لا.. لن نرفع العلم الإسرائيلي../ زهير أندراوس

قبل أن أخوض في غمار المونديال وعلاقته بالانتماء، أرى لزامًا على نفسي أنْ أُوضّح بشكل صريحٍ للغاية: أشجع بنوعٍ من التطرف المنتخب الإيطالي، وبالنسبة ليّ فإنّ مباريات كأس العالم تبدأ وتنتهي بارتباط عضوي مع النتائج التي يُحرزها هذا المنتخب. مضافًا إلى ذلك، أقول بدون لفٍ أو دوران: لو أنّ المنتخب الإسرائيلي بكرة القدم وصل إلى نهائيات كأس العالم، لما كنت رفعت علم الدولة العبرية، لأننّي لا أشعر بأيّ انتماء لهذا العلم أو للنشيد الوطني الإسرائيلي، والشيء بالشيء يُذكر: ضم عدد من اللاعبين العرب الفلسطينيين إلى صفوف المنتخب الإسرائيلي هو عمل فردي لهذا اللاعب أو ذاك، وهو لا يعني بأيّ حالٍ من الأحوال تعبيرًا عن طموح عرب الـ48، أي أنّ الكولكتيف الفلسطيني، لا يشعر بأيّ ترابط مع المنتخب بسبب وجود لاعب عربيّ أو أكثر، وبالتالي فإنّ وجود لاعبين عرب في المنتخب لا يخدم القضية، بل ربّما يُضعفها، لأنّ ماكينة الدعاية الصهيونية، من شأنها أن تستغل هؤلاء اللاعبين لكي تُحاول أن تُسّوق للرأي العام العالمي ديمقراطيتها المزيفة.

بدأ أوّل مونديال في القارّة السمراء، وتحديدًا في جنوب أفريقيا، هذه الدولة التي عانت من سياسة العزل العنصري، الأبارتهايد، وباعتقادي فإنّ هذه فرصة ممتازة للربط بين السياسي والرياضي، وفرصة سانحة لكي نُوجه للإسرائيليين رسالة مفادها أنّ استمرار سياسة التفرقة العنصرية ضدّ فلسطينيي الداخل، هذه السياسة التي تأججت في الفترة الأخيرة، والتهرب من استحقاقات السلام العادل، وليس السلام على المقاسات الأمريكية والإسرائيلية، سيؤدي في نهاية المطاف إلى تحويل إسرائيل لدولة جميع عنصرييها ومتطرفيها، ومن هناك تغدو الطريق إلى الأبرتهايد قصيرة، لا بل قصيرة للغاية.

بالإضافة إلى ذلك، نُوجّه نصيحة أخرى مجانية للإسرائيليين: إنّكم مدعوون لزيارة ما تُطلقون عليه اسم الوسط العربي، لا تخافوا، لا تخشوا، فمحاولات العديد من وسائل الإعلام العبرية تصوير قرى وبلدات ومجمعات الفلسطينيين في النقب والجليل والمثلث والساحل بأنّها بؤر عنف، هي محاولات إنْ نمّت، فإنّها تنم عن عقلية استعلائية مبنية على نفي الآخر. نًوجّه لكم الدعوة المفتوحة لكي تشاهدوا بأمّ أعينكم التغييرات التي حصلت في (الوسط العربي)، لقد تحوّلت قرانا وبلداتنا ومدننا إلى فروع للأمم المتحدة من الناحية الشكلية: أعلام الدول المشاركة في كأس العالم 2010 باتت تُزين البيوت، المقاهي، السيارات والمراكز الأخرى. إنّه الكرنفال الرياضي- السياسي في أقوى تجلياته.

لأسفي الشديد، طبعًا كمشجع المنتخب الإيطالي، فإنّ أعلام البرازيل طغت على المشهد، ليس بسبب رفض الرئيس البرازيلي، لويس ايناسيو لولا دا سيلفا، الذي وصل إلى بلاد "اللبن والحليب والعسل"، زيارة ضريح هرتسل، مفضلاً عليه ضريح الرئيس الفلسطيني الشهيد، ياسر عرفات، وليس لأنّ بلاده رفضت وما زالت ترفض فرض العقوبات على إيران، التأييد للبرازيل بات موضةً منتشرة، أمّا الأعلام الإيطالية فإنّها تحتل المركز الثاني، وما يُثير الانتباه أنّ أعلام الجزائر، الممثلة الوحيدة والشرعيّة للأمة العربيّة، قليلة، وعن هذا يُمكن تجيير الكليشهاه: أحيانًا الحقيقة تتغلب حتى على الخيال.

