المشهد الفلسطيني- نحو خيارات أخرى!../ نواف الزرو

بعد أن أعلن نتنياهو عن استئناف المفاوضات غير المباشرة قريبا-خلال أسبوعين-، وبعد أن أعلنت الإدارة الأمريكية رسائل متفائلة حول ذلك بعد زيارة ميتشل، وفي ظل المشهد الفلسطيني الراهن، تتواصل الأسئلة الملحة القلقة على الأجندة السياسية والاستراتيجية الفلسطينية اليوم ونحن على أعتاب منتصف العام/2010 أكثر من أي وقت مضى، خاصة بعد التطورات السياسية الدرامية المتعلقة بقصة استئناف أو عدم استئناف المفاوضات على خلفية المطالب الأمريكية بـ"تجميد الاستيطان في القدس والضفة"، وبعد أن أعلن الرئيس الفلسطيني عن خيبة أمله من الإدارة الأمريكية التي لم تلب ما وعدته به من تجميد للاستيطان اليهودي على اقل تقدير، وبعد أن أصبحت "إسرائيل-نتنياهو" سافرة بلا قناع، مجمعة على مواصلة أنشطة الاستيطان والتهويد، دون أن تقدم ولو جزرة صغيرة تشجع على استئناف عملية المفاوضات كما تطالب الإدارتين الأمريكية والإسرائيلية..!.

فالحقائق الكبيرة الساطعة في المشهد الفلسطيني (والتي كنا كتبنا عنها في مقالات سابقة مرارا ويلح علينا المشهد بأن نستحضرها ونذكر بها مرة ثانية وثالثة...) التي من المتوقع أن تتواصل بقوة متصاعدة، هي تلك المتعلقة أولا وقبل كل شيء بمشاريع وإجراءات الاحتلال التهويدية للأرض والوطن والتاريخ، والمتعلقة أيضا بمواصلة العمل من اجل شطب القضية والحقوق الفلسطينية، ناهيكم عن إغلاق الأفق السياسي أمام أي تسوية سياسية مهما كان حجمها وسقفها؟.

فالحقيقة الكبيرة الأولى الماثلة أمام الجميع أن فلسطين تواجه منذ بداية عهد حكومة نتنياهو اجتياحا صهيونيا بلدوزريا تجريفيا هو الأخطر منذ النكبة يستهدف النيل من الحقوق والتطلعات والأهداف الوطنية الفلسطينية إلى ابد الآبدين...!

والحقيقة الساطعة الثانية أنه ليس واردا في استراتيجيات الدولة الصهيونية لا تكتيكيا ولا استراتيجيا أي اعتبار أو احترام أو التزام بأي تفاهم أو اتفاق مع السلطة الفلسطينية....!

والحقيقة الكبيرة الثالثة أن تلك المخططات والخرائط الاحتلالية لا تشتمل عمليا - كما يريد الاحتلال -إلا على هياكل سلطة تقوم بدور الوكيل الأمني للاحتلال والشاويش داخل المعتقلات – الغيتوات- الفلسطينية الأمر الذي فشل الاحتلال في تحقيقه حتى اللحظة...!

والحقيقة الكبيرة الرابعة أن الدولة الفلسطينية الموعودة...دولة خريطة الطريق ما تزال على الورق وفي الخريطة فقط، ولكنها مع وقف التنفيذ، وإن أعلنت في أي وقت من الأوقات في المستقبل فإنها لن تكون سوى دولة خريطة الطريق، وستكون بمضامين ومواصفات الخريطة...أي دولة فلسطينية مستقلة بسيادة إسرائيلية او أمريكية – سيان – كاملة....؟!!

والحقيقة الكبيرة الخامسة أن هناك في هذه المرحلة تفاهما وتعاونا وتحالفا ما بين الإدارتين الأمريكية والإسرائيلية، والأجندة السياسية الأمنية الأمريكية في فلسطين وعلى امتداد مساحة العرب هي الأجندة الإسرائيلية ذاتها...!

والحقيقة السادسة الأكبر والأنصع أن مشروع الاحتلال يجري تطبيقه على الأرض الفلسطينية على مدار الساعة دون الالتفات إلى الفلسطينيين والعرب، أو إلى المجتمع الدولي...وان الاحتلال يسابق الزمن في بناء وتكريس حقائق الأمر الواقع الاستيطاني التهويدي في القدس وأنحاء الضفة من جهة، في الوقت الذي يواصل فيه إقصاء الفلسطينيين رئاسة وحكومة وشريكا وشعبا له قضية وووجود وحقوق راسخة.

في العملية السياسية انغلاق الآفاق بات واضحا، وليس هناك من أفق حقيقي لأي مفاوضات حقيقية ليس فقط في المستقبل المنظور حتى لو استئنفت المفاوضات غير المباشرة قريبا التي يبشر بها نتنياهو، وإنما على الأرجح على مدى سنوات حكم نتنياهو التي من المتوقع وفق المعطيات الإسرائيلية الراهنة أن تستمر على مدى الولاية الأولى لأربع سنوات، وربما تمتد إلى ولاية أخرى لنصبح بانتظار ثماني سنوات ليكودية على الأرجح أنها ستكون بكاملها سنوات استيطان وتهويد وحروب.


