المصالحة أولاً وأولاً وأولاً../ مصطفى إبراهيم*

أكد الرئيس محمود عباس في أكثر من مقابلة صحافية أجريت معه نهاية الأسبوع الماضي أن لا عودة عن قراره عدم الترشح لولاية رئاسية ثانية، جاء ذلك خلال المقابلة التي أجرته معه قناة بي بي سي عندما قال: "إن القرار نهائي حتى لو تغيرت الظروف"، بخلاف ما جاء في المقابلة التي أجراها معه التلفزيون المصري حيث قال خلالها أنه يمكن أن يتراجع "إذا قدمت أميركا وإسرائيل شيئاً واضحاً لشعبي، يمكن التفكير بالموضوع ثانية".

بعض العارفين بالرئيس عباس يؤكدون أن قراره كان بالدرجة الأولى هو الحملة الشرسة والقاسية التي تعرض لها وعائلته على إثر تأجيل التصويت على تقرير غولدستون، وليس فقط الاحتجاج على الموقف الأمريكي والإسرائيلي المتعلق بتعثر العملية السلمية واستمرار إسرائيل في عملية الاستيطان.

بعد إعلان الرئيس بفترة زمنية قصيرة جاء الإعلان من قبل السلطة الوطنية عن نيتها التوجه إلى مجلس الأمن لاستصدار قرار بالاعتراف بالدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشرقية على حدود الرابع من حزيران عام 1967، وتقدمت السلطة بطلب رسمي لدول الاتحاد الأوروبي لدعم توجهها.

وجاء الرد الأوروبي مخيباً لتوجه السلطة، حيث اعتبر الممثل الأعلى للسياسة الخارجية خافيير سولانا في الاتحاد الأوروبي صاحب الفكرة التي كان طرحها في شهر يوليو/ تموز الماضي أن عملية من هذا القبيل "ستأخذ وقتاً"، ويجب أن تتم "في هدوء وفي الوقت المناسب"، مضيفاً "لا أظن أن يكون الوقت حان اليوم للتطرق لذلك".

وجاء الرد الأكثر وضوحاً من قبل وزير الخارجية الفنلندي الكسندر شتوب الذي اعتبر الخطوة الفلسطينية عملية تكتيكية تهدف إلى ممارسة الضغط على إسرائيل لتحريك مفاوضات السلام، وقال: " أظن أنه يجب حقاً التقدم خطوة خطوة" معتبرا أن "كافة طرق التفاوض مستخدمة" في محاولة إخراج عملية السلام من المأزق.

وتطابق رد الولايات المتحدة مع الموقف الأوروبي على لسان مسؤول في وزارة الخارجية الأمريكية، إذ قال إن التوصل إلى حل هو عن طريق المفاوضات، وأضاف: "نحن مقتنعون أن الوسيلة الأفضل للتوصل إلى تحقيق الهدف المشترك، إقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة، وذات تواصل جغرافي، هي عن طريق المفاوضات بين الأطراف".

إن أي تفكير في خطوات فلسطينية باتجاه إيجاد آليات جديدة للنضال من أجل تحقيق الحقوق الفلسطينية، تتطلب دراسة معمقة وواضحة ومستفيضة لا تكون نابعة من ردود فعل غاضبة على عدم التقدم في ما يسمى العملية السلمية، وعدم التقدم في المفاوضات خاصة بعد الموقف الإسرائيلي والأمريكي المتعلق بالاستمرار في الاستيطان، وليس احتجاجاً تكتيكياً مؤقتاً لتحريك مفاوضات السلام.

والخوف وارد من أن تكون تلك الخطوة هي خطوة تكتيكية غير مضمونة العواقب ومن دون العودة إلى المرجعيات الوطنية ومن دون إستراتيجية وطنية يجمع عليها الكل الفلسطيني، وفي ظل استمرار حال الانقسام، وعدم التقدم في مشروع المصالحة الوطنية.

