ما بعد إنجاح الإضراب../ زهير اندراوس

تحيي الجماهير العربية في الداخل الفلسطيني يوم الخميس القادم، الفاتح من تشرين الأول (أكتوبر) الذكرى التاسعة لهبّة القدس والأقصى، والتي استشهد خلالها 13 شاباً بنيران قوات الأمن الإسرائيلية، وقد أعلنت لجنة المتابعة العليا للجماهير الفلسطينية في مناطق الـ48 الإضراب العام في هذا اليوم.

أولاً وقبل كل شيء، نوجه نداءً إلى الجميع في الجليل والمثلث والنقب والمدن المختلطة بالالتزام بقرار الإضراب، لأنّ نجاحه سيكون بمثابة رسالة قوية جداً إلى صنّاع القرار في تل أبيب بأنّ الفلسطينيين في الدولة العبرية كانوا وما زالوا وسيبقون متمسكين بأمتهم العربية وبشعبهم الفلسطيني، على الرغم من سياسة الاضطهاد العنصري، وعلى الرغم من القوانين التي يُشرعها الكنيست الإسرائيلي ضدّ الناطقين بالضاد في هذه البلاد، فهذه البلاد بلادنا، لم نصل إليها عن طريق الصدفة، أو عن طريق انتزاع وعود من دول لا تملك لتمنحها لمن لا يستحق. هنا ولدنا، وهنا نعيش، ونقول لكل من يريد أن يسمع وبالعربية الفصحى: لسنا عابري سبيل، وليس ضيوفاً في هذه الأرض الحبيبة، أرض الآباء والأجداد، نستمد شرعيتنا من تاريخنا وحاضرنا ومستقبلنا، ولسنا بحاجة إلى صكوك انتماء أو صكوك مواطنة من أحد.

الإضراب حدث مهم في هذه الظروف الحالكة التي تعصف بالبيت الفلسطيني، وحالة الانقسام بين حركتي فتح وحماس. مهم جداً أن نًوجّه رسالةً إلى أهلنا في الضفة الغربية المحتلة وفي قطاع غزة وفي مخيمات الشتات بأننّا معهم قلباً وقالباً، ومن الأهمية بمكان أن نتعالى عن الاجتهادات بين الفعاليات السياسية المختلفة في الداخل الفلسطيني، لكي نحث بصورة غير مباشرة إخوتنا الفلسطينيين على التعاضد والتماسك، لأنّ حالة الانقسام هي الربح الصافي للدولة العبرية ولعددٍ من أركان سلطة رام الله المنقوصة، وأيضاً لدول التواطؤ العربي، التي بات همها الوحيد توطيد العلاقات مع إسرائيل بأوامر مباشرة من إدارة الرئيس الأمريكي السيّد باراك أوباما، الذي لم يخجل من نفسه ونسي أو تناسى ماضيه، وقال من على منصة الأمم المتحدة إنّ إسرائيل هي دولة اليهود.

نقول إنّ نجاح الإضراب العام في الداخل هو رسالة مهمة إلى أبناء شعبنا في جميع أماكن تواجدهم، فعلى الرغم من التباين في المواقف بين القوى السياسية الفاعلة على الساحة، وعلى الرغم من الاجتهادات المختلفة بين هذه التيارات، إلا أنّ جميع القوى التزمت بالإضراب العام، وهذه الرسالة مهمة للغاية، لأنّ الترفع عن الخلافات في المواقف لا يُفسد للود قضية.

وهناك قضية أخرى نرى لزاماً على أنفسنا أن نتطرق إليها، وهي تتعلق بتصرفات المؤسسة الحاكمة في هذه الدولة، فبعد أن اعترفت إسرائيل بأنّ مخابراتها وأجهزتها الظلامية فشلت في ترويض وتدجين الفلسطينيين في إسرائيل، على الرغم من المبالغ الطائلة التي رُصدت لهذا المخطط الرهيب، وحتى اليوم وغداً لن تتمكن من خلق ما يسمى بـ"العرب الجيدين"، أي من ينتمون إلى معسكر المتأسرلين، لجأت إلى استعمال القوة على جميع أشكالها لترهيبنا، وبالتالي نُحذّر هذه المؤسسة من أن تقوم بإطلاق العنان لقوات الأمن لاستفزاز الجماهير الفلسطينية في الداخل، لكي تنقض عليها مباشرة، وبعد ذلك تتهمها بالإخلال بالنظام العام. وإسرائيل كما إسرائيل، تعوّدت على تحويل الضحية إلى جلاد، والجلاد إلى ضحية، وعليه، على القيادات العربية في مناطق الـ48 أن ترتقي إلى مستوى الحدث وتمنع هذه المؤسسة، التي ترى فينا أعداءً، من أن تُنفذ هذه المخططات الممجوجة والتي باتت لا تنطلي علينا، بموازاة ذلك، على القيادات والجماهير أن تكون على قدرٍ كبيرٍ من المسؤولية، ناهيك عن أنّ حوادث "الإخلال بالنظام العام"، كما يحلو للمسؤولين الإسرائيليين أن يسمونها عندما يتعلق الأمر بالعرب، هدفها غير المعلن هو إفشال الإضراب العام وتحضير الأرضية الخصبة، وهي المحضّرة أصلاً، لحملة اعتقالات واسعة النطاق، وتأليب الرأي العام الإسرائيلي، المؤلب أصلاً، ضدّ الجماهير الفلسطينية، بلطفٍ من صحافة البلاط العبرية، التي تقوم بهذا العمل على أحسن وجه، وبالتالي علينا التنبه والانتباه وقطع الطريق على المؤسسة ومنعها من تنفيذ مآربها الخطيرة، وهذا الأمر ينسحب على القيادة وعلى الجماهير على حدٍ سواء.