ربّما يسأل أحدهم: لماذا أُشجع المنتخب الأزرق؟ ومن واجبي أنْ أُفسر نفسي: في إيطاليا درست، وخلال سنوات مكوثي في العاصمة، روما، تعرفت على هذا الشعب الرقيق، خفيف الدم، القريب كثيرًا إلى شعوب الشرق الأوسط، نعم، أنا على علمٍ ودرايةٍ، بأنّ الفاشية كانت في الثلاثينيات والأربعينيات من القرن الماضي مسيطرة على إيطاليا، أعرف أيضًا أنّ قوى فاشية جديدة بدأت تطل برأسها في الشمال، ولكن هذا لا يُفسد للود قضية: فقد كان ليّ الشرف أن أكون في العام 1982 متواجدًا في أيطاليا، عندما فازت بكأس العالم، الفرحة كانت عارمة، وجاء قرار الاتحاد العام لكرة القدم في إيطاليا بإهداء الكأس لشعبي العربيّ الفلسطينيّ، الذي كان في تلك الأيام يقاوم العدوان الإسرائيلي الهمجي، بقيادة مجرم الحرب، أرئيل شارون.

جاءت هذه الخطوة الرمزية لتؤكد للقاصي والداني على أنّ الشعب الإيطالي، قلبًا وقالبًا، كان مؤيدًا لقضية شعبي، ومتضامنًا مع آلامه، في الوقت الذي كانت فيه الدولة العبرية، تُخطط مع عملائها في لبنان لتنفيذ مجزرة صبرا وشاتيلا.

ومرّة أخرى، لم أقم بعملية مسح علمي، ولكن أُرجح أنّ الخطوة الإيطالية، على رمزيتها، لعبت وما زالت تلعب دورًا مهمًا في ارتفاع عدد المشجعين لمنتخبها خلال المباريات الجارية الآن في جنوب أفريقيا. ويُمكن المخاطرة قليلاً والقول إنّ التشابه بين العلم الإيطالي والعلم الفلسطيني من ناحية الألوان، يُشكّل عاملاً إضافياً لتشجيع المنتخب الأزرق من قبل الفلسطينيين في إسرائيل.

وفي النهاية يُمكن القول، لا الفصل، إنّ تزيين قرى ومدن ومجمعات الفلسطينيين في الداخل بأعلام الدول المشاركة في المونديال، ورفض هذه الشريحة، رفضاً تاماً، رفع الأعلام الإسرائيلية في جميع المناسبات، لا يُمكن اعتباره خطوة رمزيّة، إنّما هذا التصرف إنْ دلّ على شيء فإنّه يدل على أنّ الفلسطينيين في إسرائيل، وهم بالمناسبة أصحاب الأرض الأصلانيين، يحاولون من وراء الأعلام أن يُعبّروا عن شعور الاغتراب وعدم الانتماء للدولة العبرية، مضافاً إلى ذلك، برأيي المتواضع جداً، فإنّ ظاهرة الأعلام، إذا جاز التعبير، هي محاولة أخرى لتوجيه رسالة تحد لإسرائيل، كما أنّ هذا التصرف الجماعي يؤكد على أنّ دولة الاحتلال فشلت أو أفشلت نفسها في قضية استيعاب الفلسطينيين، وهكذا بعد 62 عامًا من النكبة، أو وفق مصطلحاتهم إقامة الدولة العبرية، لا يشعر العرب في هذه الديار بأيّ نوع من الانتماء لهذه الدولة أو رموزها، وبالتالي نرى أنّ إسرائيل، وليس العرب، تُعاني من مشكلة إستراتيجة صعبة للغاية في هذا السياق، آخذين بعين الاعتبار أنّ مهمة الاثبات تقع على الأكثرية وليس على الأقليّة الأصلانية.