نظرة في الحديث عن "إنتفاضة في الأفق" أو هبة داخل الخط الأخضر../ عوض عبد الفتاح

هل هناك ملامح إنتفاضة في الأفق؟! من يقول بهذه القراءة ما هي نظرتهم؟ مصالحهم؟ دوافعهم؟.. هل يجري الحديث عن كارثة طبيعية قد تفاجئنا أو تأتي من خارج دائرة إرادة البشر، أم عن فِعْلٍ بشري عفوي أو تنظيم ذي دوافع إنسانية، لا ينبغي التهيؤ له فحسب، بل التأثير فيه وتوجيهه؟
المراقبون الحياديون يقرأون معطيات الواقع، ما يجري تحت السطح وما يجري فوقه، يغامرون أحيانًا بقراءات غير دقيقة أو متسرعة، ولكن في كل الأحوال لا بدّ من الأخذ بجدية باجتهادات بعضهم.

طبعًا يتابع المستعمرون، أو أنظمة القهر، والمسؤولون بشكل مباشر عن توفير المقدمات للإنتفاضة، أو للثورة، أو لهبّات غضب متفرقة التي قد تتجمع في عملية تراكمية وتتحول إلى حالة نوعية، يتابعون عبر أجهزتهم الإستعلامية (المخابرات) وغيرها من الأجهزة السياسية ما يجري في الباطن وما يظهر على الملأ. وكثيرًا ما تخطئ هذه الأجهزة في قراءة الواقع، وتخفق في التنبؤ بتوقيت وحجم ردة الفعل على قهرها، ولكنها دائمًا تخشى من ذلك، وتطور باستمرار آليات القمع والسيطرة وإعادة توجيه الأحداث بما يخدم سياساتها.

لدى الأجهزة الإسرائيلية تقدير بأن انتفاضة عارمة في الضفة غير واردة، وهي تبني هذا التقرير على السيرورة التي آل إليها التعاون الوثيق وغير المسبوق بين الإحتلال وسلطة رام الله، بحيث جرى هدم البنية البشرية والمادية للمقاومة.. وهذا هو أساس الخطيئة، وليس سحب تقرير غولدستون الذي هو نتاج هذا التفريط المنهجي.

ولكن في الآونة الأخيرة، وبالتحديد في السنوات الثماني الماضية، أصبح العرب في نظر الدولة العبرية، وبصورة أكثر من ذي وقت مضى، قنبلة موقوتة قابلة للإنفجار في أي وقت. فقضيّتهم أصبحت خاضعة كليًا للمفهوم الأمني الإسرائيلي، وقد حصلت هذه القفزة النوعية في هذا المفهوم بعد انفجار الإنتفاضة الثانية التي قمعتها إسرائيل بطريقة وحشية منقطعة النظير؛ قمعت حملة الحجارة والأسلحة الخفيفة، بالطائرات المقاتلة، وبالمدافع الثقيلة، وبالدبابات. كما قمعت هبة إخوتهم داخل الخط الأخضر بإطلاق الرصاص الحي الفتاك.

نُظر إلى هبّة العرب داخل الخط الأخضر كإمتداد للإنتفاضة الفلسطينية. وحمّل بيان رسمي صادر عن المخابرات الإسرائيلية التجمع الوطني الديمقراطي في التهيئة السياسية والمناخ العام لانفجار هذه الهبة. كما اعتـُبر العرب في المداولات الأمنية الداخلية والممارسة اليومية امتدادًا لـ"العدو" المتواجد في أراضي عام 67.

بل أصبح عرب الداخل أخطر من ذلك "العدو"، لأنه يمكن وحسب مفهوم التسوية الإسرائيلي إيجاد الترتيب المناسب مع سلطة أبو مازن – فيَاض – عبد ربّه، بحيث يُعرض هذا الترتيب على العالم كحل مقبول يتمثل بإقامة كيان فلسطيني، "دولة مسخ"، إلى جانب دولة إسرائيل. ويصبح دولة جوار أو كيان شقيق لإسرائيل.

أما عرب الـ48، الذين نهضوا مجددًا أو حددوا أكثر من أي وقت مضى وجهتهم السياسية، خاصة التيار القومي والإسلامي، فهم "الطابور الخامس" الذين يجب أن يحسب له الحساب والإعداد له ولإمكانية تحوّل الغضب المتراكم والإحساس الهائل بالظلم الممارس يوميًا، إلى حركة فعلية تتوقعها بعض الدوائر في إسرائيل أن تكون أعنف مما حصل عام 2000.

