حالة نوعية في ساحة الداخل../ خالد خليل

المحاولات الأخيرة لتمرير قوانين عنصرية جديدة ضد أعضاء الكنيست العرب والأحزاب العربية وبشكلٍ خاص ضد الحركة الإسلامية والتجمع الوطني الديمقراطي، على الرغم من أنها تنسجم مع السياسة الإسرائيلية العامة تجاه المواطنين العرب التي تتسم بالقمع والعنصرية ولا تخفي معاداتها الواضحة لهم، حسبما جاء في تصريحات وسلوك المسؤولين الإسرائيليين في مختلف الأجهزة وبشكلٍ خاص جهاز المخابرات (الشاباك)، إلا أنّها تتجاوز الخطوط الحمراء التي كانت المؤسسة الإسرائيلية تحاول عدم تخطيها في علاقتها مع الأقلية العربية الفلسطينية في الداخل، علمًا منها أنَّ التخطي السافر لها من شأنه استدعاء ردود فعل قوية قد تقود الفلسطينيين في الداخل للانتقال إلى أساليب ووضعية جديدة تتسم بوتائر عالية من التمرد والغضب.

وهذه الحالة إن لم تكن اختيارية ومراقبة ذاتيًا، فستكون قسرية جراء انتهاج أسلوب القوننة المنهجية للعنصرية وما ينشأ عن ذلك من تبعات تضرب في الصميم حياة المواطنين العرب في كل مناحيها.

لا شك أنَّ الحركة الوطنية داخل الخط الأخضر بأحزابها وحركاتها المختلفة (وبشكلٍ خاص التجمع الوطني) لعبت دورًا مركزيًا في رفع منسوب الوعي الوطني، خاصة منذ هبّة أكتوبر عام 2000، التي يجمع المحللون أنها هبة سياسية بكل المعاني.

هذا الازدياد في الوعي الوطني مرتبط بالطبع بعوامل سياسية خارجية وداخلية على السواء. وقد شهدت ساحتنا خلال السنوات التسع الماضية تصاعدًا في الحراك الشعبي وبشكلٍ خاص في أوساط الشباب، ووصل هذا التصاعد ذروته بعد العدوان الإسرائيلي على لبنان عام 2006، وإفشال الأهداف الإسرائيلية للعدوان بسبب صمود وصلابة المقاومة وكسر أسطورة الجيش الذي لا يقهر، مما انعكس إيجابًا على المزاج الجماهيري العام وفتح آفاقًا جديدة أمام العمل السياسي.

لقد كانت ساحة الداخل من أكثر الساحات تأثرًا بحالة النصر التي حققتها المقاومة وذلك بسبب علاقتها وقربها وتداخلها مع المجتمع الإسرائيلي الذي طغت عليه نفسية الهزيمة والفشل وإلى درجة كبيرة ملامح الهلع والخوف.

ارتفاع منسوب الوعي الوطني لدى الشباب بدا واضحًا من خلال المظاهرات الجبارة التي انطلقت في أعقاب العدوان على غزة وبشكلٍ خاص مظاهرتي سخنين وباقة الغربية اللتين ازدحمتا بعشرات آلاف الشباب من كل الأجيال.

وقد تميزت هذه المظاهرات بترجمة الخطاب الوطني الديمقراطي (ومن ضمنه الخطاب الإسلامي الوطني) بشعارات واضحة لا تقبل المساومة وتؤكد الانتماء الوطني والقومي لجماهيرنا بدون أي تأتأة، معززة بكبرياء شبابي يصل حد التمرد ولا يعرف الخوف.

من نافل القول إن هذا الانطلاق الشبابي عكس نفسه على القطاعات الجماهيرية الأخرى، التي تعتقد أن حاجز الخوف لم يعد عائقًا أمام تحركها الشعبي، وربما يكون النجاح الكبير للإضراب العام الأخير في ذكرى هبة القدس والأقصى أحد دلائل هذه الحالة. ومن غير شك أن الاحتفاء الشعبي الواسع بالأسرى المحررين في الأسابيع الأخيرة وتبني المتابعة لقضية الأسرى بشكلٍ عام من المظاهر البارزة لهذه الحالة.

