الطيبة تتصدى../ د. جمال زحالقة

ليس صدفة أن تكون ردة الفعل على هدم المنزل في الطيبة على ما كانت عليه من مواجهة للهدم، وإضراب ومظاهرات وصدامات مع الشرطة.

إضراب مدينة الطيبة وما رافقه من مواجهات هو تعبير عن غليان جراء استمرار سياسة الهدم، وخطوة استباقية لردع المؤسسة الإسرائيلية عن تنفيذ مخططاتها الجنونية بهدم مئات وحتى آلاف المنازل العربية في الجليل والمثلث والنقب واللد والرملة.

الطيبة تتصدى وعندما يهب أهلنا هناك، فهم لا يعبرون عن غضبهم على هدم البيت في الطيبة فحسب، بل يبعثون رسالة واضحة وحازمة بأن البيوت العربية ليست هدراً. فالدفاع عن أي بيت هو دفاع عن كل البيوت المهددة بالهدم، والمحلي هنا هو قطري بامتياز.

لم يكن للناس أن يتحركوا ويضربوا ويتظاهروا، لولا اقتناعهم بأنهم على حق، وبأن قضيتهم عادلة، ولولا الاحتقان والغضب على الظلم والاضطهاد على كافة المستويات وبالأخص في قضية الأرض والمسكن. فالادعاء بأن البيوت غير مرخصة هو إدانة للسلطة، التي تحرم المواطن من رخصة البناء وليس لمن يبني مسكناً لعائلته ومأوى لها.

السلطة تطلب المستحيل، من جهة تدعو إلى احترام قوانين البناء، ومن جهة أخرى لا توفر أدوات احترام هذه القوانين وفي مقدمتها خرائط هيكلية تلاءم احتياجات قرانا ومدننا.

إنها تطلب من الناس احترام إطار التخطيط غير الموجود أصلاً! لو احترم الناس قانون التخطيط والبناء الجائر، لنامت عشرات ألوف العائلات العربية في الشوارع.

لقد حدد التجمع، منذ إقامته، بأن خط المواجهة الساخن بيننا وبين السلطة هو في قضية الأرض والمسكن. لسنا هواة مواجهات، وحاولنا وحاول غيرنا طرح حل معقول ومتوازن لحل مسألة ما يسمى بالبناء غير القانوني. يتضمن هذا الحل، الذي طرح على الحكومة وممثليها مرات عديدة، تجميداً شاملاً لكل أوامر هدم البيوت وكل الإجراءات المتعلقة بالبناء غير المرخص، والشروع بمفاوضات بين ممثلي الجمهور العربي ومؤسسات السلطة ذات الصلة بالموضوع، للتوصل إلى حلول تخطيطية لهذه المسألة.

الكل يعرف ويعترف بأن الحل التخطيطي ممكن، وأن المشاكل التي لا يوجد لها حل كهذا هي قليلة ونادرة. السلطة تجاهلت هذا الاقتراح، وفضلت أن يكون „البولدوزر هو الحل” بدلاً عن „التخطيط هو الحل”.

لا تترك مخاطبة الجماهير العربية بلغة البولدوزر مجالاً للناس سوى التصدي للهدم، والسلطة هي التي تفرض عليها المواجهة، وهي المسؤولة في بداية ونهاية المطاف عن تداعيات الهدم.

لا يمكن تسمية سياسة الهدم بأنها تمييز، بل هي سياسة عدائية وعنف سلطوي يهدف إلى محاصرة الوجود العربي الفلسطيني في الداخل في أصغر رقعة ممكنة من الأرض، كجزء من سياسة تهويد المكان والهيمنة الإثنية. إن ما يسمى بالبناء غير القانوني هو مثال للمقاومة الشعبية المدنية الصامتة صوتاً والنافذة فعلاً، وهي تحرك تلقائي يفرضه قانون الحياة، الذي هو أقوى من كل قوانين الاستعمار الداخلي الإسرائيلي.

ما حدث في الطيبة، رغم بعض الأحداث الجانبية التي كان فيها تخريب مرفوض لأملاك عامة، هو مؤشر على الحالة الشعبية وعلى جهوزية الناس النضالية ضد هدم المباني، وعلى أهمية دور القيادات الميدانية في الكفاح. فأهلنا في الطيبة لم ينتظروا قراراً من لجنة المتابعة للتحرك، وهم محرومون حتى من سلطة محلية تدير الحراك الشعبي ضد الهدم.

إن وجود قيادات محلية منظمة ولجان شعبية قادرة على اتخاذ قرار موحد، هو مثال يحتذى به في كافة قرانا ومدننا. أكثر من ذلك، ليس من وظيفة لجنة المتابعة الاكتفاء بتأييد ودعم التحركات النضالية المحلية، بل عليها هي أن تبادر وأن تنفذ قراراتها السابقة، التي اتخذت بناء على اقتراح التجمع، بتنظيم العمل القطري ضد هدم البيوت من خلال لجنة دفاع عن الأرض والمسكن، لتقوم بدورها على غرار الدور الذي قامت به تاريخياً لجنة الدفاع عن الأراضي، التي قادت يوم الأرض وما تلاه من نضال ضد مصادرة الأراضي.

نريد أن يكون هناك تخطيط ملائم لبلداتنا، ونريد ونعمل على تنظيم البناء لما فيه مصلحة الناس وحماية الصالح العام. لكن الحديث معنا بلغة البولدوزر لا يترك لنا مجال سوى التصدي ومواجهة الهدم، كما فعل أهلنا في الطيبة. تحية طيبة للطيبة على وقفتها المشرفة، وعلينا جميعاً أن نتعلم مرة أخرى أن مهمة القيادة هي ترجمة الغضب الشعبي إلى نضال شعبي، هذه هي المسؤولية الوطنية، والسكوت هو موقف غير مسؤول.