مقالة في المقارنة!../ بسام الهلسه

* لم أقم بدارسة وبحث استقصائي مقارن للموضوع.. لكن هذا لا ينفي عن ملاحظاتي الأولية التي ترد في سياق المقال صحتها!
ولأنه يمكن ويحق لكل قارئ وقارئة أن يطعن في دقتها، فإنني سأطلق عليها صفة "شهادة عيان" من باب التحوُّط!

أما بالنسبة لموضوع المقالة، فهو يتعلق بالمقارنة بين الإنسان والحيوان. علماً بأنه ولوقت طويل كان "الناس" مشمولين بلفظ "الحيوان" العام حتى تم "تخصيصهم" بمسمى خاص بهم (وليس بيعهم للقطاع الخاص كما يفعل "الليبراليون الجُدُد" بالمؤسسات والشركات وحتى الأوطان).
فالناس ظلوا مُلكاً عاماً حصرياً للسلطات الحاكمة في بلادنا العربية وما شابهها من البلدان السعيدة!

أول ما لاحظته من فرق بين الناس والحيوان (وقد اتبعتُ منهج الملاحظة والمشاهدة المتكررة التي وضع أسسها المفكر النهضوي العلمي البارز، اللواء المطرب "محمد عبدالوهاب" في أغنيته المعروفة: "احب أشوفك كل يوم!") هو أن الحيوانات تحظى بقدر أكبر من "الحرية" (بالطبع عدا تلك التي اعتقلها الناس ووضعوها في منازلهم أو في حدائق خاصة).

ودليلي على ما أقول هو أنني لم ألاحظ وجود أجهزة أمنية، ولا حدود دول، ولا شركات خاصة تتحكم بالموظفين، ولا فضول جيران حاسدين لدى شعوب الحيوانات!
وهي ميزة يفتقدها بنو الإنسان الذين أفنوا أعمارهم في بناء وتطوير وتحسين أغلالهم، بعد أن كانوا "لقاحاً" كما يقال عن بعض قبائل العرب في الجاهلية الذين لم يدينوا بالطاعة لـ"مُلْك"!

وثاني هذه الملاحظات أن معشر الحيوانات لا تعرف الكذب والنفاق والخداع الشائع والمتداول عند البشر، ليس كأخلاق شخصية فقط، بل كمؤسسات اجتماعية ودولية لها مكانتها المرعية المهيبة!
فللحق أنني لم أعثر على "مجلس أمن" أو"هيئة أمم متحدة" أو"ثمانية كبار" أو"صندوق نقد" أو"بنك دولي" في المجتمعات الحيوانية!
فظننت، أول وهلة، أنها كائنات غير متطورة مثلنا!

لكن طول المعايشة بيَّن لي أنها خيراً فعلت بعدم تبني مثل هذه المؤسسات التي لا تزيد عن كونها أدوات كبرى بأيدي الأقوياء للضحك على الشعوب الضعيفة واستغلالها!
وهو ما لا تقره أنظمةُ الحيوانات وتقاليدها وقيمها التي لا تتقبل التفرّد بالهيمنة، ولا الملكية الاحتكارية للقلة، فالخير يجب أن يعمّ الجميع بشكل عادل حسب قاعدة: لا يجوع الذيب ولا تفنى الغنم!
وفي هذا المجال فإنها تفضل اتباع "غريزتها" على قبول "عقلانية" البشر!
وهو ما قصده الشاعر الجاهلي "الشنفرى" صديق الحيوانات المتوحشة، واللائذ بها فراراً من جحود "الأهل"، بقوله:
وفي الأرض منأى للكريم من الأذى
وفيها لمن رام القلى مُتعَزَّلُ !
ولي دونكم أهلون: سِيدٌ عملَّسٌ
وأرقطُ زهلولٌ، وعَرفاءُ جَيألُ!

ثالث ملاحظاتي المقارنة هو ان الحيوانات التي لم تعرف مثلنا الثورات الصناعية، والالكترونية، والمعلوماتية، لم تُدمّر بيئاتها ومجالاتها الحيوية.

وهي تعيش –ما لم يجبرها الإنسان على غير ذلك- في وفاقٍ وانسجام معها، الأمر الذي جعلها لا تعاني ما نعانيه من "اغتراب" فانتفت حاجتها إلى الأطباء النفسيين والمصحات العقلية.
أما ما قد يقال هنا عن "جنون البقر" فهو عائد لمسببيه "البشر"! كما أفاد بذلك "ثورٌ" رفض الإفصاح عن اسمه "تواضعاً" وليس "خوفاً" كما يفعل المسؤولون عادة!
وحينما أثرت مع بعض ممثلِي الحيوانات ما يقوله الناس عن "شريعة الغاب" حيث يأكل القوي الضعيف...؟
ضحكوا حتى الاغراق، وقالوا: لا تعيدها.. عليكم بأنفسكم!

* * *

ولأن المقارنة بين اُُمَّتي وحضارتَي البشر والحيوانات لا تتضح بذكر الفروق فقط، فإنني سأذكر هنا ما لاحظته من تشابه عميق بينهما، وهو ما ظهر لي من توق بَيِّن لدى البشر ل"الحَيْوَنة" كما يقول أهل لبنان؛ وهي "حيونة" تتبَدّى تحت قناع الاحتقار الذي يتظاهر به الناس للحيوانات عندما يشتم أحدهم الآخر فيصفه بـ: كلب، خنزير، حمار...
فخلف عبارات التحقير، ثمة احترام وتقدير كبيران يكشف عنهما إطلاق البشر أسماء حيوانات على أبنائهم وبناتهم وهو أمر مفهوم يدل على "رقي" و"حنين للعودة إلى الأصول"!

لكن ما أثار انتباهي أكثر، وأكد لي أن الأمر يتجاوز الاحترام والتقدير، إلى النظر للحيوانات كـ"مرجعية"، هو إطلاق عامة الناس أسماء بعض الحيوانات "المميزة طبقياً" على فئات منهم كونت ثروات طائلة بطرق مشبوهة!

ففي الأردن يصفونهم بـ"الحيتان"!، وفي العراق يسمونهم "الفراهيد" وهو جمع "فرهود" أي الكلب السمين المنعم!، أما في الخليج فيقال لهم "الهوامير" جمع "هامور" أي السمك الكبير المفترس!، فيما يسميهم المصريون "القطط السمان" تمييزاً لهم عن سائر "القطط الشعبية" الهزيلة التي لا تكاد تجد كفاف يومها!

* * *

كنت أريد المضي في المقارنة أبعد وأعمق، لولا "النصيحة" الثمينة التي قدمها لي "حيوان ما بعد حداثي" من منظري: "مركزية القارئ"، بأن أترك مواصلة هذه المهمة للقراء والقارئات...
وهو ما أتوقعه منهم!