حذار من صفقة تبادل بدون أسرى 48../ راسم عبيدات*

كل الإنباء والمؤشرات تشير إلى أن صفقة التبادل بين حركة حماس وإسرائيل قد دخلت مرحلة حاسمة جداً. ورغم الأنباء والتطمينات بأن حركة حماس والفصائل الآسرة لـ"شاليط" تصر على مطالبها فيما يخص أسرى القدس والداخل، إلا أن هناك تسريبات إعلامية ومن أكثر من مصدر، بعضها مصري وآخر إسرائيلي وأوروبي، وأيضاً بما في ذلك حركة حماس نفسها، أن الصفقة قد تتم دون أسرى الداخل.

أما فيما يخص أسرى القدس فإن العدد الذي توافق إسرائيل على إطلاق سراحه منهم لا يزيد عن ( 17 ) مناضلاً، جزء منهم سيتم إبعاده إلى خارج القدس.

ونحن إذ نتابع بقلق بالغ أنباء صفقة التبادل، وما ستتركه من تداعيات سلباً وايجاباً على الساحة الفلسطينية وعلى الحركة الأسيرة الفلسطينية نفسها، فإذا ما تضمنت الصفقة كما تقول حماس 20 أسيرا من الداخل الفلسطيني-48- وتحديداً المعتقلين منهم قبل اتفاقيات أوسلو، وكذلك 44 أسيراً من القدس والمعتقلين أيضاً قبل أوسلو، فإن ذلك سيشكل نصراً ليس لحماس وزيادة وتوسعاً في جماهيريتها وشعبيتها، بل نصراً لنهج وخيار المقاومة ككل فلسطينياً وعربياً.

أما إذا لم تضمن الصفقة أي أسير من الداخل الفلسطيني، وتضمنت عددا رمزيا من أسرى القدس، فإن ذلك سيكون له تداعياته الخطيرة على وحدة النضال والحركة الأسيرة الفلسطينية، ناهيك عن أنه سيشكل طعنة في الصميم وأبعد من ذلك خيانة لتضحيات ومعاناة ونضالات هؤلاء الأسرى، والذين يتحمل اتفاق أوسلو والقائمين عليه وزر التخلي عنهم واستمرار معاناتهم.

وكذلك فإن هذه الصفقة ورغم ترحيبنا وتقديرنا وتبجيلنا لكل أسير فلسطيني يتحرر من الأسر، فإن إتمامها بدون هذه الفئة من الأسرى، ونحن ندرك العدد الكبير من الشهداء والجرحى والمعتقلين والحجم الهائل من التدمير والحصار والجوع الذي تحمله شعبنا في سبيلها، يشكل رضوخاً وتسليماً بالشروط الإسرائيلية، والتي بموجبها ترفض إسرائيل إطلاق سراح أسرى من الداخل الفلسطيني والقدس، لكونهم من حملة المواطنة الإسرائيلية.

وأية حجج أو ذرائع لتنفيذ الصفقة والموافقة عليها بدون شمولها لأسرى 48، واقتصارها على أعداد رمزية من أسرى القدس، ستكون حججا وذرائع واهية وغير مقنعة، وخصوصاً أن هذه المعايير والشروط الإسرائيلية كسرت في أكثر من صفقة تبادل، وبالذات صفقة النورس الشهيرة، والتي نفذتها الجبهة الشعبية- القيادة العامة في أيار 1985، والتي شملت العشرات من أسرى القدس والداخل، ومن أصحاب الأحكام العالية والمؤبدات، والذين لولا تلك الصفقة لبقي أغلبهم إن لم يكن جميعهم في سجون الاحتلال حتى هذه اللحظة، أو قضى العديد منهم شهداء في تلك السجون.

واليوم وصفقة التبادل في نهاياتها، علينا أن لا نرتكب خطيئة بحق أسرانا من الداخل والقدس، فأي صفقة تبادل بدونهم، سيكون لها تداعيات على درجة عالية من الخطورة على وحدة الحركة الأسيرة الفلسطينية، فهؤلاء الأسرى كانوا الأكثر شعوراً بالمرارة والظلم والخذلان وفقدان الثقة من القيادة التي تخلت عنهم وتركتهم تحت رحمة شروط إسرائيل ومعايرها وتقسيماتها وتصنيفاتها.

واليوم وهؤلاء الأسرى يتسلحون بالإرادة والأمل والقناعة والإيمان بأن الفصائل الآسرة لشاليط لن تتخلى عنهم، كما حصل في "أوسلو"، وهذا ما ورد في رسائل الأسيرين وليد دقة والمحكوم بالسجن المؤبد والمعتقل منذ عام 1986،والأسير مخلص برغال والمحكوم أيضاً بالسجن المؤبد والمعتقل منذ عام 1987 إلى موقع عرب 48 الألكتروني.

