من الكولونيالية إلى الإثنوقراطية إلى الدمقراطية! / خالد خليل

البحث عن تسوية لا يسوغ إعادة تعريف الحالة الكولونيالية واستخدام مصطلحات تصلح أكثر لتوصيف المشهد الراهن وليس لتعريفه. فالإثنوقراطية، بما هي هيمنة مجموعة إثنية وفرض سيطرتها والاستئثار بالامتيازات في المجالات المختلفة على حساب المجموعات الإثنية الأخرى داخل الدولة, هي توصيف للمشهد الإسرائيلي الراهن حيث تسيطر الأكثرية اليهودية وتفرض مشروعها بالقوة.
في الحقيقة، لا توجد مشكلة مع هذا التوصيف اذا ما استخدم فعلاً بهذا السياق والمعنى، لكنه يصبح مشكلة كبيرة إذا ما تم اعتباره «تأصيلاً» نظريًا ليستخدم كتعريف بديل للنظام الإسرائيلي الذي يمثل حالة كولونيالية ليس بالإمكان شرعنتها باسم الواقعية السياسية. كما يستشف مما يحاول تسويقه بعض الباحثين العرب واليهود العاملين في حقول العلوم الاجتماعية في إسرائيل.
ولو سلمنا جدلاً بضرورة البحث عن تسوية للأقلية العربية داخل إسرائيل مع الأغلبية اليهودية، من أجل تحسين ظروفها وتحقيق حقوقها الفردية والجماعية في إطار المفاهيم العامة لحقوق الأقليات وفقًا للرؤية الحقوقية الدولية فيما يتعلق بالأقليات الأصلية، فإنّ ذلك لا يعطينا الحق بنقض الحقائق التاريخية أو الالتفاف عليها أو حتى المجادلة فيها. حتى وان فرضت موازين القوى السياسية في عالمنا المعاصر تجاوزًا للأساس القانوني الذي يقوم عليه حق تقرير المصير والذي بحسب الشرائع الأممية لا يُعطى للكيانات الاستعمارية التي تقوم على أنقاض الشعوب المستعمرة، لأنّ ذلك يتناقض مع أبسط قواعد العدل التاريخي الطبيعي، وكم بالحري إذا كان الحديث عن الحركة الصهيونية التي اعتبرتها الشرائع الدولية عنصرية وغير شرعية.
إن تعريف إسرائيل كنظام إثنوقراطي يقود إلى الاستنتاج بأنّ هذا النظام من الممكن أن يتحول إلى نظام دمقراطي في حال كانت الغلبة داخل الأغلبية اليهودية للتيار «المعتدل» (كما يستنتج مما يقوله الباحثان أسعد غانم ومهند مصطفى في كتابهما الصادر حديثًا: الفلسطينيون في إسرائيل- سياسات الأقلية الأصلية في الدولة الإثنية)، والتيار المعتدل هو حزب العمل في هذه الحالة أو من يسار «كاديما» وحتى «ميرتس». وكيف يتحول النظام الإثنوقراطي إلى ديمقراطي؟! – الجواب المستدل من السياق: من خلال موافقة الأغلبية (غالبية التيار المعتدل) على مبدأ الديمقراطية التوافقية التي يمنح الفلسطينيون بموجبها حقوقهم الفردية والجماعية.
فالتيار «المعتدل» من الممكن في ظروف معينة أن يوافق على منح الحقوق للأقلية الفلسطينية إذا كانت لا تشكل خطرًا على الامتيازات الجوهرية للأغلبية. لذلك على الأقلية أن تقدم «تنازلات» مقابل التنازلات التي قبلتها الأغلبية، بما في ذلك الموافقة على الامتيازات الجوهرية «منها المجال الرمزي، واعتراف دولي بحق الأغلبية بحق تقرير المصير في هذه الدولة، بالمقابل تحظى الأقلية بمساواة أمام القانون، ويمنح أعضاء الأقلية حقوقًا سلبت منهم في النظام الإثنوقراطي، ومنها حقوقًا جماعية أساسية، مثل اللغة، الرواية التاريخية وتوزيع الموارد المادية والرمزية التي تتعلق بتراث وطموحات الأقلية».(غانم ومصطفى، ص386).
