هكذا تحوّلت فلسطين إلى دولة اليهود../ زهير اندراوس

أولاً: استفاقت الأمّة العربية والإسلامية في السابع والعشرين من شهر أيلول الماضي على الأنباء الواردة من القدس المحتلة حول قيام مجموعات يهودية بمحاولة اقتحام المسجد الأقصى المبارك، بحماية من شرطة الاحتلال، استفاقت ومن ثمّ عادت وغطت، كعادتها، في سباتٍ عميقٍ.

الفلسطينيون العزل المرابطون في القدس المحتلة وضواحيها ومن الداخل الفلسطيني هبّوا للدفاع عن الأقصى الشريف وحدهم بدون أسلحة، ولكنّ سلاحهم الوحيد كان الإيمان المطلق بعدالة قضيتهم.

الفلسطينيون على مختلف فئاتهم وأعمارهم وأجناسهم شكّلوا حاجزًا بشريًّا في وجه المستوطنين ورجال الشرطة الإسرائيليين الذين وفّروا الحماية لهم في تواطؤ واضح مع العدوان، وهذا الأمر ليس غريبًا على دولة الاحتلال وأذرعها التنفيذية.

وجريًا على العادة العربية الممجوجة أعلنت الجامعة العربية عن قلقها، وكذلك فعلت منظمة المؤتمر الإسلامي، فهذا هو كل ما في جعبتهما من أفعال تجاه المسجد الأقصى، مجرد بيانات من ورق، تحتوي على بعض العبارات فاقدة التأثير بسبب تكرارها على مدى العقود الماضية، بيانات شجب واستنكار تنأى الصحف الغربية بنفسها عن التطرق إليها.

ثانياً: الاعتداءات الإسرائيلية على المقدسات العربية والإسلامية لم تتوقف، ولن تتوقف، طالما أنّ الرد عليها يأتي ببيانات لا تساوي الحبر المكتوبة به من قبل أكثر من خمسين دولة إسلامية، ولا نبالغ إذ نجزم بأنّه عندما نصل، هذا إذا وصلنا، إلى حل القضايا النهائية العالقة مع الإسرائيليين، تكون القدس بجزأيها الغربي والشرقي، موحدة وعاصمة أبدية للشعب اليهودي، كما أعلن أقطاب الدولة العبرية.

وللتذكير فقط فإنّه منذ النكبة عام 1948، قامت إسرائيل بتدمير أكثر من ألفي مسجد في فلسطين، وما زالت أذرعها المختلفة تستبيح المقدسات الإسلامية بوتيرةٍ عاليةٍ، لمعرفتها أنّه لا يوجد حسيب أو رقيب، والأمّة التي لا تحافظ على مقدساتها تشجع المعتدي على المضي قدمًا في غيّه.

ثالثاً: لا يختلف عاقلان في أنّ الحركة الصهيونية منذ تأسيسها وحتى اليوم تعمل بطرق وأساليب للإجهاز على ما تبقى من الأرض العربية في فلسطين التاريخية، لكي تثبت لنفسها المقولة الكاذبة التي سوّقتها في العالم بأنّ فلسطين هي أرض بلا شعب، لشعب بلا أرض، ناهيك عن أنّ هذه الحركة الاستعمارية تمكنت من إقناع ما يُسمى بالغرب المتنور، أي أوروبا وأمريكا، بصدق مزاعمها، ولكنّ الأدهى من هذا وذاك، أنّ هذه الحركة ممثلة بحكومة الدولة العبرية اليمينية المتطرفة، ومعززة بالعديد من الأثرياء اليهود من جميع أصقاع العالم (أين الأثرياء العرب؟)، صعّدت في الآونة الأخيرة من حملاتها الاستيطانية، وباتت تُخرج مخططاتها المبيتة بشكل علني، ولا يردعها رادع لفرض الحقائق على أرض الواقع، ولعزل القدس الشرقية المحتلة عن محيطها الفلسطيني، ولا ضير في هذه العجالة التذكير بأنّ رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، ردّ على الطلب الأمريكي بوقف الاستيطان على كافة أشكاله، بما في ذلك، القدس الشرقية، بالقول الفصل إنّ القدس الموحدة بجزأيها الغربي والشرقي، هي العاصمة الأبدية للدولة العبرية، وإنّ هذا الأمر غير قابل للنقاش، على حد تعبيره.

رابعاً: الحركة الصهيونية لا تخفي أطماعها في مواصلة السيطرة على الأراضي العربية المحتلة منذ عدوان حزيران (يونيو) 1967، مثل هضبة الجولان العربية السورية المحتلة، ونتنياهو يعرض على سورية معادلة السلام مقابل السلام، أي أنّ إسرائيل ستمنح السلام لسوريا مقابل مواصلة سيطرتها على الهضبة المحتلة، كما أنّه يقترح على الفلسطينيين ما يُسمى بالسلام الاقتصادي، وتواصل حكومته دعم الاستيطان اليهودي في الضفة الغربية المحتلة والقدس المحتلة، ولا يخفى على أحد أنّ رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق أرييل شارون، درس في عام 2003 احتلال الأردن لتنفيذ المخطط الصهيوني القديم المسمى بالوطن البديل.

علاوة على ذلك، لم تخف إسرائيل يومًا من الأيام علاقاتها التاريخية مع إقليم كردستان في العراق. ولا حاجة للتذكير بأنّ إسرائيل ما زالت تحتل مزارع شبعا اللبنانية، على الرغم من أنّها لا تزعم أنّ هذه المنطقة تابعة لها.

خامساً: لا بدّ من الإشارة إلى وجود مخطط إسرائيلي كبير وغير معلن للسيطرة الصهيونية على الأراضي الفلسطينية في فلسطين التاريخية، بهدف تغيير الميزان الديموغرافي لصالح اليهود.

