الدعوة لانتخاب لجنة المتابعة: ليست دعوة للانفصال ولا بديلاً للتمثيل البرلماني../ واصل طه

المحاولات المتكررة لإعادة بناء لجنة المتابعة على أسس جديدة تستند في شرعيتها إلى دعم شعبي واسع من خلال انتخابها، تصطدم دائماً بموقف رافض من قبل الجبهة- أو قل: الحزب الشيوعي الإسرائيلي – لأن ثوابت هذا الحزب تتعارض مبدئيا مع مضامين هذا المسعى، والذي يعني، بنظره، مدخلا لتشكيل قيادة قومية مبلورة للأقلية العربية الفلسطينية داخل إسرائيل، ويفسر باعتباره تطورا خطيرا يجرده كثيرا من امتيازاته ويسقط وصياته المتوهمة على جماهيرنا، لكونه يتناقض مع قدسية فكرة النضال العربي اليهودي المشترك، والتي تشكل حجر الزاوية في إيديولوجيته وسياساته المعروفة.

بصرف النظر عما يتذرع به بعض الإخوة من قيادات ذاك الحزب لتبرير موقفهم النافر والمتخالف مع رؤية كافة الأحزاب والحركات العربية حول هذه المسألة، سواء أكان ذلك بحجج "عقلانية" ممجوجة ومكررة منذ القدم، أو بالمزاحمة الشفافة عبر تبني خطاب لفظي منافس للحركات الوطنية، فإن شمس تلك الحقيقة ستظل ساطعة ومكشوفة وتأبى التغييب. هذا ما أفصح عنه، دون مواربة أو لبس، النائب السابق عصام مخول عندما شغل أيضاً منصب سكرتير عام الحزب الشيوعي الإسرائيلي في إحدى جلسات "المتابعة" التي تناولت موضوع إعادة بناء لجنة المتابعة، حينما قدم مبررات رفض حزبه القاطع حيال هذه القضية.

باعتقادي، هذا هو الموقف الأول والأخير للحزب الشيوعي الإسرائيلي بتركيبته الحالية، وهو ينسجم تماماً مع نهجه التاريخي، الداعي إلى محاصرة النزوع القومي لجماهير الداخل وذلك بتخفيض سقف نضالها وأشكال ودرجة تنظيمها لنفسها عبر الإدماج الكلي لرؤيتها لذاتها في إطار الدولة العبرية.

عليه، فإن المحاولة الجارية حالياً لإعادة بناء لجنة المتابعة وإقرار انتخابها جماهيرياً ستصطدم حتما، ومن جديد، بموقف الحزب الشيوعي الإسرائيلي الكلاسيكي المذكور سابقاً (طبعا ليس على طريقة عصام مخول الصريحة بل بطرق ملتوية)، وسيقاوم بنفس الحجج ونفس عقلية الوصاية الأبوية دون أن يأخذوا بعين الاعتبار الحاجة الماسة لبلورة مثل هذه اللجنة كقيادة منتخبة قادرة على حمل هموم الناس إلى جانب الأحزاب وممثليهم في الكنيست.

لقد أكدنا أكثر من مرة أن انتخاب لجنة المتابعة لا يجعلها بديلاً عن التمثيل البرلماني، بل يؤكدها رافدًا قياديا هامًا في إطار كافة القوى التي تخوض انتخابات الكنيست والتي لا تخوضها، وانتخاب هذه الهيئة أو اللجنة يعطي الأقلية العربية زخماً نضالياً يقوي الأحزاب ولا يضعفها ويجذر انتماء الناس لهويتهم، ويجعل من الانتماء الحزبي الوطني حاجة ضرورية، به يقوى التيار المناهض والرافض والمقاوم للعنصرية المستفحلة ضدنا في دولة إسرائيل، ويضع المؤسسة في موقف حرج أمام الرأي العام العالمي، خاصة وأن الهيئات الدولية تؤكد في وثائقها وقوانينها على حق الأقليات في العيش بكرامة ومساواة تامة، مع الحفاظ على خصوصيتها الحضارية والذاتية والقومية، والحفاظ على أرضها ومسكنها!، وانتخابها ليس معناه الانفصال السياسي عن الدولة كما يتوجس منه البعض.

إذا كان ما ذهبنا إليه من استنتاج غير صحيح، عندها يحق لنا جميعا أن نتساءل: لماذا إذاً هذا الرفض المنهجي من قبل الحزب الشيوعي الإسرائيلي لمجرد طرح الفكرة إياها؟ أو ليس الظلم والاضطهاد والتمييز الواقع على رقاب أهلنا هنا، ومنذ النكبة، نابع فقط لكونهم فلسطينيين وعربا؟! أولم يقتنع هذا الحزب بعد أن خطابه الاندماجي قد فشل وانحسر جماهيريا وأنه لم يعطِ نتائج جدية تقود إلى المواطنة الكاملة في دولة اليهود بعد مرور أكثر من ستين عامًا؟!