وفي النهاية يجب ان تكون إسرائيل دولة ثنائية القومية، لكننا لا نعرف اذا كان هذا المطلب يعني إلغاء يهودية الدولة، أم أنها ستكون دولة «يهودية وثنائية القومية» على نمط «دولة يهودية ودمقراطية»... أو دولة يهودية فيها قوميتان أو قوميات أخرى.. فالحديث عن التنازل في المجال الرمزي ماذا يكون اذا لم يكن في «يهودية الدولة» أو رموز الدولة اليهودية؟!
من يطرح التسوية مع الحركة الصهيونية يجب أن يكون واضحًا ويقول صراحة إن تسويته مع الحركة الصهيونية تحتوي على تنازل أساسي هو الاعتراف بها كحركة تحرر لليهود وبذلك يحق لها تقرير المصير، وعندها عليه أن يناضل من أجل ذلك حتى يصل إلى دولة ديمقراطية واحدة هي دولة إسرائيل الديمقراطية.
ولا يجوز اعتبار هذا الطرح اعتراضيًا، وليس مهمًا التسمية – فلسطين أو إسرائيل كما يقول معمر القذافي في مشروع «اسراطين».
وإذا كانت تسوية الباحثين غانم ومصطفى صادقة، فليس من المنطق أن يتحدث احدهما في سلوكه اليومي بخطاب ولغة أبناء البلد والآخر بلغة الحركة الإسلامية، فلا أبناء البلد ولا الحركة الإسلامية تؤيدان الاعتراف بحق تقرير المصير للحركة الصهيونية بوصفها تمثل مشروعًا استعماريًا.
هذه التوضيحات لا تعني أن الأقلية العربية في إسرائيل لا ينبغي لها أن تناضل من أجل الديمقراطية والحقوق الفردية والجماعية، بل على العكس، يجب تطوير هذا النوع من النضال وتكثيفه قدر المستطاع، لكن بالطبع ليس معنى ذلك أن الصراع مع الحركة الصهيونية ينتهي عند هذا الحد، خاصة وان تحول الحركة الصهيونية إلى حركة ديمقراطية مجرد وهم أنتجته الانتهازية السياسية لأحزاب وأفراد يميلون إلى الدمج في المجتمع الإسرائيلي أكثر من التحرر الوطني، وأكثر من دولة فلسطين الواحدة المعادية للمشروع الاستعماري على أرضها.
الصراع مع الصهيونية أكبر وأشمل من صراع الأقليات. إنه صراع أمة كاملة مع مشروع استعماري. واستحضار تجربة «الكويبك» في كندا والصراع الفرنسي الانجليزي هناك، أو التجربة الايرلندية والصراع الكاثوليكي البروتستانتي ينفع فقط لصراع الأقليات ويمكن عندها الحديث عن تحول النظام الإثنوقراطي إلى نظام ديمقراطي. أما في الصراع مع الاستعمار فتلك التجارب بالتأكيد غير نافعة حيث تنعدم أوجه الشبه بينها وبين الصراع العربي الإسرائيلي التي تشكّل «أقليتنا» في الداخل جزءًا منه.
خلاصة القول إن اختزال الصراع إلى صراع «أقلياتي» فقط وتقديم تنازلات في قضية حق تقرير المصير، من شأنه أن ينفي الطابع الكولونيالي للنظام الإسرائيلي ليتحول إلى مجرد نظام «إثنوقراطي» قابل للتحول إلى ديمقراطي، وهذا برأينا بعيد عن العدل والتسوية العادلة وأقرب إلى الاستسلام لأنه يعتبر مدخلا لتبرير الاعتراف بيهودية الدولة، خصوصا في حال تغييب قضية اللاجئين وحق العودة.
وهذا أخطر ما يحتويه الكتاب المذكور، الذي يحتوي أيضًا على أهمية توثيقية للسيرورة التاريخية المستمرة للفلسطينيين في الداخل رغمًا عن وجود نواقص كثيرة، بالإضافة إلى محاولة الانتقاص من دور عزمي بشارة والتجمع الوطني بوصفهما الأساس والمركز في تغيير الخطاب السياسي للفلسطينيين في إسرائيل في العقد ونصف الأخيرين، لا بل ان هناك محاولات متفرقة (خاصة في الهوامش)، على طول صفحات الكتاب التي تتجاوز الأربعمئة صفحة، لإظهار الكاتب الأول نفسه مركزيًا في تغيير الخطاب السياسي وهو أمر يفتقر إلى الدقة أن لم يكن غير صحيح إطلاقًا.