فضيحة غولدستون وسقوط نهج المفاوضات حياة../ هاني المصري

رغم كلّ ما كتب وقيل لتفسير وتبرير الأسباب والجذور والملابسات التي أدت الى ارتكاب "خطيئة" تأجيل التصويت على تقرير غولدستون لا يزال الأمر بحاجة الى المزيد من البحث والتشخيص حتى نصل الى المعالجة الجذرية.

فرغم التحسن في الموقف الرسمي المتمثل بمتابعة تقرير غولدستون الا ان الازدواج لا يزال يسيطر على الاداء الرسمي الفلسطيني. فرغم تشكيل لجنة تحقيق هناك من قال ان فلسطين لا تملك تقديم او سحب او تأجيل التقرير لأنها عضو مراقب، وهذا يشكل إمعاناً في الخطأ ويحوّل الطرف الفلسطيني الى طرف لا حول ولا قوة له على الاطلاق.

وهناك من اعتبر وباسم الرئاسة ان تشكيل لجنة التحقيق هدفه تقديم تفسير لملابسات ما حدث، ولتبيان الحقيقة لا اكثر، ونوع من الاحترام للمؤسسة، وان التأجيل قرار صائب لضمان الأصوات اللازمة لإقرار التقرير في مجانبة للحقيقة لأن الأصوات اللازمة لإقراره كانت متوفرة. وأخذ هذا البعض يتحدث عن تقرير غولدستون بأنه غير متوازن، ويحاكم المقاومة اذا توبع (وهذا غير دقيق)، او انه لن يصل الى شيء وسيضاف الى سابقاته من تقارير ركنت على الرفوف في اروقة الامم المتحدة، اي اخذ يردد موقف "حماس" السابق من التقرير.

وهناك في القيادة من هو أنضج واعترف بارتكاب خطأ بالتأجيل، وطالب بتصحيحه على اعتبار ان الفرصة لا تزال سانحة لمتابعة التقرير، وان هذه المتابعة ستكون مجدية.
وهناك في القيادة من يقول الشيء ونقيضه، فهو اعترف بمسؤوليه الرئيس واللجنة التنفيذية وبمسؤوليته الشخصية، واعتبر كل فرد في المنظمة وكل فلسطيني مسؤولاً عما جرى في محاولة للتعميم والتهرب من المسؤولية، ولكنه ينادي ايضاً بمتابعة التقرير في كل المحافل، ويدافع عن التأجيل ويلقي بالمسؤولية على الدول العربية والاسلامية، التي ضغطت على الفلسطينيين للمشاركة في القمة الثلاثية، وفي تأجيل التقرير، وهي الآن تتنصل من ذلك وتزايد على القيادة الفلسطينيية.

وهناك من أراد حرف المسألة كلها عن "خطيئة" التأجيل الى حشد التأييد ضد "حماس" بزعم أنها تهدد الشرعية والمشروع الوطني في محاولتها لاستغلال التأجيل اما للتهرب من استحقاق المصالحة في أواخر الشهر الجاري او لتصفية الحساب مع الرئيس والمنظمة و"فتح"، او لتوظيف زنقة خصمها الداخلي لتحسين شروط "حماس" في اتفاق المصالحة.

لا يجب التقليل من خطورة المبالغة الشديدة في ردة فعل "حماس" لدرجة وصلت الى عدم المسؤولية، ولكن التركيز يجب ان يكون على الفعل لا على ردة الفعل، وعندما تعالج "خطيئة" التأجيل تصبح ردة فعل "حماس" لا قيمة لها على الاطلاق، ويمكن الرد عليها بسهولة.

رغم ان التأجيل اكبر من خطأ بكثير لكن الاعتراف بالذنب فضيلة، ونأمل ان تقرر اللجنة التنفيذية بعد اجتماعها برئاسة الرئيس، ان هناك خطأً قد ارتكب وان لجنة التحقيق مهمتها التحقيق في اسباب ارتكاب هذا الخطأ ومحاسبة المسؤولين عنه وتقديم التوصيات الكفيلة بتجاوزه وعدم تكراره.

اذا تم الامر على هذا النحو يكون تشكيل لجنة التحقيق جزءاً من معالجة الخطأ لا تبريره، وجزءاً من معالجة النهج الذي ادى الى ارتكابه. فالمسألة لم تبدأ بتأجيل تقرير غولدستون وانما انتهت به. وهذا الخطأ أكبر بكثير من الأخطاء السابقة.