أما بالنسبة لنا نحن في التجمع، فإننا نؤكد أن نجاحنا في إضعاف شوكة الظلم والاضطهاد والتمييز لا يتأتى إلا بنقلة نوعية في أساليب العمل السياسي لأحزابنا، وفي مستوى وكيفية تنظيم مجتمعنا ومن ضمنه الإجماع على انتخاب لجنة المتابعة، وهذا يحتم على قيادة الأحزاب والأوساط الشعبية، بألوانها وأشكالها، أن تتخذ خطوات عملية ومثابرة وجريئة توصلها إلى هذا الهدف. حينها ستقوى قضيتنا المركزية بنا، وستتضح وتتعزز مجمل قضايانا في وعينا ونرتب سلم أولوياتنا، وعندها ستدار السياسة بصورة جدية لا وفقا لميول ذاك المفتون بحب نفسه أو ذاك المدافع عن قبيلته الحزبية، وكتحصيل مباشر سنضع المؤسسة الإسرائيلية بمأزقها الطبيعي أمام الرأي العالمي والمحلي مما سيدفعها لتغيير نهجها والتعامل مع قضايانا بصورة جدية لا بأسلوب امتصاص الغضب!! وإطفاء الحرائق!!.

ونحن نعتقد جازمين أن تحقيق هذه المهمات لا ينبغي أن يكون أسيرًا لموقف حزب واحد يرفض ويعرقل العمل في هذا المسار، لذا أدعو إلى قيام هيئة أو لجنة شعبية من جميع الفعاليات والأطر السياسية من أجل وضع أجندة عمل متفق عليها للبدء بحملة شعبية تحشد التأييد والدعم بالتواقيع لعملية انتخاب لجنة المتابعة، تمهيدا لطرحها موضوعاً للنقاش الجماهيري الواسع في المستقبل القريب.

إن المستجدات التي خيمت على قضية شعبنا في العقدين الأخيرين، تؤكد ما نطرحه من ضرورة بلورة قيادة منتخبة للأقلية العربية الفلسطينية في هذه الديار، فهناك أكثر من ربع مليون لاجئ في الوطن، وفي العديد من الحالات يسكن هؤلاء بعيداً عن بيوتهم وأراضيهم بضع مئات من الأمتار، محرومين منها. في حين تطالب إسرائيل الدول العربية بضرورة توطين اللاجئين الفلسطينيين عندهم بهدف القضاء على حق العودة الذي أقرته هيئة الأمم المتحدة، وتعفي إسرائيل نفسها من إعطاء هؤلاء اللاجئين في الوطن الحق في العودة لكي يصبحوا مواطنين آمنين في قراهم وبيوتهم وأرضهم التي هدمتها أو صادرتها، وتسعى أن تبقيهم بدون بيت وبدون أرض ومستقبل، فإن أمورا كتلك، وما أكثرها، توفر لنا مجالا فسيحا لفضح زيف ادعاءاتها، هذا فضلا عن أن المواطنة بالمفهوم الديمقراطي الليبرالي، الذي تدعي إسرائيل اعتماده، هي أيضاً أن يحافظ الإنسان من خلالها على وجوده، وممتلكاته الخاصة وتحديداً البيت والأرض لا أن يكون لاجئاً في وطنه!!.

القضايا والهموم كثيرة، والمطلب الشعبي وبحق صحيح وصادق، وعلى قيادة الأحزاب العربية أن تستجيب لهذا المطلب الذي يتلخص بانتخاب لجنة المتابعة كي تكون إلى جانب التمثيل البرلماني واللجنة القطرية ثالوثاً منتخباً يمثل بجدارة وامتياز أقليتنا العربية الفلسطينية، وقد أثبت التاريخ بكل مراحله، وخاصة الحديث منه، أن الأقليات المبعثرة والمشتتة لا تستطيع أن تحصل على حقوقها، ولا تستطيع أن تدافع عن نفسها إزاء العنصرية المستفحلة الا من خلال تنظيمها وبلورة قيادتها التي تستمد شرعيتها النضالية من أبنائها وقوة حقها وتعبر عنه من خلال صندوق الإقتراع، في مثل حالتنا.

وعليه فإن المطلوب اليوم هو إقامة هيئة أو لجنة شعبية واسعة من الهيئات والأحزاب والشخصيات الوطنية والأكاديمية الداعمة لهذه الفكرة، تعمل على إعداد تصور وخطة عمل تتعاطى مع تعقيدات عملية الانتخاب مع التأكيد على النقاش والحوار الوطني والمهني الحر الذي من شأنه إثراء الفكرة، فضلا عن تحشيد الدعم لهذه الخطوة، فكريًا وعمليًا وماديًا.

لا يساورنا شك أن خطوة مفصلية كهذه ينبغي لها أن تبحث وتناقش بصورة واسعة لتشمل غالبية شرائح مجتمعنا العربي، كي ننطلق إليها بقناعة تامة، دون تردد أو خوف. إننا على قناعة أكيدة أن المؤسسة الإسرائيلية سوف تخلق أجواءًا عدائية غير مسبوقة في حدتها لمنع مثل هذه الخطوة وردع من يقف في طليعتها، وبالذات من خلال التحريض علينا وكأننا دعاة انفصال عن الدولة لتسويغ عنصريتها واستمرارها في سياساتها القمعية تجاهنا.

المعارضون والمعرقلون سيصورون هذه الفكرة بأنها "قومجية" متطرفة وطوباوية وأضغاث أحلام لا يمكن تحقيقها، متناسين أن إرادة الناس وقواها السياسية الوطنية الصادقة تستطيع أن تجعلها حقيقة وواقعاً تضطر المؤسسة الإسرائيلية أن تتعاطى معها بكل جدية للوصول إلى المواطنة الكاملة على كافة مستحقاتها، والحفاظ على هويتنا وانتمائنا وتنظيم العلاقة ما بين المواطنين العرب والدولة مستندين على حقنا كأبناء خلص لهذا الوطن وأصحاب الأرض الأصليين، والمواثيق الدولية ونماذج فعلية لأقليات حصلت على حقوقها في العالم.