"ما زاغَ البصرُ وما طَغى"../ حسين أبو حسين

قدمت النيابة الجنائية العامة مطلع الأسبوع الحالي استئنافاً على قرار محكمة الناصرة المركزية، التي أدانت الشاب أسعد شبلي، بتهم قتل الطفلة "طال زيف"، عشية عيد الغفران، عند قيادته لـ"تركترون" (جرار صغير) في شارع محاذٍ لكنيس في قرية "كفار طابور"، وفرضت عليه سجناً فعلياً لتسع سنين.

لقد جاء في الاستئناف، أن المتهم استعمل التركترون بمثابة سلاح فعلي (انتبهوا لاستخدام اللغة) أودى بحياة الطفلة، وعليه التمست من المحكمة العليا أن تفرض عليه العقوبة القصوى بسبب حيثيات الحادث.

ولإيضاح الصورة للقراء، يجب التنويه أن النيابة العامة هي المخولة في تحديد التهم المنسوبة للمتهمين، وفي حالة حوادث الطرق التي تتسبب بموت أفراد، للنيابة العامة الصلاحية، وفقاً للأدلة، أن تنسب للمتهم تهمة التسبب بالموت جراء الإهمال، وعندها تكون العقوبة القصوى السجن الفعلي لثلاثة أعوام، أو أن تنسب للمتهم تهمة القتل في حالة وجود أدلة دامغة لحالة نفسية من عدم الاكتراث واللامبالاة والتصرف بتهور وبغير سوية، وعندها تكون العقوبة القصوى السجن الفعلي لمدة عشرين عاماً.

طلب إلى المحرر القانوني في موقع "واللا" الالكتروني كتابة مقال نقدي حول القرار، ولكي أكون موضوعياً اطلعت على عشر قرارات صادرة عن المحكمة العليا ومحاكم مركزية مختلفة في قضايا مشابهة ليهود وعرب أدينوا بتهمة القتل أثناء قيادة المركبة.

الحقائق والوقائع تشكل أقوى دليل، وهي تتحدث عن نفسها، وتشير بشكل جلي لا يقبل التأويل أن عقوبة السجن الفعلي التي فُرضت على أسعد شبلي قاسية جداً، مقارنة بالعقوبة التي فرضت على متهمين يهود وعرب في قضايا مماثلة، حيث أن العقوبة التي فرضت تتراوح ما بين سنة ونصف وثماني سنوات.

غني عن الذكر، أن عقوبة السنوات الثماني فُرضت على شاب عربي آخر أدين بتجاوز إشارة ضوئية حمراء وتسبب بقتل زوج وامرأته، في حين أن سائقاً يهودياً (روعي عمرام) قاد سيارته بتهورٍ مريب وتسبب بقتلِ ثلاثة من مرافقيه، أدين لخمس سنوات سجن فعلي، لكن عمرام لم يكن وحيداً، فشلومي يعقوب أدين بقتل سائق دراجة هوائية كان يمر في ممر المشاة، وحكم عليه بالسجن لفترة خمس أعوام. ساسون رحمينوف، الذي أدين بقيادة سيارته وهو مخمور، والذي تسبب بقتل امرأة وإعاقات مستديمة لثلاثة مسافرين آخرين، حُكِم عليه بالسجن الفعلي لمدة 30 شهراً. حُكِم على حايم شلوموف بالسجن لعشرين شهراً، بعد أن أدين بالتسبب بمقتل صديقه، حيث سمح له بقيادة سيارته مع أنه كان مخمور ولم يكن حائزاً على رخصة سياقة.

هذه هي الحيثيات الوقائعية، التي تشير بوضوحٍ إلى الهوة السحيقة في العقوبة المفروضة على أسعد شبلي مقارنةً مع عدد من السوابق القضائية، وما عليكم إلا أن تستنتجوا ما ترونه طبقاً لاسم الشخص المدان وهويته القومية.

يمارس المحامون والقضاة لعبة "تأويل الكلام" ويعتادون تبرير الفوارق بأن كل حاله ولها حيثياتها، لكن مَلَكَة "غسيل الكلام"، ما هي إلا وسيلة لممارسة العنصرية بكفوف حريرية وبلغة قانونية رزينة وجافة.

في مثل هذه الحالة، عادة ما يدعي المحامون "الموضوعيون" المتخفون بعباءاتهم السوداء أنَّ العقوبة التي فرضت هي بمثابة مفاضلة مسموحة، أما الجريئون منهم فيصفون تلك الحالة بأنها تفرقة وتمييز غير مُبَّرر، أما علماء علم الاجتماع – النزهاء منهم- يسمون هذه الحالة بالعنصرية دون غيرها.