وفي العملية السياسية التي خاب أمل الرئيس الفلسطيني منها مرارا بعد أن كان تمسك بها على مدى عقود من الزمن، فان المطلوب من الفلسطينيين إسرائيليا وأمريكيا هو مواصلة المفاوضات من اجل المفاوضات فقط، بينما تكسب دولة الاحتلال الوقت وحقائق الأمر الواقع على الأرض. وفي هذا المضمون الهام كتب المحلل السياسي المعروف اليكس فيشمان في "يديعوت احرونوت" يتحدث عن القانون الحديدي الذي يتحكم بالمفاوضات قائلا: "الأمريكيون أيضا يبدأون في فهم القانون الحديدي الذي تجذر منذ أوسلو: السياسيون في الشرق الأوسط ملزمون بإجراء مفاوضات ولكن من المحظور عليهم الوصول إلى الهدف، التفاوض يعني البقاء والحكم أما اتخاذ القرارات فيعني الموت السياسي، فالوصفة الموثوقة لضمان حياة طويلة للسياسيين هي مفاوضات عقيمة".
ماعززه الكاتب والمحلل الإسرائيلي المعروف عكيفا الدار في هآرتس حيث قال :"الوعود والتصريحات الإسرائيلية شيء وما يجري على أرض الواقع شيء آخر مختلف تماما".
فهل هناك أوضح وأبلغ دلالة من ذلك...؟!

إلى ذلك- فان حكومة نتنياهو تحظى اليوم بشبه إجماع جارف على مخططاتها تجاه القدس والضفة واحتمالات التسوية، واللاءات الإسرائيلية اليوم أيضا هي أجلى من أي وقت مضى، فالـ"لا" الكبيرة أولا اتجاه القدس حيث لا يعتبرون فقط أن القدس لهم مدينة الآباء والأجداد موحدة تحت السيادة الإسرائيلية إلى الأبد، بل يعملون على اختطافها وتطويبها لهم باختلاقها وتحويلها إلى مدينة يهودية عبر إقامة ما يطلقون عليه حقائق الأمر الواقع التي لا يمكن اجتثاثها في أي إطار كان، فالاستيطان في القدس هو الأخطر....!

وهناك الـ"لا" الكبيرة كذلك اتجاه "حق العودة" لملايين اللاجئين وهنا يتكامل الإجماع السياسي الأيديولوجي الإسرائيلي على شطب حق العودة بالكامل وعدم السماح بعودة حتى لاجئ واحد من أصحاب الوطن،
والـ"لا" الكبيرة في مسألة الانسحاب من الضفة وتجاه إقامة الدولة الفلسطينية، حيث هناك أيضا شبه الإجماع الإسرائيلي على رفض إقامة دولة فلسطينية، وتابعنا مؤخرا كيف قامت "إسرائيل" والإدارة الأمريكية والاتحاد الأوروبي ولم تقعد حينما أعلنت السلطة عن نيتها فقط التوجه لمجلس الأمن للحصول على إعلان بإقامة الدولة.

إلى كل ذلك هناك الـ"لا" الإسرائيلية الكبيرة تجاه الحوار الوطني والوحدة الوطنية الفلسطينية، فهم ومعهم الإدارة الأمريكية يرفعون "الفيتو" ضد الوحدة الفلسطينية.

يضاف إلى كل ذلك السياسات الإسرائيلية على الأرض التي لا حصر لها عمليا والمتعلقة بالاستيطان والجدران والحصار والاغلاقات والاغتيالات والاعتقالات، وتدمير مقومات الاقتصاد والصمود الفلسطيني، وتقطيع أوصال الوحدة الجغرافية والسكانية في الضفة الغربية، ولعل خريطة الاستيطان الصهيوني في أنحاء الضفة هي التي تحتل العنوان الكبير هنا، فالاستيطان يلتهم الأرض ويدمر مقومات البقاء والاستقلال الفلسطيني معا، لنغدو بمنتهى الوضوح أمام لاءات إسرائيلية كبيرة ضد كافة العناوين الفلسطينية والحقوق الفلسطينية، ولنغدو أمام دولة"إسرائيل" وأمام وجهها السافر بلا أي قناع...!.

أما فلسطينيا، فلعنة الانقسام والتفكك الفلسطيني هي الأشد خطورة، وهي التي تهدد المشروع الوطني الفلسطيني بكامله، فضلا عهن انه يشكل في هذه المرحلة"مصلحة إسرائيلية عليا" تعمل "إسرائيل" على استمراره بل تستخدم الفيتو من اجل إحباط أي محاولة فلسطينية لإنهاء الانقسام.

الباحث الإسرائيلي المعروف ميرون بنفنستي كثف في هآرتس تداعيات الحالة الفلسطينية قائلا: "أن إسرائيل نجحت في تحطيم المجتمع الفلسطيني إلى أجزاء والفلسطينيون يساعدون في تكريس هذه الظاهرة، وعليه فهم ليسوا بحاجة إلى نلسون مانديلا وإنما الى جوسبا غريبالدي يظهر من بين صفوفهم ويوحدهم".
فهل هناك أصعب وأقسى من هكذا انحدار فلسطيني...!.

نعتقد بقناعة راسخة موثقة أن المشهد الفلسطيني سيكون أقسى واشد وطأة على مختلف المستويات إذا لم يتدارك الفلسطينيون على اختلاف فصائلهم وقياداتهم الأوضاع الكارثية، وإذا لم يلملموا جراحهم ويعيدوا صياغة أولوياتهم الوطنية..!
فـ"الوحدة الوطنية الفلسطينية" و"القيادة الجماعية من أقصى الإسلام مرورا بفتح الوسط وصولا إلى أقصى اليسار" هي المخرج وهي البديل الملح والعاجل لهذه المشهد الفلسطيني النكبوي...!.
فأنياب نتنياهو بارزة تماما، و"إسرائيل" أصبحت على حقيقتها سافرة بلا قناع..!.
يمتلك الفلسطينيون خيارات وأوراقا أخرى أقوى وأكثر فاعلية من القبول باستئناف المفاوضات غير المباشرة وهي محكوم عليها مسبقا بالفشل الذريع، والخسارة في هكذا مفاوضات هي بالتأكيد فلسطينية على الدوام...!