فالخطوة التي أقدم عليها الرئيس عباس من عدم ترشيحه نفسه لولاية ثانية هي بناءً على ما تعرض له من انتقادات حادة وعنيفة من بعض المسؤولين الفلسطينيين في اللجنة التنفيذية ومسؤولين في حركة فتح على تأجيل التصويت على تقرير غولدستون، وما تعرضت له عائلته أيضاً من حملة قاسية اعتبرها مهينة و شخصية، وعليه حسب ما ذكر لن يرشح نفسه مرة أخرى.

ما جرى مع الرئيس عباس فيما يتعلق بتأجيل التصويت على تقرير غولدستون ربما كان مبالغاً فيه من استخدام لغة التخوين و المفردات القاسية، وهي لغة مرفوضة، لكن إصرار الرئيس على أن قرار التأجيل لم يأت من قبله كلام غير دقيق وهو من يتحمل المسؤولية عن ذلك، وهذا تبرير لا يصب في مصلحته.

والأجدى بالرئيس أن يعترف بمسؤوليته عن الخطيئة التي ارتكبت في ما يتعلق بهذا الموضوع، وأن يستثمر في القرار الذي أتخذ بإدانة إسرائيل وتقديم العون والمساعدة السياسية والدبلوماسية لتسهيل عمل مؤسسات حقوق الإنسان الفلسطينية التي تعمل بكل جد من اجل تقديم قادة إسرائيل للمحاكمة الذين ارتكبوا جرائم حرب ضد الفلسطينيين.

وكذلك التقدم في موضوع المصالحة الفلسطينية، فالخطوة التي اتخذتها السلطة التوجه إلى مجلس الأمن لإعلان الدولة هي خطوة تتطلب العمل مع الكل الفلسطيني، من خلال إنهاء الانقسام وإعادة الوحدة الوطنية واستكمال بناء وتطوير مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية والعودة إلى الاتفاقات الفلسطينية التي أنجزت سابقاً، وعدم الذهاب إلى المصالحة من أجل المزايدة وتسجيل المواقف والرهان على توريط الآخرين.

فتوجه الرئيس عباس وحركة فتح إلى المصالحة غير مشجع، وبعض أعضاء اللجنة المركزية في حركة فتح عارضوا التوقيع على الورقة المصرية، ووصفوا الورقة المصرية في اجتماعات مغلقة بالمجحفة والمهينة لحركة فتح، وكان توجههم للتوقيع مبنياً على الرهان على رفض حماس التوقيع عليها.

وحركة فتح كما حركة حماس غير مستعدة للمصالحة، والقضية هي ليست التوقيع على الوثيقة المصرية بل تتعداها إلى درجات عالية من الاستعداد الحقيقي والإرادة القوية النابعة من المصلحة الوطنية.

الخطوات الأحادية الجانب لا تثمر عن عمل جدي وحقيقي وتعزز من تعميق الانقسام، وموقف حركة حماس من الورقة المصرية كما وصفها القيادي محمود الزهار بأن فيها بنوداً كثيرة وأشياء يتفق عليها، وأشياء لم يتم الاتفاق عليها، وبناء عليه فحركة حماس مطلوب منها اتخاذ خطوات أكثر جدية باتجاه تعزيز الوحدة الوطنية والتقدم في المصالحة.

وعدم الاستمرار في السيطرة على قطاع غزة لأن الحال القائم يجب أن لا يستمر، فالإعمار لم يتم والوضع الاقتصادي والاجتماعي سيئ ومعدلات الفقر والبطالة مرتفعة، وحال الناس في تدهور، ولن يجدي نفعاً اتخاذ أي خطوات أحادية من طرف واحد من دون أن تكون المصالحة أولاً وأولاً و أولاً وقبل كل شيء.

والقضية لا تتعلق بقضية الاستيطان فقط، ورفض إسرائيل التوقف عنه أو حتى تجميده، ولا يجوز تجزئة القضايا والتوقف عند قضية بعينها على خطورة الاستيطان خاصة في مدينة القدس، فكل قضايا الصراع شائكة وصعبة من الحدود والمياه والأمن والقدس واللاجئين، ولن تكون أقل أهمية من قضية الاستيطان وتحتاج إلى نضال وطني بناء على إستراتيجية وطنية.