تتفشى العنصرية في إسرائيل في كل أروقة الحكم ومحافل المجتمع العامة والخاصة، أما المحاكم فهي هيئة أساسية من أعمدة النظام الثلاث، وفيها تجد القاضي النزيه والموضوعي وفيها تجد القاضي الذي "يريك من طرفِ اللسانِ حلاوةً ويروغ منك كما يروغ الثعلب".

لقد قرأت قرار الحكم الصادر بحق أسعد شبلي مرة تلو الأخرى، لأجد مبرراً موضوعياً للعقوبة القاسية التي فرضت عليه فلم أجدها. تذكرت ما كتبه مؤخرا،ً المحاضر الجامعي، لويس جرينبرغ من قسم العلوم الاجتماعية في جامعة بئر السبع، في مجلة "الآداب" اللبنانية، أن أنسب تسمية لطبيعة النظام في إسرائيل انه "اسم بلا مسمى" "إذ أن نظام السيطرة الإسرائيلي ليس ذاك الذي ساد في جنوب أفريقيا ولا في الجزائر: فلا هو ابرتهايد، ولا هو احتلال يشمل كل الفلسطينيين في نظام موحد من التمييز.

لا يمكن لإنسانٍ سوي إلا وأن يدين تصرف المتهم ووجوب معاقبته بشكلٍ يتوافق مع فعلته، طبقاً للقانون وللسوابق القانونية. مع ذلك، لا يمكن تفسير العقوبة الصارمة التي فرضت عليه، إذا ما قورنت بالسوابق القانونية التي سبق وأشرنا إليها. ربما كانت جريمة المتهم أن اسمه "شبلي" وأنه "تواقح" بإزعاج اليهود، عشية عيد غفرانهم، وقاد مقوَدَهُ بطيش في حارة "عِلِي القوم" في قرية كفار طابور التي كانت تدعى في الزمن الغابر "مسحة".

بعد أن قمت بنشر مقالٍ نقدي في موقع "واللا" معتبراً قرار المحكمة بمثابة قرارٍ عنصري، توالت ردود الفعل وجميعها – باستثناء ردٍ لقارئٍ عربي- يتفهم القرار في أحسن حال ويطالب بمزيد من العقوبة والسياسات التمييزية والترانسفير تجاه الفلسطينيين في أسوأ حال.

نعم هذا – ولسوء الحظ- نبض الشارع الإسرائيلي الذي تعلم من حكوماته البغيضة، التي تمارس أحدث وأعنف أعمال التفرقة العنصرية ضد أبناء الشعب الفلسطيني في شتى أماكن تواجده، بمعزلٍ عن لون بطاقة هويته وعام تهجيره.

عند كتابة المقالة في موقع "واللا" لم يتم النشر بعد عن حادثة المستوطن، الذي دهس فلسطين بسيارته ذهاباً وإياباً يوم 26.11.09، ليكون "جهيزةً التي قطعت قول كل خطيب". لم يكن بإمكاننا الاطلاع على حيثيات هذا الحادث لولا أن تم تصويرها بالفيديو وبثها في القناة الثانية يوم 01.12.2009.

ما في الأمر، أن فلسطيني قام بطعن رجل وامرأة في محطة وقود، بعد ذلك قام جندي بإطلاق النار عليه وأصابه بجراح بليغة بقي بعدها ملقى على الأرض، فإذ بسيارة خصوصية تصل إلى المكان بسرعة وتدهسه، ويقوم السائق بالصعود على جسد الفلسطيني المرة تلو الأخرى أمام أعين الجنود المتواجدين في المكان والذين بقوا صامتين صمت القبور. نُقل الفلسطيني المصاب بعد دقائق عديدة من إصابته ودهسه المتكرّر إلى مستشفى "هداسا" حيث يمكث هناك بوضع حرج منذ أكثر من أسبوع.

أما السائق، الذي اتضح فيما بعد أنه زوج المرأة المطعونة تقوم الشرطة بالتحقيق معه، فقد أطلق سراحه للاعتقال المنزلي في بيته في إحدى المستوطنات المحاذية لكريات أربع، بينما أسعد شبلي كان مسجوناً لأكثر من عامين منذ الحادث وحتى إصدار الحكم بحقه.

ليس هذا فحسب، انتظروا وراقبوا فيما إذا سيتم ملاحقة المستوطن قضائياً، وإذا حصل ذلك فما هي التهم التي سوف تنسب له، وما هي العقوبة التي ستفرض عليه.