أوباما في الأمم المتحدة.. حُطْ بالخُرج!../ بسام الهلسه

• "يُقرَأُ المكتوب من عنوانه" كما يقال في الكلام الدارج. والعنوان –والمحتوى أيضاً- في خطاب الرئيس الأميركي أوباما في الجمعية العامة للأمم المتحدة واضح جلي: هل أنتم ترون: لا جديد أقدمه لكم.

فالتغيير الذي وعد به إبّان حملته الانتخابية، لم يكن سوى تزيينات طفيفة لتجميل وجه أميركا البشع أمام أنظار العالم. وكان أهم عنصر فيه هو وصول رجل أسود إلى البيت الأبيض لأول مرة كرئيس للولايات المتحدة. تماماً كما تضيف نساء لبنان حبة زيتون سوداء إلى صحن اللبنة لإضفاء لمسة جمالية عليه!
أعاد الخطاب مجدداً التأكيد على ثوابت السياسة الأميركية وأولوياتها، بعد تقليم وتهذيب الفظاظة اللغوية التي اتسمت بها في عهد بوش.

وهو ما سبق لأوباما وأن قاله في خطابه الشهير في جامعة القاهرة. أما مشكلات العالم –وأبرزها الصراع العربي الصهيوني- فلم يكن لديه ما يقدمه لحلها سوى الوعود والتسويفات. ومن هذه الزاوية يمكن الاستفادة من خطابه كنموذج للتأليف في فن التسويف! وهو فن تحتاجه الدول والحكومات المأزومة كجزء من آلة الكذب المؤسسي المنهجي التي تستخدمها للتلاعب بشعوبها وخداع شعوب العالم. وما من دولة في العالم أكثر مهارة واتقاناً لهذا الفن من الولايات المتحدة، بما تملكه من قدرات مالية وإعلامية وتخصصية جبارة.

ورئيسها المتذاكي، الذي قطف بدون أدنى جهد، ثمار تضحية وكفاح أجيال عديدة من المناضلين والمناضلات السود من أجل الكرامة والعدالة، يريد إقناع العالم أن لدى إدارته معرفة كاملة بهموم البشر والطبيعة والكون! وأن لديها الحلول المثلى الناجعة لها. وكل ما على قادة ودول العالم أن يفعلوه هو أن يتبعوه كهادٍ جديد أوفدته العناية لنجاتهم وخلاصهم!؟

وبالطبع، لم يقل "المُصلح" أوباما شيئاً عن أزمة بلاده: المُوفِد والباعثُ الحقيقي له. لكن عدم التحدث عن موضوع لا يعني أنه غير موجود. ولن تنفع كل تقنيات التحايل والتستر في إخفاء ما هو مكشوف ومعروف. فرجل الانقاذ المزعوم هو في الحقيقة مستغيثٌ يطلب النجدة لإخراج بلاده مما هي فيه: أزمة اقتصادية داخلية متعددة الجوانب، بلغت معها البطالة حتى الآن نسبة 10% (حوالي ثلاثين مليون أميركي)، وهي مرشحة للتفاقم خلال الشهور القادمة. وعجز في الحرب على "العدو" في أفغانستان، التي اتضح بعد كل هذه السنوات أن جيشه غير قادر على كسبها كما يصرّح قادته الميدانيون بشكل شبه يومي. أما وضع جيشه في العراق فيمكن وصفه بكلمة واحدة: عالق.

فلا هو قادر على السيطرة بإحكام على الوضع، ولا هو قادر على الخروج والانسحاب النهائي –وليس من المدن فقط- لتوفير الخسائر والنفقات الباهظة.

هذا الوضع الأميركي المأزوم مرئي لكل المعنيين بالشأن الأميركي: حلفاء، أو منافسين، أو أعداء. وسيسعى كل منهم للإفادة منه حسب مصلحته وموقعه.

وإذا كان ما هو مرئي أصدق وأوثق مما يُقال ويُسمع، فإن من الحمق تصديق ما يقوله أوباما والتعويل عليه. فالمأزوم يحتاج لمن يُعينه لا لمن يطلب منه العون. والخلاص لا يهبط بالمظلات في حدود ما نعلم، بل تصنعه الشعوب بنفسها.

أما خطبة أوباما ومواعظه الإنشائية المنمقة، فهي من نوع الكلام الذي يقول عنه الدمشقيون: حُطْ بالخُرج!
فالشيء الوحيد الحقيقي الذي ورد فيها هو الإقرار المعلن على رؤوس الأشهاد بالتخلي عن حكاية إلتزام الولايات المتحدة بتعميم الديمقراطية في العالم.

وبهذه المناسبة أود أن أتقدم بمواساتي لليبراليين الجدد العرب بمصيبتهم في خذلان أميركا لهم، وبتهنئتي للمستبدين العرب بهذا الإنعام والرضى الأميركي عنهم.
ودامت الأفراح حليفة دياركم المكنوبة!