وإذا كان أوسلو قد ترك المرارة والخذلان وفقدان الثقة عند هؤلاء الأسرى، فإن تنفيذ صفقة التبادل بدونهم أو بأعداد رمزية منهم، ولكون هذه الصفقة تعد ربما الفرصة الأخيرة لتحررهم من الأسر، فإن ذلك ليس له سوى معنى واحد،هو خيانة لنضالات وتضحيات هؤلاء الأسرى، وزيادة في معاناتهم وإحباطاتهم، بل وكفرهم وتراجعهم، إن لم يكن تخليهم عن الكثير من القيم والمبادئ التي ناضلوا وضحوا من أجلها.

ونفس هذا الشعور وإن لم يكن على نحو أعمق وأكثر شدة وخطورة على أهاليهم وذويهم وشعبنا هناك، فهؤلاء الأسرى، أي أسرى الداخل والقدس، دفعوا ثمناً باهظاً على طريق الحرية والاستقلال، وما زالوا يتحملون ويدفعون هذا الثمن، بل لا نبالغ إذا ما قلنا إنهم الأكثر استهدافا للخطط والمشاريع الإسرائيلية في التهويد والأسرلة والتطهير العرقي، وهم كل يوم في نضالاتهم وتضحياتهم وصمودهم، يؤكدون على وحدة شعبنا في الجغرافيا والدم والمصير والهدف، فلا يجوز لنا أن نخذلهم أو نتخلى عنهم، فمن سيحرر شيخ الأسرى سامي يونس والذي مضى على وجوده في الأسر سبعة وعشرون عاماً وعمره يقترب من الثمانين، وأيضاً عمداء الأسرى كريم يونس وماهر يونس ووليد دقة وإبراهيم أبو مخ ورشدي أبو مخ وإبراهيم بيادسة ومحمود زيادة ومخلص برغال وحافظ قندس وأحمد أبو جابر ومحمد احمد جبارين ومحمد سليمان جبارين ومحمود جبارين ويحيى إغبارية وسمير السرساوي وبشير الخطيب وإبراهيم إغبارية وغيرهم.

فنحن نعلم علم اليقين أنه لا بوادر حسن نية ولا صفقات إفراج أحادية الجانب ستحرر مثل هؤلاء الأسرى، بل فهم وأسرى القدس، ليسوا مشمولين في مثل هذه البوادر والصفقات الأحادية، وبما يعني أن التخلي عنهم في مثل صفقة شاليط ليس خطيئة بل جريمة كبرى، وهذا يعني بالملموس تحولهم من شهداء مع وقف التنفيذ إلى شهداء فعليين في سجون وزنازين وأقسام عزل سجون الاحتلال. فكيف لنا أن نتركهم أو نتخلى عنهم، وهم رفضوا كل محاولات الاحتلال وأجهزة مخابراته وإدارات سجونه لفك العلاقة ما بينهم وبين تنظيماتهم مقابل العديد من التسهيلات والامتيازات، وأصروا على أنهم جزء صميمي من الحركة الأسيرة الفلسطينية.

ولذلك على حماس والفصائل الآسرة لشاليط أن يستمروا في الصمود والثبات على شروطهم ومطالبهم، حتى لو تأجلت صفقة التبادل لفترة أطول من الزمن، فهؤلاء الأسرى ليسوا رقماً عابراً في سفر النضال الوطني الفلسطيني، بل هم جزء أصيل من الحركة الأسيرة الفلسطينية، لعبوا دوراً وهاماً بارزاً في تأسيسها وبنائها وقيادة نضالاتها، ولا يجوز بالمطلق أن يتم تجاوزهم أو التخلي عنهم في هذه الصفقة. ومثل هذا التخلي عنهم سيشكل علامة فارقة وخطيرة في النضال الفلسطيني وكذلك ربحاً صافياً لإسرائيل في فرض إملاءاتها وشروطها، ليس في الأسرى فحسب، بل وفي المعركة السياسية حول مصير القدس في المفاوضات والتسوية، فالاحتلال يحاول بشتى الطرق والوسائل، أن يخرج الداخل والقدس من معركة النضال الوطني الفلسطيني حيث الهجمات المسعورة والمستمرة على الوجود العربي الفلسطيني في الداخل والقدس متواصلة ومكثفة في كل المجالات والميادين وعلى كل الصعد والمستويات.