التفاؤل أجناس والتخلف ألوان / جوان ريناوي

طلع البعض علينا مؤخرًا،محذرًا الفلسطينيين و العرب و"المعنيين بالقضية الوطنية" من مغبة تصديق ما تبثه الصحافة الإسرائيلية ومن مجاراتها،( بحسب هذا الرأي) فيما "تخططه لنا". وعملًا بهذا المنطق، ربما كمنت كل الحقيقة في انقلاب ذلك، أو في تصديق العكس بكل بساطة، حتى لو تعلق الأمر بمن تورط علنا وجهارا في التبعية للمحتل، في علاقة مطولة و سافرة تكفينا وحدها لتكوين صورة عن الموقف، ولا تدع حاجة للبحث في المستور.المتبقي.

ومما لا ريب فيه أن إسرائيل اضطلعت دوما وبشكل منهجي بتسريب الأخبار المنسقة والمتجانسة أو المتضاربة عن العرب والفلسطينيين،إما لغرض التضليل أو الإرباك أو التحريض أو كلها معا. لكن هذا لا يعني تلقائيا بأن كل ما يرشح عنها هو مدسوس بالضرورة أو مفتعل، ولا يندر أن يتسرب النقاش الإسرائيلي أحيانا كأنه التفكير بصوت عال.
وتحكم "المؤسسة" الإسرائيلية والعاملين فيها قواسم مشتركة أساسية لا غنى عنها في تعريفنا لها كمؤسسة صهيونية، لكنها في ما وراء تلك القواسم ليست مجموعة من الأفراد تجمعهم وحدة الحال، ولا نسخا متطابقة أو مستنسخة بعضها عن بعض.
ويصح هذا التقييم أكثر كلما ابتعدنا عن الدوائر البيروقراطية فيها والأجهزة الأمنية باتجاه ما يبدو مدنيا وحيزا عاما وسياسيا، في الخلافات على وجهات النظر والمواقف والأولويات (ناهيك عن المصالح القطاعية مؤخرا) بين الأحزاب والساسة والإعلاميين. ومن نافلة القول أن نتانياهو ليس نسخة عن بيرس، ولا ليبرمان نسخة عن قيادة الجيش.

أما عن السؤال الواجب في مثل تلك الحالات ، "متى لنا الافتراض بأن إسرائيل تضلل" ، "ومتى لا"، فليس من قانون حديدي يسري هنا ولا قاعدة إيديولوجية تريحنا، ولا جواب سحري، إلا أن نحاول قراءة السياق واستنتاج الراجح والأكثر رجاحة، واستبعاد غير الراجح.
ولا ينقص في المؤسسة الإسرائيلية من هم مقتنعون فعلا بضرورة "إنقاذ" تركيبة السلطة الفلسطينية والترتيبات التي استجدت معها، أو على الأقل بعضها التي يرونها مفيدة لإسرائيل ولا غنى عنها. وفي المقابل نجد من يستخف بتلك "الضرورة" ومن ثابر على ذلك الاستخفاف منهجيا ومنذ سنوات، وبالرغم من انتهازية السلوك والشعبوية في الخطابة لدى نتانياهو إلا أن لديه تصورا استراتيجيا متكاملا فعلا، لما على إسرائيل أن تكون، وهو ضالع وبعمق في نقاش النخب الإسرائيلية في هذا الخصوص ، ويستطيع المتابع المعني أن يراجع مداخلاته في المحافل مثل "مؤتمر هرتسليا" وغيرها.
وبناءً على ما سبق فإنني ادعي بأن ليس كل ما يرشح عن جهات إسرائيلية هو مدسوس ومبرمج بالضرورة وليس كل ما هو "مدسوس"، هو أيضا مجمع عليه داخل المؤسسة، ولا هو "كذب صريح" في جميع الأحوال أو حتما. و ليس لنا في الواقع إلا "دقة الملاحظة" للتفاصيل والاجتهاد الذي يحتمل الخطأ والصواب في تجميع البيانات ووضعها في سياق منطقي والمقارنة ، بين الاحتمالات!
وربما كان أ كثر الأسئلة وجاهة في حالتنا : "هل علينا اشتقاق مواقفنا من الموقف الإسرائيلي" حصرًا، أومجرد "ممارسة رد الفعل الميكانيكي والهامشي عليه" .. "تناقضا أو انسجامًا"؟!!

