"عقيدة الصدمة" ونموذج المقاومة الشعبية../ عوض عبد الفتاح

في صباح يوم الأحد01.11.09، كانت غيوم الشتاء تتجمع فوق قرية مصمص، القابعة على جبل شمال غرب مدينة أم الفحم، إنتظر المزارعون سقوط الأمطار لتروي زيتونهم بعد أسابيع من الحرّ غير المعتاد في هذه الفترة من السنة. لم تسقط الأمطار، بدل ذلك سقط على أهالي مصمص رصاص مطاطي وغيوم من الغازات المسيلة للدموع وقنابل صوتية. أطلقها خمسة مائة شرطيّ إسرائيلي (العدد من مصدر إسرائيلي) على أهالي القرية الذين تجمع قسم منهم على سطح بيت بناه مواطن على أرضه بدون رخصة هربًا من البؤس الذي عاشه.

تم هدم البيت بعد مقاومة شعبية سلمية لأكثر من ساعتين. القصة ليست جديدة، والنهج الإسرائيلي ليس جديدًا، والدوافع معروفة ولا حاجة لتكرارها. ويمكن تلخيصها في كلمتين أو ثلاث؛ الحركة الصهيونية تريد أرض الفلسطيني وبدونه وبالقوة.

أيضًا ليس الجديد إذن في جريمة هدم البيت. ففي السنوات الأخيرة تهدم إسرائيل البيوت بالجملة، خاصة في النقب العربي. وليس الجديد في المقاومة الشعبية، فتاريخ شعبنا في الداخل زاخر بالنضالات الشعبية ولولاها من الصعب تخيّل حالنا اليوم.

الجديد هو في جانبي المتراس، أي في الجانب الإسرائيلي وفي الجانب العربي.

النظام العنصري في إسرائيل يستوحي الآن على ما يبدو روح العقيدة الأمريكية في الحرب – عقيدة الصدمة. والتي تتمثل في استعمال قوة نيران هائلة بكافة الأسلحة مرة واحدة وبصورة فجائية بهدف إفقاد الخصم لتوازنه – قيادة وجيشًا. وهذا ما رأيناه في العدوان الأمريكي على العراق عام 1991 وعام 2003، وكذلك في أفغانستان عام 2001. ولكن ما أصبح مسلمًا به هو أن هذه العقيدة الوحشية فاقدة المفعول على المدى البعيد. ذلك أن المقاومة مستمرة وأدخلت أصحاب هذه العقيدة في مأزق حقيقي.

لقد استنتجت المؤسسة الإسرائيلية الأمنية والسياسية بأنه في ضوء تصاعد الوعي القومي عند عرب الداخل وإبدائهم المزيد من الإستعداد للنضال والتمسك بما أنجزوه من صمود وإنجازات وخطاب سياسي جديد، لا بدّ من إستعادة قدرة الردع وإعادتهم إلى الربع الأول. وقد بدأت هذه المرحلة الجديدة في الهبة الشعبية في أكتوبر عام 2000، حين اعتمدت الدولة العبرية النيران الفتاكة لقمع مظاهرات الغضب العارم. ولكن هذا الأسلوب الوحشي والمخالف للقوانين الديمقراطية والإنسانية الكونية، فضلاً عن القوانين الإسرائيلية نفسها، أي حظر إطلاق النار الحي على متظاهرين، سبب موجة احتجاج واسعة في الداخل مما دفع إسرائيل إلى التراجع عن استعمال النار الحية.

ما هو البديل الذي أوجدته المؤسسة الإسرائيلية. لقد تجلّى هذا البديل أثناء مظاهرات الإحتجاج في الداخل ضد العدوان الإسرائيلي الوحشي على قطاع غزة أواخر العام الماضي، وهو زج قوات شرطة بعدد هائل ويفوق عدد المتظاهرين والإنقضاض عليهم وإنزال الضرب المبرح بالمتظاهرين حتى وهم مكبّلون بالسلاسل، أي بعد القبض عليهم.

