكثر حشمة: البنطال أو السروال أو الفستان؟ يبدو أن المطلوب هو شيء واحد، هو تغليف جسد المرأة من اجل ضبط هويتها، وتحقيق إخضاعها، فكأنها لا تخضع كفاية، أو كأنها لا تخضع كفاية للرجل، أياً كان؛ أو كأن الرجل لا يخضع كفاية للنظام. يبدو كأن التحرر الاجتماعي يبدأ بالنساء، وقد قيل:

ما كانـت الحسـناء ترفـع سـترها
لـو أن فـي هـذه الجمـوع رجـالا

ليس بريئاً انتقال السلطة السودانية، مثل جميع السلطات العربية، من المجال السياسي إلى المجال الأخلاقي – الثقافي. في النقاش السياسي تنكشف أمور كثيرة، وتدان الأنظمة العربية بسبب فشلها. في النقاش الأخلاقي – الثقافي تنحرف الأنظار عن السياسة، وتحاط بجدار كثيف من التعمية، وتوضع الملامة على "تخلف" المجتمع.

في السياسة يُشار إلى الأنظمة الحاكمة، في الأخلاق – الثقافة يشار إلى المجتمع. ليس أسهل من إدانة المجتمع كي تُبرأ الأنظمة. ليس أسهل من إدانة المجتمع كي تُنسى ارتكابات الأنظمة وفشلها في تحقيق كل ما وعدت به، من قضايا الأمة، إلى قضايا النمو الاقتصادي، إلى الحفاظ على وحدة الدولة والمجتمع في وجه مؤامرات التفكيك؛ والسودان في مقدمة الدول العربية المعرضة للتفكيك والتفكك. يدينون المرأة من اجل تبرئة أنفسهم؛ يبرئون أنفسهم كي لا يدانوا بحقيقة مشاركتهم في مآسي الأمة وفي مؤامرات التفكيك. يتآمرون على المجتمع كي لا يرى المجتمع مؤامرتهم على الدولة.

ليس غريباً استخدام القضاء في سبيل القمع والاضطهاد وفرض انتظام لم يستطع الحكام تحقيقه بالسياسة. عندما تعجز الدول عن السياسة، عن الحوار ومخاطبة الناس والتعبير عن وجدانهم وتحقيق متطلباتهم وحاجاتهم تطرح شعار حُكْم القانون؛ هو شعار يطرحه دائماً من يريد إلغاء السياسة؛ بالأحرى، هو شعار يطرحه ويطبقه حكام يعجزون عن السياسة.

الأكثر خطورة هو الالتجاء إلى الدين لحماية القمع بالشريعة، ولحماية القوانين الجائرة والملتبسة بالقدسية. يوهمون الناس بأن إرادة الحكام، النافذة عن طريق القوانين الملتبسة وعن طريق أجهزة القضاء والأمن، هي إرادة إلهية. يعجزون في الأرض ثم يحتمون بالسماء.

ما ارتكبته لبنى حسين هو ما استنكفت معظم النخب الثقافية العربية عن فعله خلال عقود من السنين. لم تذعن للقمع؛ رفضت قمع ذاتها، فاستخدمت السلطة ضدّها القانون والشريعة والقضاء والإسلام السياسي وهراوات الشرطة. ارتكبت لبنى فعلاً سياسياً بوضعها الضمير الفردي في مواجهة السلطة القمعية.

أهم ما ارتكبته لبنى حسين هو أنها وضعت الضمير الفردي في مواجهة السلطة. تعتبر السلطات العربية أنها تقبض على المجتمع بواسطة مقولات الأمة والجماعة والإجماع، وتعتقد أن سمات السلوك الفردي تنتقل بالوراثة الثقافية، فإذا قبضت على الثقافة تقبض على الجمهور، على الجمهور المتشكل من أفراد. تجهل هذه السلطات بالطبع، أن توارث السمات الفردية بيولوجياً عن طريق الحامض النووي (DNA) يتمّ بشكل دقيق، لكنه ليس كاملاً ومحكماً. هناك صفات أو سمات فردية لا يمكن توارثها، وإلا لو كان التوارث كاملاً لما حدث التطور البيولوجي، ولما كان هناك مجال لبقاء الأقوى الأكثر تلاؤماً مع الطبيعة. ولو كان التوارث الثقافي محكماً، لما كان هناك مجال للإرادة البشرية والتغير والتغيير. إن تراكم الهوامش الضئيلة خارج الكتلة المتوارثة، على مرّ الأجيال، هو ما يجعل التغيير ممكناً، وهو ما يجعل التجاوز متوقعاً.

إن تراكمات الضمير الفردي هي ما جعل الثورة البلشفية ممكنة، وهي أعظم التجارب الإنسانية في عالمنا المعاصر. وإن تهذيب الضمير الفردي، لجعل الناس متشابهين في كل شيء تقريباً، هو ما أسقط هذه التجربة. وما تركته الأديان من هوامش للضمير الفردي، رغم فساد أجهزتها الدينية الرسمية، هو ما سمح لها بالبقاء والتوسع.

تحدّت لبنى السلطة، ودفعت الثمن، وهذا ما يتوجب على النخب الثقافية العربية أن تفعله. بمقدار ما تنفصل النخب الثقافية عن السلطات السياسية، وعن نخبها، وبمقدار ما تتحداها وتكون مستعدة لتحملّ الأكلاف من سجن واستبعاد، وربما تعذيب وإفقار وتهميش، فإنها تساهم في إعادة بناء مجتمع سوي قادر على المبادرة ومقاومة القمع والاستبداد.
"السفير"