القدس هجمات إسرائيلية متلاحقة وعجز فلسطيني وعربي واسلامي../ راسم عبيدات*

تتوالى وتتواصل الهجمات الإسرائيلية على المدينة المقدسة، وبشكل غير مسبوق. وتشمل هذه الهجمات كل مناحي حيات المقدسيين ووجودهم وأرضهم وهويتهم وتاريخهم وحضارتهم في المدينة. والمشاهد لأحوال المدينة المقدسة، في فترة ما يسمى بـ"عيد المظلة" عند اليهود، يدرك حجم المخاطر المحدقة بالمدينة المقدسة، فمن أجل تأمين إقامة الطقوس والشعائر الخاصة بهذا العيد، والتي تخرج عن كونها طقوسا وشعائر دينية لتتحول إلى استهدافات ومعان ومقاصد وأبعاد سياسية، الغرض منها السيطرة على مدينة القدس والقيام بحملة مسعورة من الطرد الجماعي والتطهير العرقي بحق الفلسطينيين العرب ووجودهم في هذه المدينة، وليس أدل على ذلك ما تقوم به شرطة الاحتلال وجنوده من إغلاق للطرق والشوارع والمدارس والمحال التجارية الفلسطينية في المدينة، وفرض قيود مشددة على الوصول إلى المدينة المقدسة، بل وعزلها بشكل كلي وشمولي عن محيطها الفلسطيني.

ووصل الأمر حد منع الشعائر الدينية في المسجد الأقصى للمسلمين. هذا الأقصى الذي نرى أنه في طريقه إلى التقسيم وفرض سياسة الأمر الواقع فيه، كما جرى سابقاً في الحرم الإبراهيمي الشريف في مدينة الخليل. فقد تكثفت الهجمات والاقتحامات الاستيطانية على الأقصى. وهذه الهجمات ليس مصدرها فقط الجمعيات الاستيطانية المتطرفة من أمثال ما يسمى بـ"أمناء جبل الهيكل" و"جلعاد" و"عطيريت كوهانيم"، بل إن هناك قرارا سياسيا وضوءا أخضر على أعلى المستويات السياسية، يدعم ويوفر مظلة من الحماية والتشجيع والتمويل للقيام بهذه الممارسات.

وبالقدر الذي تتقدم فيه هذه الجمعيات بالسيطرة على المزيد من منازل وبيوت السكان العرب في المدينة المقدسة، بالقدر الذي ينالون فيه المزيد من المدح والثناء والدعم والتمويل والمشاركة من مختلف ألوان الطيف السياسي الإسرائيلي، والذي تتسابق أحزابه وبالذات اليمينية واليمينية المتطرفة منها على حضور احتفالات العربدة والزعرنة التي يمارسها هؤلاء المستوطنون ويقومون بها بحق المقدسيين العرب. فعندما سيطر المستوطنون قبل حوالي ثلاثة شهور على منزلي عائلتي حنون وعاوي في منطقة الشيخ جراح والمستهدفة للسيطرة عليها وإقامة حي استيطاني فيها وطردوا سكانهما العرب إلى رصيف الشارع وفي العراء أقاموا حفلات عربدة وزعرنة بحضور لافت لأعضاء من الكنيست الإسرائيلي ووزرائها. وفي ظل ذروة العربدة التي تمارس بحق المقدسيين والأقصى في عيد مظلتهم، أرادوا هم وقيادتهم السياسية، أن يوصلوا رسالة للطرفين الفلسطيني والعربي، مفادها أنه حتى مقابل التطبيع معكم، فإن الاستيطان والتوسع هما المرتكزات الأساسية للدولة، ولا يجرؤ أي إسرائيلي، لا كفرد ولا كممثل رسمي، على القول أو الالتزام بوقف الاستيطان أو الاستمرار فيه.

وفي الوقت الذي يستمر فيه دعاة وقادة نهج التفاوض في الساحتين العربية والفلسطينية بالإعلان ليل نهار عن تمسكهم بالخيار التفاوضي، كخيار وحيد من أجل استعادة الحقوق العربية والفلسطينية، يأتي الجواب من إسرائيل ومن خلال ما تقوم بها جرافاتها وآلياتها وقطعان مستوطنيها، بل وقيادتها السياسية، بالمزيد من الاستيطان وتكثيفه والمصادرات وهدم المنازل.