بطبيعة الحال، لا أحد من القوى الوطنية والداخل يُخطط لأن تكون الحركة المتوقعة أعنف من هبة أكتوبر أو القدس والأقصى. فالذي حولها إلى مواجهة عنيفة هو النظام الإسرائيلي المعادي للعرب ومن جانب واحد. كانت هناك ألوف مؤلفة من العرب، والشباب خاصة، تتظاهر منزوعة السلاح وتتلقى الرصاص بصدورها، وتندفع إلى الأمام بجرأة نادرة. ولذلك يمكن قراءة التوقعات الصادرة عن المؤسسة الإسرائيلية بخصوص طبيعة المواجهة القادمة، على أساس النيّة الإسرائيلية المبيتة التي تتمثل في اعتماد عنف أشد مع المتظاهرين العرب، وقد رأينا كيف تعاملت المؤسسة الإسرائيلية، ومن خلال الشرطة والأجهزة الأمنية الأخرى مع مظاهرات الإحتجاج على الحرب الوحشية على قطاع غزة أواخر العام الماضي، من حيث اعتماد الضرب المبرّح والمفرط وبدون سبب، ومن حيث حجم الإعتقالات إذ بلغ عددهم حوالي 850 معتقلا في أقل من شهر. ولكن كما هو معروف لم يردع في يوم من الأيام عنف القاهر إرادة المقهور، قد تطول فترة التراجع، ولكن في نهاية المطاف تتجمع الإرادات وتتحول إلى إرادة موحدة وتستعدّ أن تدفع ثمن حريتها بالدماء إذا فرض عليها.

لكن كيف نقرأ نحن الوضع الراهن، نحن أصحاب القضية، الواقعين سواء تحت الإحتلال، أو الواقعين تحت نير النظام العنصري الإسرائيلي، أي داخل الخط الأخضر؟ كيف نقرأ نجاح الإضراب العام؟ هل هو حصيلة عامل ذاتي فقط، أي تضافر جهود جميع مركبات لجنة متابعة شؤون المواطنين العرب، أو أن ذلك يعود أيضًا إلى بدايات اختمار الوضع، ونشوء مزاج شعبي جديد أصبح مهيئًا للإنتقال من حالة القنوط والسكون إلى حالة الحركة والفعل؟ ثم ماذا يحصل في الضفة والقدس؟ كيف يمكن قراءة ما يجري هناك؟ ولماذا تلوح في الأفق ملامح تحرك شعبي؟ وهل هناك علاقة وإن غير مباشرة بين ما يجري هناك وما يجري هنا أم أن الأمور مصادفة رغم أن القاهر هو نفسه، والسياسة هي نفسها رغم اختلاف التفاصيل والخصوصيات؟

والسؤال الأهم الآن؛ إلى أي مدى يمكن أن تساهم فضيحة سلطة أبو مازن – فياض – عبد ربه – دحلان، (فضيحة "غولدستون")، في تهيئة مناخ لحراك شعبي جديد؟ ألا يُذكـّر هذا بمقدمات الإنتفاضة الثانية عندما كان يتوقع أن يُوجه الغضب على نظام السلطة وفسادها، وإذ به يتوجه إلى الإحتلال بعد قمة كامب ديفيد التي حاول إيهود باراك وكلينتون فرض تسوية ظالمة على الشهيد ياسر عرفات؟ أليست هذه فرصة لأوساط فتح ولمن ارتبط ماليًا بالسلطة من داخل فتح ومما تبقى من يسار أن يعيد اكتشاف ذاته واكتشاف المصيبة التي أوصلتنا إليها سلطة أبو مازن ونهجه القاتل؟ أليست هذه فرصة لإطلاق المبادرات الجريئة وفك الإرتباط مع معادلة التعاون مع الإحتلال، إلى معادلة مقاومة أو على الأقل معادلة الممانعة – الصمود وعدم تقديم التنازلات على الأقل إلى حين تغيّر الظروف؟

نعتقد أن لشرفاء فتح دورا أساسيا في إحداث التحول. إنها مسؤولية تاريخية أمامهم يُنتظر أن يتحملوها قبل مضيّ فترة طويلة من التخريب والهدم.

