النظام العربي.. الاستبداد يورث الهزائم../ معمر فيصل خولي*

شهدت العلاقات التركية الإسرائيلية منذ قدوم حكومة العدالة والتنمية في تركيا عام 2002، عدة مواجهات دبلوماسية مع اسرائيل، أولهما تصريحات رئيس الحكومة رجب طيب أردوغان في أكثر من مناسبة، بأن تقدم العلاقة مع اسرائيل مرتبط بجديتها في دفع عملية السلام الى الامام ، الأمر الذي لم يرض اسرائيل، ثانيهما استقباله مجموعة من قيادات حماس بعد فوزها بالانتخابات التشريعية وتشكيل (الحكومة الفلسطينية) في عام 2006 ، وثالثهما، حينما تصدى رئيس الحكومة التركية في مؤتمر دافوس الاقتصادي في اوائل عام 2009، لأكاذيب شمعون بيريس رئيس دولة اسرائيل، الذي حاول أن يبرر العدوان الصهيوني على الشعب الفلسطيني في غزة، رابعهما الإساءة التي تعرض لها السفير التركي في اسرائيل لدى استدعائه لوزارة خارجيتها، حيث تعامل نائب وزير الخارجية الاسرائيلي معه بطريقة لا تتناسب مع التقاليد والاعراف الدبلوماسية، ومنها انتظار السفير في ممر السفارة، وإزالة العلم التركي من على المنضدة التي أمام السفير، و لم يمر الموقف الاسرائيلي بسلام حيث اضطرت الى تقديم الاعتذار الرسمي للحكومة التركية.

وأما آخر تلك المواجهات إعتداء البحرية العسكرية الاسرائيلية في اعالي البحار على اسطول السلام التركي والمتجهة نحو مدينة غزة لكسر الحصار المفروض عليها، وقد أسفر ذلك الاعتداء عن سقوط قتلى في صفوف المتضامنين.

وعلى أثر ذلك الإعتداء لم تتوان الحكومة التركية من تصعيد الموقف الدبلوماسي مع اسرائيل، فعلى المستوى الداخلي ألقى رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان خطابا في مجلس الشعب التركي واصفا الاعتداء الاسرائيلي بانه 'عمل دنيء وغير مقبول' وعليها دفع ثمن ذلك، كما سحبت تركيا سفيرها من اسرائيل، وألغت مناورات عسكرية كان من المقرر إجراؤها.

أما على المستوى الدولي طلبت الحكومة التركية من مجلس الأمن عقد اجتماع طارىء لبحث العدوان الاسرائيلي على الاسطول، وفي الاجتماع أدان وزير الخارجية التركي أحمد داود اوغلو الاعتداء واصفا إياه بالعمل البربري غير الأخلاقي، مطالبا محاسبة اسرائيل وفرض عقوبات عليها.

السؤال الذي يجب مواجهته، وان كان فيه ازعاج نفسي، ما هي مصادر القوة المتاحة للحكومة التركية حتى تعمل على تصعيد وتائر المواجهة الدبلوماسية مع اسرائيل؟ في حين وقفت الأنظمة العربية من العدوان الأخير على أسطول الحرية، والعدوانين الاسرائيليين على لبنان في تموز (يوليو) 2006، والذي استمر أكثر من 32 يوما، وعلى الشعب العربي الفلسطيني في غزة في أواخر شهر كانون الثاني من عام 2008، وبداية شهر كانون الأول من عام 2009، والذي استمر اكثر من 22 يوما، موقف المتفرج، والأنكى من ذلك، أنظمة عربية كانت متعاطفة ومتفهمة لدوافع العدوان الاسرائيلي على كلا الشعبين!

تكمن قوة الحكومة التركية من قوة النظام السياسي للدولة التي تبنت الديمقراطية كأساس للحكم بعد الغاء نظام الحزب الواحد عام 1946. وترتكز الديمقراطية على عدة مقومات أساسية، منها التعددية السياسية، والتداول السلمي للسلطة، والفصل بين السلطات، (الفصل هنا لا يعني عدم التعاون بينهم، وإنما عدم افتئات سلطة على غيرها)، وحق المساءلة، والمشاركة السياسية، ووجود مجتمع مدني قوي، واحترام حقوق الانسان. فالحكومة التركية الراهنة لم تصل للحكم على الطريقة العربية التقليدية كالوراثة أو الإنقلابات العسكرية، وإنما وصلت عبر الارادة الشعبية من خلال اجراء انتخابات حرة ونزيهة، تعبر عن ارادة الشعب التركي، وهذا مرتكز آخر من مرتكزات الديمقراطية التي تنبذها الانظمة العربية أنظمة لويس الرابع عشر. فالحكومات في الدول الديمقراطية كالجمهورية التركية تستطيع تحقيق أهداف سياستها الداخلية والخارجية، ومن هذه الأهداف، على مستوى السياسية الداخلية، شرعت قوانين تهدف منها الى توسيع مجال الحريات الفردية، وتشديد العقوبة على التعذيب سواء في السجون او في أقسام الشرطة، وحرية التجمعات والمظاهرات وحق الفرد في الحصول على المعلومات وحق التعبير السلمي عن الرأي بجميع أشكاله وحق الأقليات العرقية في تعلم وتعليم لغاتها، كما أصدرت قانون العفو عن التائبين من حزب العمال الكردستاني الانفصالي.