ولكن باعتقادنا أنّه يتحتم عينا أن نُفكر بقضية ما بعد الإضراب، وقضية ما بعد الإضراب تتعلق بالمطلب الأساسي وهو إعادة صياغة وتركيب لجنة المتابعة العليا للجماهير الفلسطينية في الداخل. وهذا المطلب هو مطلب عادل ومطلب قومي من الدرجة الأولى، إذا لا يعقل أن تستمر هذه اللجنة على حالها.

ولا نتجنى على أحدً إذا قلنا، بل جزمنا بأنّ تركيبة اللجنة الحالية لا تمثل جميع الفلسطينيين في البلاد، علاوة على أنّ هناك مشكلة عويصة في الأداء على جميع الأصعدة وفي كافة المجالات، هذا هو مشروع قومي وعلى كل عربي فلسطيني في مناطق الـ48 أن يشارك في دائرة انتخاب هذه اللجنة، لكي تعكس بحقٍ وحقيقةٍ وبدون رتوش آلام وآمال هذه الأقلية القومية العربية الفلسطينية في الداخل.

نحن نعلم أنّ هناك جهات حزبية تعارض هذا التوجه من حيث المبدأ، وهناك من يهاجم هذا الطرح، وهناك من يزايد على من يطرحه ويتهمه بأنّه يدعو للانفصال عن الدولة العبرية. إعادة تنظيم وهيكلة لجنة المتابعة ليست دعوة للانفصال عن الدولة. وإذا كانت هذه الفئة أو تلك تعارض هذا الطرح، فإنّ الأمر لا يعني أن نرفع أيادينا ونعلن الاستسلام رضوخاً لمبادئ وأفكار لا نؤمن بها، علينا التفكير بصورةٍ عملية وعلمية بهذا المشروع والعمل على إخراجه إلى حيّز التنفيذ، ومعارضة هذا الطرح باعتقادنا سيؤدي إلى نكوص في النضال الجماهيري للعرب في الداخل، فهذا مشروع نهضوي للارتقاء بطرق النضال والكفاح ضد سياسة إسرائيل العنصرية، فالعنصرية استفحلت في الدولة العبرية، على الصعيد المؤسساتي والشعبي، وعلينا أن نُطور الأدوات النضالية لمواجهة هذا التحدي.

والكلام المعسول عن خلق ما يسمى بـ"اليسار الإسرائيلي" الجديد بمشاركة حركات عربية يهودية مصيره الفشل الذريع، لأنّه في إسرائيل لم يكن في يوم من الأيام يساراً بالمعنى الحرفي للكلمة، وعلى سبيل الذكر لا الحصر، حزب ميريتس "اليساري" يريد حق تقرير المصير للفلسطينيين ليس لأنّ هذا الشعب يحق له أن يُقرر مصيره، إنّما لكي يحافظ هذا الحزب، من منطلق قناعاته الصهيونية، على إسرائيل الديمقراطية اليهودية، ولا نريد في هذه العجالة الدخول في التناقض الجوهري بين اليهودية والديمقراطية.

في ظل محاولات الدولة العبرية المتكررة لاحتلال الوعي الفلسطيني لدى عرب الداخل، هناك حاجة ماسة لإعادة تقييم الأوضاع وتشكيل الهيئة العليا من القوى الوطنية والقومية للتحضير لبناء الجسم الجديد، شريطة أن يكون هذا الجسم منتخباً من جميع الفلسطينيين في إسرائيل، وإذا تمّ تدليل العقبات أمام الانطلاق بهذا المشروع، فعلينا أن نعمل على البدء في العمل، والانتقال فوراً إلى انتخاب لجنة المتابعة، حتى لا نواصل تشكيل اللجان لمتابعة متابعات لجنة المتابعة.

لقد وصل الزبى وآن الأوان كي نطرح هذا المطلب على الأجندة الداخلية لشعبنا في الداخل، ونُخرجه إلى حيّز التنفيذ، ويكفينا مزايدات ومهاترات واتهامات، فلجنة المتابعة هي لجنة جميع فلسطينييها في مناطق الـ48.