استشراف وقراءة ما يمكن أن يخرج من حالة الإحتقان (النسبي) الراهنة، ليسا بالأمر المهم الوحيد؛ بل ماذا يمكن وماذا يجب أن نقوم به استعدادًا لذلك؟

لا يمكن تجاهل الإرهاصات الواضحة لإمكانية حدوث تحول في السلوك الجماهيري على جانبي الخط الأخضر. ولكن هل بالضرورة أن تحصل انتفاضة في الضفة والقطاع وهبة داخل الخط الأخضر بالشكل الذي عرفناه عام 2000؟ وهل بإمكان القوى السياسية السيطرة على حركة الفعل المتوقعة.. بحيث تتجنـّب السلبيات والثغرات التي رافقت تلك الإنتفاضة وتلك الهبة، وفي الوقت ذاته نستفيد من روحها ومن المعاني الكفاحية التي حملتها.. والتي لا تزال تراكماتها حاضرة في الوعي الجماهيري العام، وفي وعي النخب.

لا شك أن نجاح الإضراب العام داخل الخط الأخضر في الذكرى التاسعة للإنتفاضة الفلسطينية الثانية والهبة الشعبية العارمة، هو مؤشر قوي على تغيّر في مزاج عرب الداخل نحو الإستعداد للتجاوب مع خطوات نضالية متقدمة. طبعًا كان التصعيد المتسارع في إجراءات القمع والقوانين العنصرية ضد عرب الداخل وراء إنضاج هذا المزاج.

ولكن بغض النظر عن الإجتهادات النظرية في قراءة ما يمكن أن يحصل وبأي حجم وعلى أي نطاق، فإننا كقوى وطنية داخل الخط الأخضر لا بدّ من أن نبدأ وبشكل مدروس بتحريك الوضع تدريجيًا لخلق حالة نضال شعبية منظمة وموجهة، وبأهداف محددة وواضحة بحيث تتلاءم مع مستوى تطلعات عرب الداخل، وتناسب خصوصيتهم وإمكاناتهم.

فالخيارات المطروحة ليس بين السكون العام واللافعل أو انفجار شعبي واسع وشامل لمدة قصيرة ثم ينطفئ. فهناك خيار النضالات الشعبية المتنوعة والمتفرقة ولكن المترابطة والمسقوفة برؤية سياسية، وبرؤية تنظيمية – تراكمية تتحول مع الوقت إذا ما أجيدت إدارتها إلى حركة شعبية تتسم بالزخم والقوة والتأثير. وبطبيعة الحال يحصل خلالها اكتساب تجربة تنظيمية، إذ تتشكل اللجان الشعبية المختصة – الميدانية، النقابية، الصحية والإقتصادية، ولجان متابعة المعتقلين والمتضررين مباشرة من النضالات، وتتطور دينامية عملية وفكرية قد تتحول إلى نظرية أو إلى قواعد ثابتة لتوجيه ولإدارة النضال – تكتسبها الأجيال الجديدة..

من يقوم بذلك!!
ليس لدينا الآن إطار عربي تمثيلي جامع منظم وقادر على أن يضمن الوصول إلى هذا المستوى من التنظيم، ولذلك نحن بحاجة إلى هذا الإطار القومي المنتخب. وكون هذا الأمر أيضًا يقتضي عملا تراكميا؛ نظريا وسياسيا وتنظيميا وميدانيا، تنخرط فيه القوى الوطنية المعنية، وقد يحتاج إلى سنين لإنجازه، فإنّ تحويل المناخ الجديد إلى حركة شعبية أيضًا يحتاج إلى عمل تراكمي وتدريجي.

وحاليًا يمكن الإستفادة من مناخ التعاون الذي تجلى أثناء التحضير للإضراب العام ومن خلال الأطر الموجودة، وفي حالة تعذر التقدم والإنتقال بهذا التعاون إلى مستوى أعلى فإنه لن يبقى أمام القوى المعنية بإعادة تنظيم عرب الداخل، سوى المضيّ قدمًا بمشروعها واليوم وليس غدًا. هذا على ما يبدو ما سيحصل.. فلنشمّر عن سواعدنا ونشحذ إرادتنا وعقولنا.. قبل أن تفاجئنا الأحداث.

"العاصمة"... القدس والفعل الثقافيّ | ملف خاص