ففي السابق كنا نحصل على قرار من الجمعية العامة او من محكمة لاهاي ولا نتابعه بما فيه الكفاية. في هذه المرة سارت القيادة الفلسطينيية في عكس الاتجاه المطلوب منها تماماً، بسبب ضغوط اميركية وتهديدات اسرائيلية، بدون مقابل، ولمجرد وعد باستئناف المفاوضات وفقاً للشروط الاسرائيلية، رغم أن الأمر يتعلق بقضية اصبحت دولية تهم الانسانية جمعاء، فهي ليست مجرد مسألة سياسية وانما مسألة تمس بدماء الضحايا، وبالأخلاق والقانون. لذلك لا يملك أحد تأجيلها او سحبها او دفنها.
ان العناد كفر، وعلى القيادة الفلسطينية ان تعترف انها ارتكبت ما هو اكبر من الخطأ بكثير. واذا لم تفعل ذلك فلن يصدق أحد أنها ستتابع تقرير غولدستون حتى يصل الى اهدافه بمحاكمة مجرمي الحرب الاسرائيليين.

إن معرفة الجذر الاساسي للوقوع بهذه "الخطيئة" ضروري جداً من أجل تجاوزها، لأن عدم القيام بذلك أدى سابقاً الى ارتكاب اخطاء وخطايا، وسيؤدي لاحقاً الى ارتكاب ما هو اكبر من ذلك بكثير.

ان الجذر الاساسي لما حدث يكمن في ان القيادة الفلسطينية اعتمدت المفاوضات كأيديولوجية وليست مجرد سياسة أو أحد اساليب تحقيق الأهداف الفلسطينية.
إن السياسة الفلسطينية كانت في أواخر حياة ياسر عرفات، وكانت لفترة من الزمن تؤمن بأهمية المفاوضات، وان المفاوضات هي الأسلوب الوحيد لحل الصراع وذلك بعد توقيع اتفاق أوسلو، وهي أخطأت بذلك، ولكن بعد أن وصل أتفاق أوسلو الى طريق مسدود وفشلت قمة كامب ديفيد قال "أبو عمار" لنبدأ من جديد وأعاد الاعتبار للمقاومة، وإن بشكل ملتبس. فقد دعا لإدانة الارهاب (أي المقاومة) علناً ودعمه سراً. لقد أدرك خطورة الاستمرار باعتماد المفاوضات كخيار وحيد.

بعد رحيل ياسر عرفات اصبحت المفاوضات أيديولوجية كاملة وليست مجرد وسيلة، أوسياسة من جملة السياسات. فالمفاوضات اصبحت حياة، مفاوضات الى الأبد وبأي ثمن. وعندما تفشل جولة من المفاوضات فالحل يكمن في المزيد من المفاوضات. وعندما تتعنت اسرائيل وتواصل العدوان والاستيطان والجدار والحصار والاعتقال ويتضح أنها لا تريد السلام ومعادية له، يقال لا بديل عن المفاوضات وهي الخيار الوحيد.

ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل إن السياسة التي أطلت برأسها بعد الانقسام الفلسطيني وسارت رويداً رويداً، هي التي تقوم على ضرورة اعتماد المفاوضات كأسلوب وحيد زائد عمل كل شيء لاسترضاء الولايات المتحدة الأميركية كطريق لإقناع اسرائيل بتلبية المطالب الفلسطينية.

لقد تجلت ايديولوجية المفاوضات بأسوأ صورة من خلال الاستمرار بالمفاوضات العبثية رغم استمرار اسرائيل بفرض الحقائق الاحتلالية على الارض، وبالتخلي عن شرط التطبيق المتبادل والمتزامن للالتزامات الفلسطينية والاسرائيلية الواردة في خارطة الطريق (التي لم توافق عليها اسرائيل أبداً) على اساس أن تنفيذ الالتزامات الفلسطينية من طرف واحد، يحقق المصلحة الفلسطينية ويحرج اسرائيل ويضع العالم، وخصوصاً اميركا وبقية أطراف اللجنة الرباعية والدولية أمام مسؤولياتها التي ستدفعها للضغط على اسرائيل حتى تحقق التزاماتها. لقد جرب هذا الطريق منذ أكثر من عامين وفشل فشلاً ذريعاً لأن اسرائيل لم تطبق التزاماتها، واكتفت بتقديم بعض التسهيلات بإزالة بعض الحواجز وزيادة بطاقات الشخصيات الهامة وأشياء من هذا القبيل.

