تعالوا نُعلن الحداد../ رشاد أبوشاور

لو يوافقني الرأي رئيس تحرير القدس العربي الصديق عبد الباري عطوان، وزملائي الذين أتناوب معهم بشراكة ديمقراطية كتابة ( هواء طلق)، لأضربنا عن الكتابة، وخرجنا بها سوداء، لأسبوع واحد على الأقّل! لكن العائق الأهّم أمام هذا الاقتراح أنني في مكان بعيد عن ( مطبخ) الصحيفة، فأنا في العاصمة الأردنيّة عمّان، والصحيفة في لندن، وكتّابها في عدّة قارات.

لا أشّك للحظة بذكاء قرّاء القدس العربي، وحساسيتهم القوميّة المترفعة على إقليميّات جاهلة، ينتفع بها أوغاد يعبثون بوعي بسطاء يعانون من التهميش والبطالة والأميّة والضياع وفقدان البوصلة التي تهدي الإنسان، مطلق إنسان، فما بالك بالإنسان العربي وهو في أمّس الحاجة للعقل والمعرفة ليميّز بين من يستغفلونه ويتمسخرون عليه، وينهبون ثروات بلده، ويورّثون أبناءهم الذي يُثرون دون أن يقوما بأي عمل، اللهم سوى ( بزنسة) مريحة، وصفقات ابتزازيّة بلطجيّة!

صراع الفاشلين والمُحبطين، الجالسين فوق كراسي التحكّم، ببيادق من لحم ودّم، يفترض أنهم أخوة في الانتساب، والهموم، والغربة في الوطن، والبطالة، والجوع، وافتقاد الكرامة القوميّة والوطنيّة،( يعيشون) بلا حقوق مواطنة في بلاد تلفظهم وتضطرهم للهرب منها بحثا عن لقمة الخبز في إيطاليا، وفرنسا، وإسبانيا، وحتى البرازيل!..نعم البرازيل، ألم تشاهدوا البرنامج الذي قدمته الجزيرة قبل أيّام عن عرب مصريين دفعتهم الحاجة إلى المغامرة بالحياة حتى أوصلتهم إلى البرازيل، وانتهى بهم الأمر أنهم يعيشون في مجتمع لا يستطيعون التفاهم معه، ولا بناء حياة فيه، جوعي مشردين في الشوارع.

كل بضعة أيّام نسمع عن زورق تغرق حُمولته من المغاربة المنتمين للمغرب العربي الكبير، وهؤلاء شباب في عمر الورد لا يشدهم الحنين إلى أندلس الأجداد، ولكنه العوز وافتقاد العمل، وانغلاق آفاق الحاضر والمستقبل.. فمن أين لهؤلاء أن يبنوا أسرا، ويفرحوا بأعمار تتبدد في انتظار ما لا يجيء؟!

كلنا في الهّم شرق، وفوق همومنا كلها، يبرع لصوص الحُكم في بلادنا بدس السّم في النفوس والعقول، ودّق الأسافين بين أبناء وطن وأمّة، بحيث يتّم ( تحويل) غضبهم، وحتمية انفجارهم، لينفجروا في بعضهم، بينما أيديهم ترفع أعلام بلاد لها عليهم حق الحب والولاء، وليس لهم فيها أدنى حقوق فهم كّم مُهمل.

أمام العينين راية سوداء تكبر وتعلو حتى تسّد فضاء بلاد العرب، وترسم لأمتنا حاضرا ومستقبلاً مُفزعا.
المفجع أن هذا لا يجري بأيدي أعداء الخارج، ولكنه من صنع أيدي أعداء الداخل، الذين يسندون كراسيهم بما يشيعونه من خوف، وتعصّب، وغوغائيّة، ليضمنوا سلامة أنظمتهم، وديمومة حكمهم وتوريثه، وتسلّط أجهزة برعت دائما في نخر روح الوطن، ولم تخض معركة مع عدو، بل هي غالبا عيون العدو وأدواته.

انفجروا في بعضكم، ونحن سنضرم النار بوقود نحرمكم من الدفء به، وسنوصلكم إلى أرض المعركة بأحدث الطائرات التي لم يحلم واحدكم يوما برؤية داخلها، فما بالكم بالجلوس على مقعد من مقاعدها، وتناول وجبة هي الوجبة التي تقدّم للمحكوم بالإعدام قبل لّف الحبل حول عنقه..أيها المُعدمون!

تمّ إقفال باب الحروب مع الكيان الصهيوني، ليفتح باب الحروب العربيّة العربيّة، وهي تدور بشراسة، وعنجهيّة، وتعال، وغريزيّة، وعصبيّة تستعيد ما قبل التاريخ لتوظيفه في عنعنات تنغرس في نفوس وعقول دهماء هي أضحية الإهمال والحرمان من التعليم والمواطنة والعمل وبناء الحياة، وهي الوقود لحرب حقيرة تؤججها أقلام وفضائيّات ورجال أعمال وورثة وقادة أجهزة متفرنسون وكامبديفديون.. وكلّه على حساب الأمة التي تزداد هوانا بينما تصعد الأمم المجاورة لنا لتأخذ دورها: تركيا وإيران...