ووفق المعلومات المتوفرة فإنّه بعد تنفيذ خطة فك الارتباط الأحادي الجانب من قبل الدولة العبرية في قطاع غزة، في آب من عام 2005 بدأت الدولة العبرية تنفيذ هذا المخطط المركب، من عدة مراحل: بعد الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة، شعر اليمين الإسرائيلي بأنّه يجب التعويض عن الأراضي التي "خسرها" في قطاع غزة، وبالتالي باشر بعملية استيطان واسعة النطاق، واللافت في الأمر أنّ اليمين المدعوم من الحكومة بدأ يتغلغل داخل ما يُسمى بالخط الأخضر، والمثال الأبرز على ذلك هو إقامة مدينة في قلب وادي عارة، معدّة لحوالي 150 ألف مستوطن من اليهود المتزمتين (الحريديم) الذين لا يخدمون في الجيش الإسرائيلي، ولكنّهم يتلقون رواتب شهرية من الحكومة الإسرائيلية.

والمخطط الثاني هو إقامة مدينة جديدة بالقرب من قرية عين ماهل، وهو مؤشر آخر على استفحال الاستيطان داخل الخط الأخضر، بالإضافة إلى إقامة مدينة كسيف اليهودية في النقب. بكلمات أخرى، إسرائيل تخطط لإقامة ثلاث مدن يهودية داخل الخط الأخضر على أراضي العرب، مع العلم بأنّها منذ قيامها لم تقم لا قرية ولا بلدة ولا مدينة عربية واحدة.

سادساً: يتحتم علينا أن نأخذ بعين الاعتبار وبمنتهى الجدية مصادقة الكنيست على مشروع قانون رئيس الوزراء نتنياهو بالنسبة لما يُسمى "دائرة أراضي إسرائيل"، وهو عمليًّا بيع ما تبقى من أملاك اللاجئين الفلسطينيين، لفرض الحقائق على الأرض ومنع أيّ حل قد يطالب به الطرف الفلسطيني لتحقيق حق عودة اللاجئين الذين هُجِّروا من وطنهم في نكبة عام 1948.

ولأولئك الذين يُعوّلون على الشرعية الدولية نقول إنّ القرار 194 الصادر عن مجلس الأمن الدولي ينص على حق العودة، فالدولة العبرية باتت عضوًا في الأمم المتحدة شريطة قبولها وتنفيذها القرارين 181 (تقسيم فلسطين) والقرار 194، ولكنّ هذه الدولة المارقة بامتياز والمعربدة بتفوقٍ لم تنفذ حتى اليوم أكثر من ستين قرارًا صادرًا عن الأمم المتحدة، على الرغم من أنّها الدولة الوحيدة في العالم التي أقيمت بقرار من قبل نفس المؤسسة.

سابعاً: مشكلة فلسطين ليست مشكلة الشعب الفلسطيني، إنّها مشكلة العرب من محيطهم إلى خليجهم، ولكن ما يثير الإحباط هو أنّ الأمّة العربية قادةً وشعوبًا ما زالت في مرحلة التلقي، بمعنى آخر على الرغم من العربدة الإسرائيلية الصهيونية فإنّ الدول العربية برمتها ما زالت في مرحلة رد الفعل ولم تنتقل إلى مرحلة الفعل، وهنا بيت القصيد وهذا مربط الفرس، وهنا تكمن المشكلة الرئيسية: اليوم بعد مرور حوالي 61 على النكبة الفلسطينية، نرى من الواجب أن نسأل أنفسنا، قادةً وشعوبًا: هل فعلنا بما فيه الكفاية لدرء هذا الخطر المحدق بنا؟ هل ارتقينا إلى مستوى الحدث؟ أم أننّا ما زلنا نُطلق الشعارات الرنانّة والحكومة المتطرفة بقيادة نتنياهو -باراك -ليبرمان، تواصل السير على درب الخطوط العريضة وغير العريضة التي وضعتها الحركة الصهيونية؟

ثامناً: إسرائيل تتصرف اليوم كدولة للشعب اليهودي، بكل ما تحمل هذه الكلمة من معانٍ، وتُمعن في قمع الفلسطينيين في الداخل عن طريق قوننة وشرعنة العنصرية، فالعنصرية لا يمكن مساومتها بأيّ حال من الأحوال، إنّما تجب هزيمتها، ولكن كيف نقدر على ذلك؟ هل الفلسطينيون وحدهم قادرون على صد هذا التصعيد العنصري؟ الجواب بطبيعة الحال، لا. وبمّا أنّ إسرائيل تتصرف باعتبارها دولة يهودية، فإنّها رفعت سقف مطالبها، في ظل الصمت الدولي، والعربي تحديدًا، على عنصريتها، وباتت تطالب العرب والعجم بالاعتراف بكونها دولة اليهود فقط، أي بكلمات أخرى، دولة نقية من العرب، وهنا تكمن الخطورة، لأنّ الاعتراف بهذا المطلب سيكون بمثابة وعد بلفور الثاني، فالأول كان أنّ من لا يملك أعطى لمن لا يستحق، والثاني سيكون خطيرًا للغاية ويحمل في أبعاده دفن حق العودة وتحويل مليون ونصف مليون فلسطيني يعيشون في إسرائيل إلى سلعة ورهائن للتفاوض، لأنّ أركان الدولة العبرية من ليفني إلى نتنياهو مرورًا بباراك وانتهاءً بليبرمان يصرحون بأنّ الدولة الفلسطينية العتيدة هي البيت الوطني للفلسطينيين، بما في ذلك الفلسطينيون في مناطق الـ48.