كيف تجلى ذلك يوم الأحد الماضي في مصمص.
كان المشهد وعملية التحضير للهدم كأنها عملية مواجهة حربية. مئات من رجال الشرطة المدججين بالعصيّ وبالبنادق وبقنابل الغاز، وبالقنابل الصوتية.

اعتصم الأهالي على سطح البيت وفي داخل البيت. لم يكن هؤلاء مستوطنين يهودا، لأنهم لو كانوا كذلك لتقدم إليهم رجال الشرطة وأنزلوهم بلطف واحدًا واحدًا. ولكن هؤلاء المعتصمين والمدافعين عن أبسط حق إنساني، السكن، هم عربٌ يجب قصفهم بوسائل أخرى وبطريقة وحشية. لقد قصف رجال الشرطة المعتصمين العرب من أهالي مصمص بكثافة هائلة وكأنهم كانوا يقصفون موقعًا حربيًا في معركة عسكرية. لا يخفف من الأمر أنهم لم يستعملوا النيران الحيّة، فليس هناك ما يبرر ذلك. ولكن أن يُقمع معتصمون مسالمون بهذه الدرجة من الوحشية هي من معالم الإستراتيجية الإسرائيلية العنصرية المتجددة ضد عرب الداخل. وكما رأينا فقد أضيفت الكلاب إلى جعبة القمع والتي نهشت بعض المعتصمين. يذكر أن جميع المعتصمين أصيبوا بجروح خفيفة ولكنها مؤلمة جدًا جراء إصابتهم بالرصاص المعدني المغلف بالمطاط (والذي قد يكون قاتلا في حالات كما حصل مع الشهيد رامي غرة في هبة القدس والأقصى والذي أصيب برصاصة من نفس النوع بعينه ما أدى إلى استشهاده).

الجديد الأهم – المبادرات الشعبية
أما الجديد الآخر، وهو الأهم، هو عدم ارتداع أهلنا في مصمص من عقيدة الصدمة الإسرائيلية. لقد جسّد أهالي القرية نموذجًا في المقاومة الشعبية، وفي التحدي. لم يكن يوم الأحد يوم عطلة عمل ومع ذلك شارك المئات في التصدي لجريمة الهدم. هذه المشاركة لم تكن عفوية تمامًا، بل كان مهيئًا لها منذ حوالي أسبوعين وجرى الإعداد لذلك عبر تشكيل لجنة شعبية محلية وإقامة خيمة اعتصام في البيت الذي هدم.

لا يجوز تلخيص التجربة بأنها كانت خاسرة لأن البيت جرى هدمه في النهاية. فالمعركة أوسع من ذلك. وهي تتعلق بمسيرة كفاحية تاريخية وطويلة لعرب الداخل ضد نظام الأبارتهايد الإسرائيلي ومن أجل انتزاع الحقوق القومية والمدنية. المعركة لم تبدأ اليوم ولم تنتهِ. وهي معركة لم ننجزها بل فرضت علينا. ولا بدّ من دخولها والإعداد الجيّد لها.

إن ظاهرة عودة تشكل اللجان الشعبية بمبادرات محلية لمواجهة جرائم الهدم وغيرها من القضايا الوطنية والمدنية، تعكس تجدد الوعي بضرورة التنظيم لمواجهة تجدد وتغوّل الدولة العبرية ضد الشعب الفلسطيني وعرب الداخل. ربما تجربة اللجنة الشعبية في مصمص تشكل أكثر النماذج تقدمًا في الآونة الأخيرة، والتي من شأنها أن تكون نموذجًا لتجارب أخرى.

يجب النظر إلى تجربة مصمص ليس باعتبارها تجربة معزولة عما قبلها وعما بعدها، بل جزء من مسيرة كفاحية لعرب الداخل لا بدّ من تجديدها وإعادة تأطيرها ضمن استراتيجية عربية شاملة تفتح آفاقًا جديدة في النضال الشعبي والدولي. تحية لأهالي مصمص وتحية لكل الصامدين.

"العاصمة"... القدس والفعل الثقافيّ | ملف خاص