ملاحظات على الورقة المصرية للمصالحة الفلسطينية../ زياد أبو شاويش

بقراءة متأنية وفاحصة لبنود الورقة المصرية في عناوينها الرئيسية وما يتفرع عنها من بنود وتفاصيل إجرائية وتطبيقية وغيرها نكتشف مباشرة أن الأساس الذي قامت عليه هذه الورقة يتكون من نقطتين: الأولى قناعة مصرية بأن السلام مع إسرائيل أمر حتمي، ويجب أن تجري كل الترتيبات الفلسطينية الداخلية على هذا الأساس بما في ذلك نتائج المصالحة. والثانية أن هناك شرعية فلسطينية واحدة تعود ملكيتها الحصرية للرئيس الفلسطيني محمود عباس ولحركة فتح بالاستناد للنقطة الأولى باعتبارهم شركاء إسرائيل في عملية السلام، وليس على قاعدة التمثيل الشرعي للمنظمة وقيادتها للشعب الفلسطيني وكونها حركة تحرر وطني تمارس المقاومة.

هذا الأمر عكس نفسه في الورقة عبر بنود محددة تتعلق بالصلاحيات والمرجعيات التي يعود معظمها، وخاصة في مجال الأمن، لرئيس السلطة الفلسطينية، وكذلك في إغفال بنود يجب أن ترد في الورقة كالحق في المقاومة وشرعية سلاحها عبر صيغة متفق عليها.

وبسبب هذا الفهم المصري لكل المسألة الفلسطينية وتناقضه مع توجهات الغالبية العظمى من فصائل العمل الوطني الفلسطينية فقد وجدنا عدداً من الملاحظات المسجلة على الورقة من كافة هذه الفصائل، بما فيها حركة فتح، التي قامت بالتوقيع على الورقة كما هي يوم الخامس عشر من الشهر الجاري وتسليم التوقيع للمصريين عبر الأخ عزام الأحمد الذي زار مصر لهذا الغرض.

وقبل أن نسجل هذه الملاحظات لابد من إعادة التأكيد على ضرورة إنهاء الانقسام الفلسطيني عبر مصالحة وطنية تأخذ بعين الاعتبار المصلحة الوطنية العليا للشعب الفلسطيني على قاعدة أن أي تأخير أو عرقلة للمصالحة سيكون على حساب هذه المصلحة، ولا بد من تغليب الرئيسي في الجهد المبذول والمرتبط بتحقيق الوحدة الوطنية، حتى لو كان هذا على حساب النصوص وثغراته الواضحة في الورقة والذي يمكن أن نسجل عليها تحفظاتنا دون أن يصل الأمر حد تخريب كل العملية بسببها.

إن أول ثغرة في الورقة المصرية وأكثرها خطراً على مستقبل العمل الوطني الفلسطيني برمته تشريعها للانقسام عبر الحديث عن تشكيل لجنة تنسيق تشرف على الوضع الفلسطيني وتمهد للانتخابات في الثامن والعشرين من يونيو حزيران عام 2010، وهذه اللجنة المكونة من 16 عضواً تنوب عن حكومة وحدة وطنية على أساس ورقة الوفاق الوطني مع الأسف ويتم تسميتها من قبل فتح وحماس مناصفة، أي أن ممثل أي فصيل أو مستقل في هذه اللجنة يجب أن يكون محسوباً على أحد الطرفين ولو معنوياً.

غني عن القول إن هذا يعني الإقرار بوجود حكومتين وكيانين ويطيل أمد الانشقاق بسبب تأجيل الانتخابات.

الملاحظة الثانية على الورقة هي إغفالها لحق الشعب الفلسطيني في المقاومة عبر تجاهل ذلك في النص، وتكريس هذه الثغرة في تجريم امتلاك السلاح باستثناء المملوك للسلطة عبر أجهزتها الأمنية الثلاثة كما ورد نصاً في الورقة، وحصر أي استخدام لهذا السلاح بالتشريعات الصادرة عن السلطة الوطنية التي هي نتاج اتفاق أوسلو التفريطي. وعلى ضوء الموقف المعروف للسيد عباس رئيس السلطة من موضوع المقاومة وسلاحها فإن هكذا نصوص لا يمكن تفسيرها إلا بهذه الكيفية، وهو ما أشارت إليه بحق فصائل المقاومة في دمشق ومن بينها حركة حماس.

الثغرة الثالثة أو الملاحظة الثالثة هي في موضوع التمثيل النسبي والدوائر ونسبة الحسم حيث حرصت الورقة على إرضاء طرفي الخصومة وليس المصلحة الوطنية التي تقتضي أن تكون الانتخابات كلها بالتمثيل النسبي حرصاً على مشاركة الجميع خصوصاً في مرحلة التحرر الوطني، وأن تكون نسبة الحسم في أدنى الحدود لذات الغرض.

الملاحظة الرابعة تتعلق بتأجيل الانتخابات، وهذا يعطي فرصة للعرقلة والتخريب وبقاء الحالة كما هي في ظل عدم وجود جهة فلسطينية واحدة تقود المرحلة الانتقالية ويقتصر الأمر على لجنة تنسيق كما أسلفنا. ولعل التوتر الحاصل في الساحة الفلسطينية والناجم عن طلب السلطة تأجيل تقرير جولدستون يقدم المثال على ما أشرنا له في هذه الفقرة، حيث لا يضمن أحد عدم وقوع أخطاء مماثلة من كلا طرفي الخصومة الفلسطينية.

الملاحظة الخامسة ترتبط بغموض بعض الفقرات وعدم اتضاح آليات العمل في ترتيبات إعادة تشكيل الأجهزة الأمنية وحصر المرجعية في الرئيس محمود عباس بما في ذلك تكليف الضباط المشرفين، ولا يقلل من أهمية هذه الثغرة الحديث عن المهنية والالتزام بالقانون...الخ. (وكما يقال الشيطان يكمن في التفاصيل).

وأخيراً فإن غياب ضمانات لتنفيذ أي اتفاق والاكتفاء بإشراف مصري وعربي على عمل اللجنة والأجهزة الأمنية بدون وجود أداة إلزامية للطرفين يبقي الباب مفتوحاً على احتمالات العودة لنقطة الصفر في كل وقت حتى لو أجريت الانتخابات ونجح فيها أحد الطرفين، حيث لن تسلم فتح الضفة الغربية لحماس في حال فوزها، ولن تسلم حماس غزة لفتح في حال فوزها كذلك. ومن هنا أهمية الحديث عن الثقة والتوافق ووضع أولوية إصلاح منظمة التحرير الفلسطينية وإعادة تشكيل مؤسساتها بمشاركة الجميع واعتبار ذلك بمثابة المفتاح لحل كافة القضايا الأخرى، وبمعنى أوضح مشاركة جميع القوى والفصائل في عملية المصالحة والإصلاح والكف عن اعتماد صيغة المحاصصة التي تكرسها الورقة المصرية بين فتح وحماس.