غياب المناورات العسكرية العربية المشتركة وحضور الإسرائيلية المتعددة../ نزار السهلي*

يمكن القول إن المناورات العسكرية الإسرائيلية – الأمريكية الضخمة التي بدأتها أمريكا وإسرائيل في المنطقة يوم الأربعاء 21 تشرين الأول/ أكتوبر الحالي، والتي تحمل اسم "جنيفر كوبرا"، توجه عدة رسائل مهمة إلى دول المنطقة وشعوبها مفادها أن العلاقة الإستراتيجية بين أمريكا وإسرائيل أبعد مما يتصور البعض من أن حسن النوايا سيقود إلى فك عرى التحالف الذي وصفه الرئيس أوباما بأنه أكثر من استراتيجي.

والهدف العام لهذه المناورات حسب التعريف الإسرائيلي خلق البنية التحتية اللازمة لتمكين المنظومات الدفاعية الأمريكية والإسرائيلية العمل بصورة مشتركة في حال حصول مواجهة مع إيران. وتحاكي هذه المناورات الجوية الضخمة اعتراض صواريخ "شهاب" الإيرانية وصواريخ " حماس " وسورية وحزب الله في حال تعرضت المنشات النووية الإيرانية لضربة أمريكية إسرائيلية.

التوقيت الذي حملته المناورات الجوية بعد إقرار مجلس حقوق الإنسان في جنيف لتقرير غولدستون، وطرد تركيا لإسرائيل من مناورات نسر الأناضول، وإخفاق عملية السلام في المنطقة، هو لمراجعة الإخفاقات العسكرية المتتالية في العراق وأفغانستان أمريكياً، ولبنان وفلسطين إسرائيلياً. وبالدرجة الأولى لإشعار إسرائيل
بشكل دائم بالحماية العسكرية والأمنية والسياسية ودعم كل الإجراءات التي تندرج تحت حماية "أمن إسرائيل "
بعد التعهد الأمريكي بسلسلة من المعاهدات الإستراتيجية العسكرية بين تل أبيب وواشنطن بدأت مع العام 1981 بإجراء مناورات عسكرية مشتركة.

ويمكن القول إن الحضور القوي للتعاون الأمني والعسكري والتقني بين إسرائيل والولايات المتحدة يشكل عامل ضغط قوي ومهم في فرض إنجاز سياسي في المنطقة في الفترة المقبلة.

في المشهد العربي المترامي الأطراف، المعني بشكل مباشر بأهداف تلك المناورات، يبقى الغياب العربي الحاضر القوي في واقع الخريطة السياسية والأمنية والعسكرية، الذي ظن أنه يبعد نفسه عن مخاطر العدوان بعقد اتفاقات ثنائية وإقامة تحالفات لا تخدم الأمن القومي العربي، بل أصابته في مقتله من خلال تفتيت إستراتيجية الأمن والتعاون العربي، وحصرها باجتماع "وزراء الداخلية العرب" والتعاون لمكافحة "الإرهاب" وهو ما أضعف الموقف العربي، وغيب الإستراتيجية الأمنية العسكرية العربية، بالإضافة إلى غياب معاهدة الدفاع العربي المشترك لصالح تعاون عسكري إقليمي وغربي، مع ثبات إستراتيجية الدعم العسكري والتقني الأمريكي لإسرائيل وتعهد الإدارات الأمريكية المتعاقبة على إبقاء التفوق العسكري الإسرائيلي في المنطقة، لفرض الرؤية الأمريكية الإسرائيلية المتعلقة بالتسوية في الشرق الأوسط تكون الذراع الإسرائيلية هي العليا.

يظن النظام الرسمي العربي أنه خرج من دائرة الاستهداف الأمني والعسكري الإسرائيلي عندما جمد العمل بمعاهدة الدفاع العربي المشترك التي أقرها في العام 1950، ولم تجلب هذه الخطوة إلا المزيد من الأخطار والانحدار في مستوى التعاون البيني بين أقطار العالم العربي الذي شهد في العقود الماضية غيابا شبه تام لإستراتيجية دفاعية عربية عسكرية وأمنية لم ترتق لمستوى مواجهة العدوان الإسرائيلي والتعاون العسكري الأمريكي الإسرائيلي الموجه أساساً لإبراز التفوق والسيطرة الإسرائيلية في المنطقة العربية.

ومع انعقاد مؤتمر مدريد الشهير "للسلام" و قبله خروج مصر من معادلة الصراع في المنطقة عبر اتفاقات كامب ديفيد، استبدلت الإستراتيجية العسكرية العربية بتعاون أمني واستخباراتي مع الولايات المتحدة وإسرائيل في ظل اتفاقات "السلام" الأمنية برعاية أمريكي،ة مع بقاء الأطماع الإسرائيلية في العالم العربي على كافة الأصعدة السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية.

واليوم يطرح السؤال بقوة أمام الأنظمة العربية وشعوبها التي تشاهد المناورات الإسرائيلية الأمريكية من على شاشاتها الوطنية ومختلف وسائل الإعلام: من المستهدف من وراء تلك المناورات؟ والتبرير القائل المندرج تحت باب التعاون يخفي وراءه كل الأطماع التي ذكرت آنفا، ولتكون النفسية والعقيدة العربية دونية في نظرتها إلى الذات وقطع الطريق أمام كل المحاولات العربية لامتلاك السلاح حين يجري الحديث عن اعتراض شحنة هنا أو هناك، وتضخيم الأمر أن دولة الديمقراطية الوحيدة في المنطقة تهددها شحنة أسلحة اعترضنها في البحر المتوسط أو في أي طريق تصل العالم العربي ببعضه البعض.

الإستراتيجية العسكرية الإسرائيلية اليوم تستهدف، كما هي دوما في مرحلة السلام المزعوم، التسليم بالأمر الواقع الذي تفرضه على المنطقة في الحرب و"السلم" الدعائي.

الحضور العسكري الإسرائيلي في أية مناورات لن يجعل الإستراتيجية العسكرية العربية تنهض من نومها العميق، ولا هدير الطائرات الإسرائيلية استطاع أن يرشدها ويعيد الوعي لها لتجد نفسها من جديد خارج الجغرافية التي أسرت نفسها بها ليكون الحضور الإسرائيلي قويا والغياب العربي أيضاً.