ففي ذروة الإحتفالات بعيد المظلة، وفي الوقت الذي مدت فيه السلطة الفلسطينية طوق النجاة للحكومة الإسرائيلية وقادتها، لمنع محاكمتهم على ما ارتكبوه من جرائم حرب وقتل متعمد للمدنيين، بحق شعبنا الفلسطيني، أثناء الحرب العدوانية التي شنوها على قطاع غزة في كانون أول/ 2008، فبدلاً أن تساعد إسرائيل هذه القيادة، تصر على تعمد إذلالها وتعريتها وإظهارها ليس فقط بالعاجزة، بل والمتآمرة والمتاجرة بمصالح ودماء شعبها، حيث أعلنت إسرائيل عن تدشين ووضع حجر الأساس للمرحلة الثانية لمستوطنة "تسيون زهاف" والتي تشمل إقامة (104 ) وحدات سكنية من مشروع استيطاني ضخم قوامه (400 ) وحدة سكنية، مقام في قلب بلدة جبل المكبر- جنوب مدينة القدس- وعلى أراض تم الاستيلاء والسيطرة عليها من قبل شركة استثمارية خاصة، بتواطؤ وتسهيلات من ما يسمى بلدية القدس والحكومة الإسرائيلية.

والمسألة لم تعد قصراً على حي من أحياء القدس كالمكبر أو سلوان أو الشيخ جراح وغيرها، بل يطال الاستهداف كل نقطة وحتى ذرة تراب في المدينة المقدسة ووفق خطة ممنهجة ومدروسة وذات رؤى وأبعاد إستراتيجية، يتم رسمها لعشرات السنوات القادمة، فالاحتفال بوضع حجر الأساس للمرحلة الثانية من مستوطنة "تسيون زهاف" في جبل المكبر سبقه الإعلان عن إقامة (104 ) وحدات سكنية إضافية في مشروع مستوطنه "معاليه زيتيم" في قلب حي رأس العامود في سلوان، وأيضاً ترافق ذلك مع تسليم عشرات العائلات الفلسطينية في قرية عناتا شمال شرق القدس إخطارات بمصادرة مئات آلاف الدونمات من أراضيهم لصالح المشاريع الاستيطانية، ناهيك عن وقاحة وتبجح الحركات الاستيطانية المتطرفة من"جلعاد" و"عطيريت كوهانيم" بنشر إعلانات وأنباء عن المنازل الفلسطينية التي تستهدف الاستيلاء عليها في البلدة القديمة من مدينة القدس.

كل هذا يجري والمواقف الفلسطينية والعربية والإسلامية، لا تخرج عن إطار بيانات الشجب والاستنكار وشن هجمات كاسحة من الشعارات و"الهوبرات" الإعلامية والنضالات المتلفزة، وفي أكثر الحالات مسيرة أو مظاهرة احتجاجية مدجنة هنا وهناك، أو دعاوى على اليهود بالهلاك وعبارات من طراز للبيت رب يحميه. أو ردات فعل وردود ارتجالية وعاطفية طارئة ومؤقتة، وجهد مبعثر وفردي وجماعي غير مؤطر ومنظم، وغياب كلي لأية خطط وإستراتيجيات للتصدي والمواجهة، بل تلمس هناك حالة من العجز الشمولي على كل المستويات فلسطينيا ًوعربياً وإسلامياً، وكأن قضية الدفاع عن القدس وعروبتها وهويتها ومقدساتها تخص الفلسطينيين وحدهم دون غيرهم، بل وأبعد من ذلك هناك عربياً وإسلامياً، ليس فقط من يرفض تقديم الدعم والمساندة للفلسطينيين، من أجل تعزيز صمودهم وثباتهم على أرضهم وتصديهم للإجراءات والممارسات الإسرائيلية، بل ويمارس الضغط على الفلسطينيين لتقديم التنازلات في موضوعة القدس وغيرها من حقوق الشعب الفلسطيني.

إن ما يمارس بحق القدس وسكانها على درجة عالية جداً من الخطورة، ويتطلب مواقف وأفعال فلسطينية وعربية وإسلامية نوعية، تتجاوز الروتين والرتابة والكليشهات المكررة والممجوجة من طراز التمسك بمبادرة السلام العربية أو مواصلة المفاوضات العبثية والعقيمة أو رهن الحقوق العربية والفلسطينية للقوى الخارجية مثل أمريكا وأوروبا الغربية، فهذه الدول منحازة انحيازا أعمى لإسرائيل وسياساتها، وتبدل مواقفها يعتمد على مدى التبدلات والتغيرات عندنا كعرب، والذين نملك إذا ما توفرت الإرادة السياسية الكثير من أوراق القوة والخيارات، فلدينا ما يكفي من قوى اقتصادية وتجارية ومالية، ناهيك عن شعوب مكبلة طاقاتها وإبداعاتها يكفي استخدامها وتحريرها في المواجهة، إلى إعادة الوزن والاعتبار إلى الأمة العربية والإسلامية، ومن بعدها نصبح قادرين، ليس فقط على إلزام إسرائيل بوقف الاستيطان، بل وإذعانها وإخضاعها للقوانين الدولية واستعادة حقوقنا المغتصبة.