وباعتقادنا أن أهم ما ميّز هذه الفعاليات (المظاهرات الكبيرة والإضراب العام)، هو كونها منظمة من قِبل الهيئات التمثيلية لجماهير الداخل التي تلعب الحركة الوطنية دورًا أساسيًا فيها. وهذا يعني أن هذه الحركة الوطنية المنظمة لم تتخلف عن الحراك الشعبي الذي طالما كان عفويًا في حالات العدوان والمجازر والأحداث الكبيرة.

وقد يكون هذا هو السبب الحقيقي وراء استهداف المخابرات وأجهزة الدولة للحركات والأحزاب المناضلة باعتبارها مسؤولة عن التأسيس لنشوء حالة نوعية جديدة في أوساط الأقلية العربية داخل الخط الأخضر.

التقارير الإسرائيلية الإستراتيجية رصدت هذه الحالة وأصدرت توصياتها بضرورة معالجتها سريعًا كي لا تتطور إلى حالة من التمرد الدائم. ومن ضمن هذه التوصيات والتعليمات هو فصل القيادات السياسية إلى „معتدل” و”متطرف” و”قانوني” و”غير قانوني” (أو إرهابي حسبما جاء في اقتراح القانون الأخير)، ولم يزل ماثلاً في الأذهان المناورات الإسرائيلية الأخيرة التي كان جزء من تدريباتها متعلقًا بقمع انتفاضات محتملة لجماهير الداخل في حالة وقوع حرب جديدة. وبناءً على كل ذلك ينبغي اتخاذ إجراءات قمعية منها فصل أعضاء كنيست وسحب الجنسية وفرض الخدمة الوطنية وفرض قانون الولاء وإلغاء فعاليات ذكرى النكبة وحتى الإخراج عن القانون.

رغم التلويح بهذه الإجراءات والبدء بتنفيذ قسم منها ورغم إجراء مئات التحقيقات مع الشباب وتنفيذ اعتقالات وفبركة ملفات، لم تتنازل الحركات والأحزاب الوطنية عن برامجها وخطابها، وهي في نفس الوقت لم تقع في مصائد السلطة والمخابرات التي هدفت إلى توريطها في أعمال „غير قانونية”، لتشكّل أرضية ومادة سهلة لإخراجها عن القانون، وإنما استطاعت اختراق هذه المصائد وواصلت نضالها وقيادتها للحراك الشعبي وحافظت إلى حدٍ كبير على الزخم الشبابي في صفوفها وحولها.

هذا النضوج لدى الحركة الوطنية من شأنه أن يعزز مواقعها ويزيد من امتدادها بين الجماهير، وفي نفس الوقت يشكل عقبة أمام السلطة لتنفيذ مخططات قمعية تتجاوز الخطوط الحمراء التي أشرنا إليها آنفًا.

ويكمن الرد الأمثل استراتيجيًا على العنصرية الإسرائيلية في تعزيز الوحدة الوطنية داخل صفوف الأقلية العربية من خلال تنظيم نفسها بشكلٍ صحيح في إطار لجنة متابعة منتخبة وبناء اطر شعبية محلية تدير المعارك النضالية على الوجه الصحيح، وفوق ذلك كله الحفاظ على خطاب وطني ديمقراطي متصل بالنضال الفلسطيني العام ضمن انتماء وتواصل قوميين لا مساومة فيهما، علاوة على تدويل قضايانا قدر الإمكان من خلال التركيز على فضح الطابع العنصري للمؤسسة الإسرائيلية بكل مركباتها لما في ذلك من قوة في الساحات الدولية.
"فصل المقال"