عام الحرب على الجريمة../ د.جمال زحالقة


نودع بالأسى عام 2009، ليس لأنه انتهى ومضى، بل لأنه كان بالنسبة لمجتمعنا العربي عام الجريمة والقتل. المعطيات التي تراكمت خلال العام مذهلة ومثيرة للرعب. وفق المعطيات الرسمية والأكاديمية وصلت جرائم العنف في الوسط العربي ثلاثة أضعاف نسبة العرب بين السكان. لقد ذهب ضحية جرائم القتل 64 مواطناً عربياً، مقارنة بالعدد القطري في البلاد الذي وصل إلى 121 حادث قتل، أي أكثر من نصف جرائم القتل هي في البلدات العربية.

لقد شهد عام 2009 ارتفاعاً خطيراً في كل جرائم العنف والقتل. هذا بحد ذاته مثير للقلق، ولكن الأخطر هو أن معدلات الجريمة ترتفع عاماً بعد عام، مما يعني أن هناك مساراً لا يتوقف ويتسارع باستمرار.

تتعدد الأسباب والقتل واحد، فهناك جرائم قتل أو محاولة قتل على خلفية ثأر، وأخرى تقع في مجال حرب عصابات الإجرام، وجرائم على خلفية النذالة المسماة „شرف العائلة”، وجرائم قتل في شجارات تندلع لأتفه الأسباب. المستنقع النتن الذي تعشعش فيه الجريمة يتوسع باستمرار، وكلنا شهدنا كيف أن بلدات كانت آمنة من الجريمة على مدى عشرات السنين، صارت عرضة لجرائم قتل كثيرة.

في بلداتنا العربية يقتل تقريباً مواطنان كل اسبوع, ناهيك عن محاولات القتل وإطلاق النار. مسلسل لا يتوقف ولا ينتهي، ويسأل أهلنا وبحق: ما العمل؟ وكيف نوقف نزيف الدم؟ ومن المسؤول عن هذا الوضع؟

إحصائيات عام 2009 هي ناقوس خطر، ويمكن أن نسميه عام الجريمة. مع بداية عام 2010، علينا أن نضع نصب اعيننا، على الأقل، هدف تقليص الجريمة وحصرها قدر الإمكان. نحن نحمل السلطة بأذرعها المختلفة مسؤولية تفاقم الجريمة، وأكثر الأمور إلحاحاً هي تشكيل ضغط سياسي وشعبي على الشرطة حتى تقوم بدورها في محاربة الجريمة. الوضع القائم هو حالة „لا ردع”، حيث يعرف المجرمون أن امكانية القبض عليهم، والتحقيق معهم ومعاقبتهم وفق القانون، ضئيلة جداً وتقارب الصفر في كثير من الحالات. لقد استطاعت الشرطة، حين قررت أن تسحق الجريمة في مدينة نتانيا، التي بعد أن كانت وكراً للجريمة ومسرحاً لجرائم القتل، اصبحت بلداً آمناً نسبياً، وتم ذلك من خلال تنفيذ خطة مركزة وفعالة. هذا هو المطلوب لمحاربة الجريمة في قرانا ومدننا، وعلينا أن نقيم الدنيا ولا نقعدها حتى تضطر الشرطة إلى العمل فعلاً وليس القيام بمسرحيات الحواجز في مداخل البلدات العربية.

على صعيد مجتمعنا العربي، مع مطلع العام 2010، يجب إطلاق حملة شعبية لمحاربة الجريمة، وحشد كل طاقات مجتمعنا لهذا الغرض. هناك أمور يجب أن نقوم بها على المدى القريب، وهناك قضايا يجب مواجهتها على المدى المتوسط والبعيد. يتطلب تجفيف مستنقع الجريمة جهداً جماعياً من كل من يستطيع المساهمة في هذا الجهد، من قيادات سياسية وسلطات محلية ورجال دين ومربين وأكاديميين وجمعيات أهلية وقيادات مجتمعية وغيرها. إذا لم نعلن الحرب على الجريمة فسنجد أنفسنا أمام كارثة لا نستطيع التعامل معها. الجريمة منظمة أكثر مما نتخيل، ومواجهتها تتطلب تنظيم الطاقات الخيرة القائمة في مجتمعنا. بعد أن كانت السنة المنصرمة عام الجريمة، لنجعل من السنة التي نستهلها عام الحرب على الجريمة.