عن الجهل والتخلف والأوطان والانتصارات../ راسم عبيدات*

.......دائماً في مرحلة الهزائم والانكسار تحدث الردة والاستدارة للخلف في المجتمعات، ويلجأ الكثير من الناس للهروب من واقعهم وأزماتهم نحو الغيبيات والأساطير وقضايا السحر والشعوذة، ويتجه الناس نحو قضايا الهم والحل الفردي على حساب الهم الجمعي والوطني، وتحل القبلية والعشائرية محل الوطن والأمة، وتصبح التربة خصبة لتسييد مفاهيم الجهل والتخلف وثقافة الإنغلاق والدروشة والشعوذة.

فعلى سبيل المثال لا الحصر، وجدنا في لحظات اليأس والقنوط العربي، أن هناك من كانوا يرون أنهم شاهدوا الشهيد صدام حسين على قرص القمر، وهناك من ادعوا بمشاهدة السيدة العذراء في أكثر من بلد وقطر، وعندنا هناك من تقاطروا إلى مدينة الخليل، بينهم مثقفون، للعلاج من أمراضهم المزمنة وغير المزمنة، بإدعاء وجود طبيب يقوم بعمل عمليات جراحية دون ألم وحتى نزول قطرة دم واحدة، وهناك من آمن وصدق وجود تيس للغنم في بلدة السواحرة الشرقية يحلب، وحليبه دواء للنساء اللواتي لا ينجبن أو مصابات بالعقم، وهناك من يعتقد بوجود أناس قادرين على المعالجة بالحجاب وطرد الجن، وغير ذلك الكثير والعجب العجاب. حتى أن البعض وفي العديد من المناطق الريفية لا ينظر للمرأة على أنها ضلع قاصر فقط، بل يساوي بينها وبين الشيء أو الجماد، وعندما يتحدث عنها كأنها يتحدث عن شيء مخز أو معيب.

وهذه ليست الأسباب الوحيدة لظهور وسيادة هذه المفاهيم، بل إن عدم القدرة على مواكبة العلم والتطورات التكنولوجية، وسيادة ثقافة الإقصاء والانغلاق أو رفض الرأي الآخر والادعاء بامتلاك الحقيقة المطلقة، والثقافة الأبوية القائمة على تقديس وتأليه الأفراد، وأن الحاكم أو الوالي لا ينطق عن الهوى، وهو المرجع الأول والأخير في كل شؤون ومناحي الحياة، حتى لو كانت معرفته أو علمه بها لا يتعدي معرفتي بعلم الفلك، أو حتى لو كان في حالة من العته والهبل، فالمهم أنه من أبناء الأسرة الحاكمة.

إن المجتمعات المتخلفة والجاهلة تحاول أن تظهر على أساس أنها مجتمعات مترابطة ومتماسكة اجتماعيا، وهي محصنة ضد الأمراض الاجتماعية، وترفع شعارات واستشهادات من القرآن والسنة وغيرها من طراز "لا فرق بين عجمي وعربي إلا بالتقوى"، أو"لا يحب أحدكم لغيره ما لا يحب لنفسه"، أو" المسلم أخو المسلم إذا اشتكى منه عضو تداعى له باقي الجسد بالسهر والحمى" (أحاديث نبوية).

ولكن عندما تسبر غور تلك المجتمعات فتجد أن ما يطفو على السطح أو يظهر من إدعاءات التحصين والطهارة والتدين والأخوة والمحبة والتسامح وغير ذلك ليس لها وجود على أرض الواقع، ويخفي في الداخل أزمات عميقة اجتماعية ودينية ومذهبية واثنية، يغذيها الاستعمار والأنظمة الحاكمة والمراجع الدينية وثقافة مغرقة في الجهل والتخلف، وتنطحن وتنشغل بها الشعوب.