أما اقتصاديا فقد ركزت الحكومة على الإصلاح الإقتصادي، وكانت اولى خطوات ذلك الإصلاح محاربة الفساد، وخاصة فساد النخبة السياسية، ولعل تحويل ' تانسو تشيللر' و' مسعود يلماظ'، وهما من رؤساء الوزارات السابقين الى التحقيق، كان الدليل الأوضح على صدق الحكومة في توجه نحو الاصلاح الحقيقي، حيث عملت أيضا على تخفيض النفقات الحكومية الى أبعد مدى، وخفضت عدد الوزرات وباعت آلاف السيارات الحكومية والفيلات الفاخرة التي كانت مخصصة للنواب، وشكلت لجانا برلمانية لتعقب الفاسدين الذين سرقوا المصارف الحكومية والخاصة، وأصدرت قانونا يسمح للحكومة بوضع يد الدولة على أموال أصحاب ومديري هذه المصارف واموال أقاربهم من الدرجة الاولى والثانية واسترداد قيمة ما نهب من هذه الأموال.

وبفضل ذلك القانون استطاعت الحكومة في دورة توليها الاولى أن تسترد 46 مليار دولار، وأن تضع منهجا جديدا للعمل، يقوم على الأمانة والصدق والشفافية، ولا تقوم على الرشوة والغش والخداع، وكانت النتيجة أن قيمة الليرة التركية ارتفعت مقابل الدولار أكثر من 30' وهبطت نسبة الفائدة بمقدار 40' وزادت الصادرات التركية بنسبة 34' وهبط معدل التضخم بشكل من 37'الى 9' تقريبا، وزاد الناتج القومي بنسبة الثلث، وارتفع دخل الفرد التركي من 2500دولار عندما تولت الحكومة السلطة الى5500 دولار لأكثر من الضعف، وزادت الاستمارات الاجنبية، وانخفضت ديون تركيا لصندوق النقد الدولي من 23 مليارالى 9 مليار.

أما على المستوى الاجتماعي نجحت الحكومة في استقطاب بعض الفئات الاجتماعية الهامة في تركيا، بقطع النظرعن انتمائها الايديولوجي، لما رأت في برنامج الحكومة من تحقيق لأهدافها ومصالحها، فالحكومة بسياساتها الاقتصادية نجحت في استقطاب رجال الأعمال الوطنيين، فتحت أمامهم سبل الاستثمار وتحقيق الارباح، وكان من نتيجة ذلك أن نجحت أيضا في استقطاب قطاع كبير من الفقراء، بعد أن وفرت فرص كبيرة للعمل.

وزاد الدعم الحكومي بسبب توفر قدر كبير من الأموال لترشيد الاستهلاك الحكومي، هذه الأموال ساهمت في على توزيع الكتب والكراسات والأدوات الكتابية على جميع طلاب المدارس الإبتدائية والإعدادية والثانوية مجانا، ويبلغ عددهم عشرة ملايين طالب تقريبا، فزاحت بذلك عبئا كبيرا عن كاهل الفقراء، وخصصت مرتبات للطلاب المحتاجين، وعملت على توزيع مليون ونصف المليون طن من الفحم سنويا مجانا على العائلات الفقيرة في المناطق الباردة، وقد استفاد من هذه المعونة أربعة ملايين تركي.