أما بالنسبة إلى "محمود عباس" وبعد كل ما عرفنا وتكشف وتراكم، فساذج (في افضل الأحوال) من يتعاطى معه كأنه بعيد عن "التشكيك" حتى يثبت العكس، ولا يصح ذلك إلا من باب التخلف السياسي الذي يسمى إعادة للحمة والوحدة، لكنها وحدة تنعت بالوطنية، وتكتفي بالشعار والضريبة الكلامية و تتجنب الخوض في جوهر الخلاف وهي اقرب إلى الحالات القبلية منها إلى الخلاف والاتفاق داخل حركة تحرر وطني حديثة، سواء بدرت عن "متنورين" أو "ظلاميين" وحيث لا حاجة للقبائل بقاسم سياسي وطني ولو في حده الأدنى ولا إلى برنامج بل ألى مجرد "الوحدة"! و "اللحمة"!
ولو كانت هناك دلائل لذكرها البعض، لكن لا قرائن جدية تفيد بأن عباس قد تغير أو أجرى هو وفريقه مراجعة ومكاشفة حقيقية. وبعيدًا عن وصلات الخطابة والتشويش فلدينا الكثير والخطير بما يفيد العكس، عدا عن السجل السابق الحافل طبعا، وهي تفاصيل يمكن الرجوع إليها والخوض فيها مطولا وهو ما لن أرهق القارئ فيه الآن.

ويطالبنا البعض بالتفاؤل خيرا في هذه التركيبة، نفسها، وهي تستنسخ نفسها، والأهم ربما، وهي تعيد تطويع نهجها، نفس نهجها، وهي التي كانت قد تفاءلت خيرا مرة بنوايا بوش وصدقته في الجزئيات التي أعجبها انتقاؤها، أو قل تظاهرت بتصديقه، ثم عادت و"تفاءلت" خيرًا مرة أخرى في أوباما، وليس بغير سبب بل لأنه تحديدا "مختلف عن بوش".فما رأيكم؟

ثم وعلى سبيل التفكه بما لا فكاهة فيه، تحضرني أثناء كتابة هذه السطور، تلك المقابلة التي أجرتها إذاعة الشمس في الناصرة، مع أحد مستشاري "الرئيس الفلسطيني" (الكثيرين) صبيحة زيارته الأولى لأوباما، وقد عاد المستشار وعدد أسباب التفاؤل بالمرحلة الجديدة وما ورد أعلاه وسمعناه مرارا، ثم وعندما سأله المحاور عن طبيعة علاقة "أبو مازن" بـالرئيس الأمريكي قلل "المستشار" من أهمية الموضوع معتبرا أن العلاقات بين الدول ورؤساء الدول تقوم على المصالح الباردة أولا!

ولو أن هنري كسينجر سئل نفس السؤال بعد عودته من بكين عن علاقته بأركان الدولة الصينية لأجاب نفس الإجابة، وأتساءل كيف لا تتشوه حركة التحرر الوطني وقد مسخت إلى دولة افتراضية لها "مصالح وطنية" افتراضية وعليها "مسؤوليات" افتراضية، وتمارس هزليا،حتى الكذب الدبلوماسي والرياء الإمبراطوري في حالة فريدة من نوعها في التاريخ؟!

ومع هذه الحالة تحديدًا لا يمكن إلا ان يصح السؤال : " هل تتناقض الأطراف الفلسطينية تحت سقف حركة التحرر الوطني" أو تحت السقف الوطني حتى من دون التحرر؟! وهل من الممكن في المثال الفلسطيني تخيل ما هو "وطني على طريقته الخاصة" (كما يروج "البعض" عن "البعض") بمعزل عن مفاهيم حركة التحرر(اقرأ، "متحررا" منها)؟! وهل يستطيع التجاهل لهذه الأسئلة في مقاربة موضوع "المصالحة" إلا أن يحولها إلى "صنم" هي الأخرى؟!

وبالعودة إلى "التطورات" الأخيرة في الساحة الفلسطينية، فنستطيع القطع بادئ ذي بدء أن ما حصل مؤخرا مثلا من"انسداد في المفاوضات"، ليس أخطر من ورقة الضمانات من بوش إلى شارون في حينها ولا أكثر دموية من العدوان على غزة.و لو كانت الاعتبارات وطنية فعلا لكان ذلك كافيًا كي يستخلص كلٌ ما يجب استخلاصه. كما لم يستجد ما يستحق بشكل خاص أن "يلفت عناية السادة المفاوضين" بأن الإسرائيليين يخدعونهم ، أو بان الأمريكان يفضلون إسرائيل عليهم (يا سلام) ولم تكن تلك القناعات بغير ذلك سابقا إلا نوعا من الكذب الذاتي والتكاذب، هذا لواقتنعوا به للحظة ولو من قبيل "خداع الذات"!