فأنت على سبيل المثال لا الحصر، ترى عربياً وإسلامياً أن أنصار السنة يعتبرون أنصار المذهب الشيعي، كإيران وحزب الله، أكثر خطراً على العروبة والإسلام من إسرائيل وأمريكا، وتنشغل القيادات والمراجع الدينية من الفريقين، بإصدار فتوى التخوين والتكفير لهذا الطرف أو ذاك. وأكثر من ذلك تجد أن العراق يذبح ويدمر ويقتل أبناؤه على أساس المذهبية والطائفية، وأصبحت وحدته الجغرافية مهددة بشكل جدي وحقيقي بالتجزئة والتقسيم. وفي الجانب الاجتماعي فتمارس كل أشكال الاضطهاد بحق المرأة من النفسي إلى الجسدي وتعامل كسلعة وأحط حتى من السلعة، فأنت أصبحت ترى حالة من التحرش الجنسي تطال النساء في الأماكن العامة، وبغض النظر عن العمر، وإذا كانت محتشمة أو غير محتشمة محجبة أو غير محجبة، فهناك حالة من النهم والجوع الجنسي، وتجد المراجع الدينية منشغلة بإصدار الفتاوى الخاصة بجسد المرأة والاستمتاع بها، من زواج المسيار فزواج المتعة وزواج السفر وزواج الكيف وغيرها، وتجد أن تجارة الجنس والدعارة رائجة في معظم الأقطار العربية والإسلامية، بل وتحتل عالمياً مواقع متقدمة في هذا الجانب، فالمغرب مصنفة عالمياً في المرتبة الثانية على هذا الصعيد، والأمارات العربية في المرتبة السادسة.

والأمور ليست قصراً على هذا الجانب، فأنت ترى مجرد خلافات شخصية وعلى أمور غاية في البساطة والتفاهة، تتحول إلى حالة من الاحتراب العشائري الدموي أو القبلي، والذي لا ينفع معه أي شكل من أشكال الروابط والوشائج لا وحدة الدم ولا الدين ولا الانتماء ولا الهوية، وتصبح الناس أقرب إلى القطعان البشرية والمجردة من كل معاني الأخوة والإنسانية، وتغلب العصبية القبلية والعشائرية على أي انتماء آخر.

والجهل والتخلف لا يطالان هذه الجوانب فقط، فأنت ترى الكثير من القيادات التربوية والمفكرين والأدباء والعلماء والمثقفين والمراجع الدينية وغيرهم، إما جيوشا خدما يسبحون بحمد ونعم ومال القادة والسلاطين، ويبررون أعمالهم وتصرفاتهم تجاه الشعوب وقضايا الأمة، أو أنهم سلبيون أو مغرقين في الفئوية والانغلاق، أو هم مجموعة من الدراويش والمعادين لكل أشكال التطور والتقدم في المجتمع، ويقفون ضد تعليم المرأة ومشاركتها في العلم والإنتاج والحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، ولا ينظرون إليها إلا من زاوية الجنس، وأن مكانها الطبيعي هو البيت والمطبخ.

وتصورا أن البعض يريد ليس في فلسطين بل في العالم العربي، تعطيل لغة العلم، ويعيدنا إلى عهد الكتاتيب، بتحريم تعلم المرأة للكمبيوتر أو الثقافة والتربية الجنسية، بحجة أن ذلك يتعارض مع الدين ويفسد الأخلاق والقيم في المجتمع.

أنا لا أعرف كيف لأمة أن تخرج في مسيرات عارمة ضد رسوم كاريكاتيرية مسيئة للرسول والإسلام، ولا تنتفض لاغتصاب العراق وفلسطين، ومحاولات هدم المسجد الأقصى؟ فهل رسم كاريكاتري مسيء من صحفي مغمور قد يبغي الشهرة أخطر من ضياع فلسطين والعراق والمقدسات الإسلامية؟ أم أننا بحاجة إلى إعادة تأهيل في الفكر والثقافة والتربية؟ ثقافة وفكر وتربية تعظم قضايا الأمة على القضايا القطرية، والأخطر أن القطرية نفسها تتعرض لمخاطر التجزئة والتقسيم، ويتعرض النسيج المجتمعي للتهتك والتدمير، بحيث يصبح القطر الواحد مجموعة من القبائل والعشائر، همها الأول والأخير مصلحة العشيرة والقبيلة لا مصلحة الوطن والأمة.

إننا بحاجة على المستوى العربي والإسلامي إلى ثورة اجتماعية شاملة، تطيح بكل البنى القائمة، وتضرب كل أركان العشائرية والقبلية، وتتخلص من كل مفاهيم الجهل والتخلف، قيادة تنتج وتبدع وتتواصل مع كل المنجزات العلمية والتطورات، قيادة تؤمن بالعدالة والحريات الاجتماعية والتعددية الفكرية والسياسية، قيادة تتحرر من قوالب الدراويش والمشعوذين والمساطيل والمهابيل وأصحاب الفتاوى الجاهزة من التكفير والتخوين وغيرها، وبدون ذلك لن تبنى لا أوطان ولا تتحقق انتصارت، ولنا في تركيا وحزب الله أمثلة ساطعة.