ورغم اشادات الجنرال الأميركي كيث دايتون وأطراف اللجنة الرياعية بإنجازات السلطة خصوصاً على الصعيد الأمني، لم تضغط على اسرائيل، بل أصبحت اللجنة الرباعية تطالب، كما جاء في بيانها الأخير، بعدم اشتراط التبادلية في تطبيق الالتزامات، وتخلت إدارة أوباما عن مطلبها بتجميد الاستيطان، وعن وعدها بتقديم خطة سلام ملموسه تطبق خلال عامين، وأصبحت المرجعية لعملية السلام التي تطالب بها الإدارة الأميركية الجديدة أسوأ من تلك التي وافقت عليها إدارة بوش السابقة. فقد وافقت رايس على أن تكون حدود الرابع من حزيران هي اساس حدود الدولة الفلسطينية القادمة على أن تجري عملية تبادل أراض متفق عليها. اما الادارة الأميركية الحالية فتعتبر أن مرجعية المفاوضات هي خطاب أوباما في الأمم المتحدة، أو اعتبار حدود الدولة العتيدة يجب أن تكون في النهاية تساوي مساحة حدود 1967.

إن قبول القيادة الفلسطينية بأن تضع نفسها وشعبها في امتحانات مستمرة لإثبات الجدارة، حتى تستحق الحصول على دولة، هو الجذر الأساسي لوقوع الخطأ بقبول الضغوط الأميركية والتهديدات الاسرائيلية لتأجيل تقرير غولدستون. فمثل هذه السياسة لا يمكن أن ترفض أو تقاوم أي طلب أميركي لأن فلسفتها تقوم على استرضاء الإدارة الاميركية حتى تقوم بالضغط على اسرائيل.

ان ربط انجاز الحقوق الفلسطينية بالنجاح بامتحانات الجدارة التي لا تنتهي ولا يعرف احد متى تنتهي، هو جذر النهج الخاطئ المعتمد، فبعد التخلي عن خيار المقاومة دخلنا في مرحلة بناء الأجهزة الأمنية، ثم يأتي دور إنهاء التحريض، وتغيير مناهج التعليم والتخلي عن القدس واللاجئين والانسحاب، وضرورة تغيير وعي وثقافة الشعب كله، إن القبول بهذا المنطق ينطوي على تنازل مهم عن الحقوق ويقدم استعداداً ضمنياً للمساومة عليها، ولقبول ما يمكن أن تقدمه اسرائيل، على اساس أنه "ليس بالإمكان ابدع مما كان"، "وانقاذ ما يمكن انقاده".

إن الحقوق الفلسطينية المكرسة بالقانون الدولي والقرارات الدولية يجب ألا تخضع لأية شروط أو مساومات، لأن ذلك يعني القبول بالمزاعم الإسرائيلية حول أن الصراع هو على طبيعة السلام أو كراهية العرب لليهود، أو نزاع على الأرض، أو بين المتطرفين والمعتدلين من الطرفين، بدون التمييز ما بين الاحتلال الجلاد، والضحية الواقعة تحت الاحتلال.

إن خطورة نهج اعتماد المفاوضات كطريق وحيد، أنه وصل الى مرحلة اعتماد المفاوضات كأيديولوجية، بحيث اصبح الرهان كله ينصب على استرضاء الولايات المتحدة، الأمر الذي يستبعد أي رفض لما تطلبه، واية مقاومة مهما كان شكلها (سياسية أو جماهيرية أو عسكرية أو قانونية).

ان هذا النهج يغلق الطريق على الخيارات والبدائل الأخرى، وسيؤدي الى الوصول عاجلاً أم اجلاً الى قبول ما طرحته أو يمكن ان تطرحه اسرائيل، وهو في كل الأحوال، اقل من الحد الأدنى من الحقوق الفلسطينية، ويدور ضمن دائرة من الاحتمالات التي تتضمن الدولة ذات الحدود المؤقتة، دولة البقايا، أو عودة الخيار الأردني والوصاية المصرية، أواعتماد الخطوات الاسرائيلية.

إن فضيحة غولدستون من المفترض أن تسقط نهج المفاوضات حياة والمفاوضات كأيديولوجية، وتفتح الطريق لنهج جديد يؤمن بتعدد الخيارات وأشكال النضال ولا يستبعد أي شكل أو خيار بشكل مطلق، ويؤمن بقدرة الشعب ووحدته ودوره. نهج يراهن على الشعب أولاً واساساً قبل الرهان على الغير.
فمن يراهن على نفسه يربح، ومن يراهن على الغير يخسر!