ويمكن الإدعاء بان عباس مخذول من مدى استعداد الأمريكان للتنسيق مع كل قيادة إسرائيلية حتى لو فضلوا غيرها، إلى درجة حرمانه من أي إنجاز وهمي أو ورقة يسكن (قل يخدع) بها شعبه ويبرر استمرار نهجه إضافة إلى قدرته المأمولة على الإغراق والإفساد و قدرة الوساطة مع المحتل وامتيازاته أمام المنظومة الدولية، واستغلال حاجات الناس.
أما بالنسبة للنقاش الإسرائيلي حول تحرير مروان البرغوثي وضرره على "الرئيس" الحالي، سواء كان نقاشا أصيلا أم مناورة، أو "دقا للأسافين" فإن في ترداده والتساؤل عن كنهه مرارا وتكرارا إشغالا للرأي العام، وتشتيتا للتفكير!
ثم في جميع الأحوال ومهما قال المستشرقون، ومهما نزعت المتابعة المشهدية الإعلامية إلى "شخصنة" التناقضات ومتابعتها كما تتابع الدراما، فلن يستطيع في المقام الأول، لا البرغوثي ولا سواه إذا ولجوا المنافسة تحت سقف تركيبة السلطة الفلسطينية الحالي ومنطقها، إلا أن يستمدوا نفوذهم من نفوذ عباس، وقوة مجموعته. ولم يسيطر عباس أصلا على كل المقاليد بفضل "شعبيته" البالغة كما نتذكر جيدا، بل بحكم واقع الحال واستنزاف الحركة العريقة وخسارتها هويتها السياسية وفقدان الأفق وإخضاعها لمكبس النظام الجديد وثقافته ومنطقه ومصادر قوته، وافراغها من المحتوى وإلحاقها بالمنظومة التي حملها أوسلو. أما من كان لديه شك في ذلك فقد انهالت نتائج المؤتمر الأخير في بيت لحم لتقطع قول كل خطيب. ولا نجدد شيئا، حين نذكر بأن بعض أهم مفاصل تركيبة السلطة ليسوا من فتح تاريخيا، بل وان بعض المنخرطين في "النظام الجديد"، ليسوا أصحاب موقع رسمي في السلطة الفلسطينية نفسها، ولم يكن تهميش حركة فتح في الواقع إلا تفرعا عن "التهميش العظيم" لمنظمة التحرير الفلسطينية، وانحلال حركة التحرر الوطني وثقافتها ومعاييرها، واستعجال البعض لتسريع وتيرة تلك العملية!
وعلى ذلك النمط من التعاطي مع السياسة قرأت مؤخرا مقالة* بعنوان غريب : " كفى سمسرة سياسية بقضية الأسرى" (وعليها بنيت مقالتي) وهو ما كان سيبدو عنوانا وعظيا رتيبا لمقالة تقريرية، سوى انه موجه إلى حكومة نتانياهو!
تدعو المقالة للوحدة الوطنية وعدم تصديق الإسرائيليين وتسريباتهم عن قيادة السلطة، وتدعو الحكومة الإسرائيلية إلى "الكف عن ذلك"وعن "السمسرة بقضية الأسرى" (بحسب الكاتب) وقبل استبيان مدى تجاوب الإسرائيليين مع هذا النداء (بالعربية)! يستوقفني الغياب الصارخ للمعنى كل المعنى، وتكريس الكاريكاتورية التي تتكفل فيها هذه العادات السياسية، و في عقم أن تصبح وظيفة كاتب صحفي وطني توجيه هذا النوع من البيانات للإسرائيليين والأمريكان،والذين حتى لو قبلنا بتوصيفهم على أنهم يمارسون "السمسرة" على "القضية"وهو الغريب أصلا عندما يقال في المحتلين! فحري بمن يشع علينا بهذا الإبداع، استنتاج ذلك لنفسه والقياس عليه وبناء موقف! ولا أفهم، هل ينسجم البعض فعلا مع هذه الأدوار، وهل يصدق بعض الإخوة بأنهم يسجلون موقفا وهم "يلوّمون المحتل" و"يقرعونه" بهذا الشكل ؟
لم أتطرق في هذا التعليق إلى مسألة غاية في الخطورة، حول سلوكيات و مواقف مغايرة تستحق التوقف عندها و قد سادت في "الجبهة الديموقراطية للسلام والمساواة"، و حول نوعية التفاعل الاختياري مع الخلاف الفلسطيني. ولم أفعل ذلك ولو من باب أن المقالة هذه في منبر الجبهة والحزب الشيوعي الإسرائيلي لا تعبر عن تلك المواقف بقدر ما تعبر عن نزعة أقل استعدادا للانخراط الوظيفي والدعائي( ترويجا لخطاب مجموعة عباس) وأكثر "حيادية" ولو من قبيل" لا للسياسة في السياسة". ومع العلم أنها هي نفس النزعة المتقاعدة التي سلمت الدفة في كل النواحي،للقيادة النافذة في "الجبهة" حاليًا.

* كلمة "الاتحاد" الخميس 26 تشرين الثاني 2009