تندفع جرّافات الاحتلال لتهدم بيوت الفلسطينيين المقدسيين، وتغيّر معالم القدس، وتميد الأرض تحت الأقصى، ويدعى قادة العدو لتصدّر اللقاءات الاقتصاديّة والسياسيّة الدوليّة في مدن العرب العريقة علنا. أما رأيتم كيف تُستقبل ليفني الموساديّة القاتلة بحفاوة في المغرب، وشمعون بيرس في عاصمة كامب ديفد شرم الشيخ ؟!

شباب يُدفع بهم إلى الحرب الكرويّة، يحملون الخناجر، و.. يتوعدون، ثمّ يعودون إلى بلدهم بعد ( الانتصار) ليموت منهم 26 وليسقط جرحى منهم بالعشرات، وفي حوادث سير.. من شدّة الفرح والابتهاج بالنصر! وبالمقابل يندفع ألوف في شوارع القاهرة ليحاصروا السفارة الجزائريّة، وليسقطوا عشرات من رجال الشرطة جرحى!

احتقان مكبوت فُجّر في وجه السودان الذي تكفيه مصائبه، لتهجم عليه الزحوف برّا، وبجسرين جويين، لم يزّج بهما دفاعا عن وحدته، أو رئيسه الملاحق، ولا لكسر الحصار عليه، ولكن لتحميل السودان هموما فوق همومه، هو الذي دفع بجيشه وأجهزته، وناسه المتلهفين لرؤية أخوتهم العرب في بلدهم ضيوفا معززين مكرمين.

لا يكفي أن يدرس علماء الاجتماع ما جرى ويجري، ولا علماء النفس، ولا الضالعين في السياسة، ولا أساتذة التاريخ، ولكن نحن نحتاج إلى ( كونسلتو) قُضاة نزيهين يعكف على دراسة ما حدث، ثمّ ليخرج علينا بتقرير أحسب أنه سيترك أثرا لا يقّل عمّا تركه تقرير غولدستون، يحمّل الحكّام في الجزائر ومصر، وأجهزة إعلام لها تاريخ في الحقن والحقد والعنصريّة المسئولية الكاملة عن هذا العار الذي تنقّل من القاهرة إلى الخرطوم إلى الجزائر وملأ سماء بلاد العرب.

ترون أنني أستبق نتائج التقرير، وهذا ليس للتأثير على اللجنة، ولكن لأنني أعرف أن هذه هي بعض النتائج التي سنقرأها لو أمكن تشكيل لجنة نزيهة مشهود لها بعروبتها، وتعاليها على الإقليميّة المريضة، ونظم الحكم المتعيّشة على بذر الفتن والكراهية.

الكاتب والناشط الجزائري عثمان سعدي، حمّل الفرنكفونيين في الجزائر، والكامبديفديين في مصر، مسؤولية ماحدث، فالطرفان لهما أهداف تتحقق بزرع الكراهية والعصبيّة.

ها نحن نستقبل عيد الأضحى محزونين، ومن دبّروا هذا الهيجان سيعيّدون سعداء، فقد نجحوا في ذبح أواصر الأخوّة، وكرّسوا العزلة، وقدّموا أنفسهم حُماة ( للوطن) وكرامة المواطن!. المواطن الذي يهرب إلى فرنسا من بلد المليون شهيد، والمواطن الذي تمتّص البلهارسيا عافيته في مصر الغالية على قلب كل عربي.

في غزّة تحوّلت الشاشات إلى لون أسود، ربما بفعل فاعل حتى لا يرى أطفالها وأراملها ما يحدث للأمّة التي ينتظرون مددها ونخوتها وكسرها للحصار الخانق...

في غزّة تضرب الأمهات كفا بكّف، ويرددن: يا خزوة الخزوة!.. يعني: يا خزينا كعرب من هذا الذي يحدث!

ألوف يندفعون في القاهرة والجزائر يتشاتمون ويتوعدون بعضهم. لم ترهم غزّة في شوارع العاصمتين، عندما كان الفسفور الأبيض يحرق ويصهر لحم أطفالها، ويهدم بيوتها ومساجدها ومستشفياتها. ألوف الجهلة في القاهرة بلد جمال عبد الناصر، وفي جزائر المليون شهيد التي شحذت همّة الأمّة ووعيها وألهمت ثوارها، وكانت راية ملايين البشر في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينيّة.. من الذي تدّنى بوعي هذه الجماهير؟!

كل هذا التنافس المسعور على من يذهب ليشارك في مونديال جنوب أفريق، وليخرج المنتخب الفائز، الجزائري أو المصري، من الأدوار الأولى..يعني يذهب ليخرج لأنه ( كمالة عدد) ليس إلاّ!
لا، لست مُحبطا، ولكنني مشمئز مثلكم تماما...

هؤلاء الدهماء هم عنوان انحطاط نُظم حكم هي السبب في تخلف الأمة، وفقرها، وضعفها، وهوانها.
عيد الأضحى قادم، ومعناه التضحية والفداء، وحتى تبقى قيمة الفداء والتضحية، لابدّ من إلحاق الهزيمة بالفرانكفونيّة والكامبديفديّة والإقليميّة في كل بلاد العرب...