أما على الجانب الاجتماعي قامت الحكومة ببناء 280 ألف شقة سكنية للعائلات الفقيرة بأقساط سهلة وميسرة، أقل من الإيجار الشهري على مدى 20 عاما، ولا تدفع إلا بعد الإنتقال للسكن فيها، وقد وزعت 140 ألف شقة، والباقي في مرحلة ابناء، ويأمل في رفع العدد الى نصف مليون شقة، كما قامت الحكومة أيضا بإنشاء 39 جامعة جديدة وفتح أبواب المستشفيات أمام الفقراء حتى المستشفيات الخاصة، حيث يقوم المريض بدفع نسبة قليلة وتتكفل الدولة بدفع الباقي. هذه الانجازات الداخلية حققتها حكومة لم يتجاوز عمرها السياسي عن ثماني سنوات، أليس الديمقراطية كانت سببا في قدومها؟ ونتساءل هنا أيضا هل لهذه الانجازات الداخلية امتدادا خارجيا؟

فعلى مستوى الخارجي تعاملت الحكومة التركية مع الأزمات الدولية على نحو يعكس فهما عميقا للواقع والثوابت، ومرونة كبيرة في التحرك بين هذه وتلك لتحقيق أهدافها. فقد واجهت الحكومه أزمة حادة فور وصولها للحكم، وهي الرغبة الأمريكية في استخدام الاراضي التركية في عدوانها على العراق، والخيارات كانت صعبة، فالحكومة تدرك أنها غير قادرة على مواجهة الغرب، وغير راغبة في استعدائه، فأقدمت على مناورة سياسية تدل على فهمها للواقع والقدرة على استخدام آلياته بشكل جيد.

فقد أعلنت أنها لا تمانع في استخدام الاراضي التركية كقواعد عسكرية أمريكية في العدوان، وبما أنها دولة ديمقراطية تحترم مؤسساتها الديمقراطية فإن الامر يستلزم موافقة البرلمان، وجاءت النتيجة بالرفض، وبالطبع أحدث ذلك توترا في العلاقات التركية الأمريكية، ولكنه كان توترا سريعا ما تجاوزه، لأن الموقف ذاته اتسم بالمرونة بسبب قبول الحكومة لهذا الأمر في البداية، في حين تحول الاستبداد العربي الى متعهد خدمات أمريكي، حيث قدم كل الدعم المادي للعدوان على العراق ومن ثم احتلاله.

وأما على المستوى الإقليمي أعادت الحكومة الاعتبار للدور التركي في المنطقة باعتباره لاعبا أساسيا، فمنذ قدومها تبنت نظرية تصفير المشكلات مع الجوار الاقليمي، فقد شهدت العلاقات التركية السورية تقدما كبيرا.

أما بخصوص الملف النووي الايراني، فقد سعت الدبلوماسية التركية لتسوية هذا الملف يجنب ايران العقوبات والعدوان، أما علاقتها مع اسرائيل تحولت من علاقة تحالف الى علاقة تنافس على النفوذ في منطقة الشرق الاوسط، وما المواجهات الدبلوماسية بين الدولتين الا تأكيدا على ذلك.

فمن كان يتصور في يوم ما، أن تركيا أتاتورك، اولى الدول الاسلامية التي اعترفت بوجود باسرائيل، والتي ارتبطت معها بتحالف استراتيجي في نهاية العقد المنقضي، أن تشهد علاقتهما في المرحلة الراهنة توترا شديدا، وانفتاحا على قضايا أمتنا العربية؟ أليست تركيا هي التي أرسلت أسطول الحرية لكسر الحصار على غزة؟ أليس الاعتداء على الاسطول أعاد تفكير بالحصار المفروض على غزة؟ هذه المواقف التركية من مخرجات ديمقرطيتها، تركيا يستفزها الحصار المفروض على غزة، وتعمل على رفعه، والاستبداد العربي يشارك في الجريمة المركبة على الشعب الفلسطيني بشكل عام وعلى غزة بشكل خاص. والدور الوحيد الذي يضطلع به فتح حدوده لعبور المساعدات، واستقبال الجرحى لمعالجتهم.

خلاصة القول، منذ نشوء الدولة القطرية في الوطن العربي في بداية القرن المنقضي، طغت عليها صفة الاستبداد، وقد أورثنا هذا الاستبداد تركة ثقيلة جدا من الهزائم على الصعد كافة، الان ونحن مع بدايات القرن الواحد والعشرين، فإنه المتعذر استمراريته فلا بد من مشروع ديمقراطي يزيح عنا تركة الاستبداد، الذي أفشل مشروع الدولة. وهذا الامر لن يتحقق (اذا لم يتوفر لدينا مناضلون ديمقراطيون يعملون على صنعها ولا يكف استحضار مقوماتها، فالديمقراطية مسألة سياسية نضالية، لا تقدم على صينية من فضة، ولا على دبابة من فولاذ). كما عبر عنها المفكر العربي الدكتور عزمي بشارة.
"القدس العربي"