الغموض سيد الموقف على الجبهة العربية./ خالد خليل

لم يعد السؤال حول حتمية وقوع الحرب وشن عدوان جديد يشمل سورية ولبنان وربما قطاع غزة موضع خلاف. فهذا العدوان قد يحتمل التأجيل لكنه لا يحتمل الإلغاء من منظور إستراتيجية الأمن الإسرائيلية. السؤال الذي يفرض نفسه في المرحلة الحالية، هو مدى جاهزية المقاومة اللبنانية والفلسطينية وسورية لخوض غمار هذه الحرب.

على الرغم من أن خيار الحرب بالنسبة لهذه الأطراف مندرج ضمن خياراتها الإستراتيجية المعلنة على المستوى الرسمي، إلا أن التوقيت كما يبدو ما زال يكتنفه الغموض، وعادةً يكون عدم امتلاك السيطرة على الوقت نابعًا من أسباب مختلفة أهمها عدم الجهوزية العسكرية والسياسية، أو وجود خلل إداري استراتيجي ناتج عن قرارات خاطئة ذوّتت فكرة عدم البدء بالحرب من أجل كسب المعركة السياسية.

إسرائيل على عكس ذلك تختار وقت الحرب وفقًا لحساباتها العسكرية أولاً، ومن ثم تبحث عن مسوغات وتبريرات سياسية لها، أو تختلقها إذا اقتضت الضرورة. ومن الواضح حتى الآن أنها هي التي تتحكم بقرار الحرب والسلم وتفرض التوقيت الذي تراه مناسبًا لأوضاعها.

وفقًا للتلميحات والتقارير الإسرائيلية والسلوك العسكري على الحدود أو في داخل إسرائيل (المناورات العسكرية والإعلان عن نصب بطاريات صواريخ ضمن مشروع „القبة الحديدية”، وتوزيع الكمامات الواقية)، علاوة على التهديدات المبطنة والمعلنة وتسخين أجواء المنطقة بخطاب الحرب الموجّه، فإنّ إسرائيل موجودة في مرحلة وضع اللمسات الأخيرة على جهوزيتها العسكرية، مما ينذر باقتراب العدوان من جهتها.

أما في الطرف المقابل، فباستثناء التهويلات الإسرائيلية عن نقل صواريخ سكود لحزب الله، وامتلاك الحزب لأسلحة كاسرة للتوازن وصواريخ يصل مداها لجميع المدن الإسرائيلية(ام 600)، تكاد تنعدم التقارير الرسمية حول القوة الحقيقية لحزب الله وسورية، واقتصر النشر من طرفهما على أنهما جاهزان للحرب القادمة.

وإذا كانت إسرائيل قد استخلصت العِبر من حرب 2006 وأعلنت عن خطة إستراتيجية تتجاوز من خلالها أخطاءها العملانية وتسد نقصها على مستوى المعدات والتجهيزات العسكرية في مواجهة صواريخ حزب الله وحل إشكالية الجبهة الداخلية المكشوفة لها، فلم ترد بالمقابل تقارير وخطط معلنة عن دفاعات جوية جديدة لمواجهة الطائرات الإسرائيلية على الطرف الآخر من الجبهة (والتي تعتبر هي كاسرة التوازن حسبما يقول السيد حسن وليس صواريخ سكود).

في هذه الحالة هناك احتمالان: الأول أن سوريا وحزب الله فعلاً جاهزان وبحوزتهما الخطط والمعدات اللازمة لدحر العدوان الإسرائيلي والانتصار في الحرب القادمة.
والثاني أنهما ما زالا في مرحلة التجهيز التي بحاجة إلى وقت أطول للانتهاء منها.

في جميع الحالات التوقيت عامل حاسم، وباعتقادنا أن إسرائيل في سباق مع الزمن، خاصة وان احد استنتاجاتها من حرب 2006، أنها لم تأبه في الماضي لمسألة الوقت مما أتاح لحزب الله امتلاك ترسانة عسكرية قادرة على كسر التوازن.

التحركات السورية واللبنانية وتوقيع التحالف الاستراتيجي واتفاقية الدفاع المشترك مع إيران، والمناورات العسكرية بين سوريا وتركيا، والقوة البارزة في خطاب حزب الله والمسؤولين السوريين ردًا على التهديدات الإسرائيلية، كلها مؤشرات على أن الحرب القادمة لن تكون عادية، خاصة إذا صدقت التوقعات بأنّ إيران مدّت حلفاءها بأسلحة متطورة حديثة تقلب معادلات القوة على مستوى الدفاعات الجوية، ففي هذه الحالة ستكون حسابات إسرائيل في مهب الريح وضربًا من الأوهام.

أما إذا كانت المقاومة وسورية غير جاهزتين لاستحقاقات المعركة فإنّ المصلحة تقضي بضرورة العمل على استبعادها من خلال إدارة الصراع بالطرق الدبلوماسية.. لأنّ الحرب النفسية وحدها غير كفيلة بتحقيق الانتصارات.

من المرجح أن تكتيك الغموض المتبع من قبل سورية وحزب الله لا يندرج فقط في إطار الحرب النفسية، حيث أثبتت تجربة 2006 أنّ هذا الغموض أتى أكله وأجبر إسرائيل على خوض حرب في ظل نقص أساسي في المعلومات حول قدرة وإمكانيات حزب الله، فيما أظهر الأخير سيطرة تامة على الوضع من هذه الزاوية، حتى على مستوى التفاصيل الصغيرة. وهذا التكتيك سيف ذو حدين، وهو في حين يربك إسرائيل، من شأنه تعجيل الحرب أو تأجيلها وفقًا لمدى درجة الإرباك. أهم سمات التحديث التي أرستها المقاومة اللبنانية كانت في تقديم نموذج خارج عن المألوف في الصراع والتقنيات المعلوماتية المتطورة، علاوة على اليقظة العالية في متابعة الأحداث والتغييرات على الساحة بمستوياتها المختلفة، لذلك من الطبيعي أن يكون استنتاجنا المنطقي أن هذه المقاومة استوعبت ودرست تجربة الحرب الأخيرة على لبنان واستخلصت العبر اللازمة التي تؤهلها للاستعداد للمعارك القادمة.

فهل ستتسرع إسرائيل هذه المرة في إشعال فتيل الحرب التي سيطال لهيبها اليابس والأخضر؟! السلوك السياسي الإسرائيلي في موضوع التسوية والتأكيد على فشل المفاوضات قبل بدايتها وكثافة التهديدات الإسرائيلية في الآونة الأخيرة تؤشر إلى ذلك، ولكن ماذا يفيد الانشغال بالتنبؤات ما دامت الاحتمالات كلها مفتوحة على مصاريعها في زمن شديد التغير والتقلب؟!.