خيارات مطروحة في الربع ساعة الأخير من عمر حكم مبارك../ محمد عبد الحكم دياب*

الصيحات التي تتردد والأصوات التي تعلو تهاجم وتدين وتعمم حكمها على جموع المصريين، وأحيانا تخص ما تسميه النخبة بوابل من النيران الكثيفة بدعوى التقصير والعجز عن التغيير. ومصالح كثير من هؤلاء تعتمد على الحكم ورضاه. تحركهم إشارة من أجهزته وشبكاته المنتشرة في كل مكان، وتتحكم فيهم مصالح حزبية ضيقة تسلم بعدم جدارة الشعب على التحرر وعلى التصدي للاستبداد والفساد والتبعية. ودائما ما يصفون الشعب بما فيه نخبته بكل الصفات المتدنية. يغطون بها عجزهم ويبرئون بها ذمتهم. ويحملون الغير مسؤولية لا يتحملون فيها أي نصيب، وإمعانا في تقمص الدور دائما ما يدعون الحكمة بأثر رجعي. ويصبون اتهاماتهم على المجتمع غير القادر من وجهة نظرهم على التعاون والتكاتف والعمل الجماعي، متجاهلين ما جرى لمصر ولكثير من المصريين وبدء عجلة التغيير في الدوران بمعدلات سريعة.

وإذا كان الشعب ونخبته على ذلك المستوى من الاستكانة، فمن ذا الذي صنع ذاك الحراك الذي يغطي أنحاء مصر بصور مختلفة ومتنوعة؟ لا يعيبه سوى ذلك القيح الطائفي الطافح على جسد الكنيسة المصرية. من الذي كشف للرأي العام مفاسد الحكم وانحرافاته وتبعيته وانحيازه الصهيوني؟ ومن الذي جعل عموم الناس لاتقبل بأقل من التغيير أو الثورة سبيلا للخروج من المأزق الراهن؟

لماذا يتعامل هؤلاء مع المجتمع وكأنه قاصر وفي حالة سكون، ويتعالون على الناس وكأنهم قطيع. وأبسط مبادئ المعرفة تقول بأن المجتمع الساكن هو المجتع الميت. والشعب الساكت هو الشعب الأخرس، والواقع يقول بغير ذلك، وإلا ما حدث ذلك الاستقطاب الحاد حيث تحالف الحكم القابض على الثروة وعلى مفاتيح القوة وأدوات البطش والترويع. وما يحوي من بلطجية وجلادين ولصوص ومفسدين وسماسرة وعملاء. ارتدوا ثوب السياسة واستولوا على مقاليد الحكم، فمنحوا أنفسهم تراخيص بالنهب والبطش والتدليس.

والمشكلة ليست مع ذلك التحالف الحاكم بعدائه وتحديه لطموح الناس في التغيير، إنما مع مواطنين يبثون اليأس وينشرون الإحباط. فيهم من يقوم بهذا العمل بحسن نية. وكثيرون يمارسونه عمدا وعن سابق إصرار، تشكيكا في الجدارة وتأكيدا على الدونية التي تبرر لهم إبقاء الأوضاع على ما هي عليه. وبعد أن احترقت ورقة عدم وجود البديل، التي اتكأوا عليها ردحا من الزمن. أحلوا محلها مقولة 'مافيش فايدة'، وإذا وجد من يخالف هذا المنطق تشن ضده حملات ضارية من التكفير الفكري والسياسي. والذين يفضلون التعامل بمنطق القطيع لا تتسع صدورهم لرأي مخالف، وهم من يصدعون أدمغتنا بالديمقراطية والتعددية والتنوع والرأي والرأي الآخر. لهم كل العصمة ولمن يخالفهم كل اللعنة!!، بغير وازع من ضمير وبدون ضابط أخلاقي.

والتحالف الحاكم يستغل الأقل وعيا، والباحث عن مصلحة خاصة، والمتطلع إلى فتات الموائد. يدير بهم معاركه، ويبث اليأس بين الناس عن طريقهم، خاصة في وقت لم تكتمل فيه ترتيبات. تجري في صمت لأوضاع الحكم ومستقبله، وهو ما صرحت به مصادر خاصة. قالت إن وطأة المرض، على حسني مبارك قد تحول بينه وبين الاستمرار في الحكم قريبا.

وتبدو الترتيبات المطروحة محصورة في نموذجين أخذ بهما بلدان عربيان من قبل. هما تونس في آخر سنوات حكم الحبيب بورقيبة، والأردن في أيام الملك حسين الأخيرة. في حالة بورقيبة تمت تسوية الوضع بانقلاب عرف يومها بـ'الانقلاب الطبي' وكان في حقيقته 'انقلابا أمنيا'. من داخل قصر الحكم وبعلمه.

أما الحل الأردني احتاج عودة الملك الراحل من مشفاه الأمريكي وهو في النزع الأخير، ليعزل أخاه من ولاية العهد، ويُنَصب ابنه مكانه، وقيل يومها أن الترتيبات جرت بنصيحة أمريكية، ومصر ليست في حاجة لعزل 'ولي العهد' جمال مبارك، فقد تضاءلت فرصته وكادت تصل إلى درجة الصفر. لذا أعيد طرح اسم عمر سليمان من جديد لخلفيته العسكرية، وتأهيله للعمل مع واشنطن وتل أبيب، ولما تحت يديه من ملفات هامة ذات علاقة بالشأن الفلسطيني والشأن السوداني ومنابع النيل، وحرصا على استمرار السياسة الراهنة، وتجنب تعريضها لاهتزازات حادة، ويجد عمر سليمان ترحيبا من قبل الغرب ولا يواجه ممانعة تذكر من الدولة الصهيونية، وإن كانت السيدة سوزان مبارك ما زالت تحبذ خيار التوريث، والإعلان سريعا عن قرب اعتزال الأب، والدعوة لانتخابات رئاسية عاجلة، يتقدم إليها الابن مرشحا عن الحزب الحاكم، وتتولى أجهزة التزوير مهمة فرضه رئيسا على مصر.

وهناك محاولات خجولة تحذر الأم من عدم قدرة المجتمع المصري على تحمل مغبة مثل هذا الخيار، في ظروف اعتاد فيها الناس الخروج إلى الشوارع. تمردا وعصيانا وإضرابا واحتجاجا في كل المدن وعلى مدار السنة.

وأرجح شخصيا إمكانية الأخذ بحل أقرب إلى الحل التونسي في شقه البوليسي، رغم مستجدات الظروف واختلافها في مصر عن تونس. وإن حدث هذات فسيتم بتعاون أطراف ثلاثة هي: 1) عائلة مبارك إذا اقتنعت بأن ذلك يوفر لها خروجا آمنا، دون التعرض للمحاكمة أو العقاب. 2) حبيب العادلي بقوته الضاربة وقدرته الفائقة على الترويع واعتياد رجاله على التعذيب واستخدام العنف المفرط والقتل، وهيمنته وسيطرته على المرافق والمؤسسات، ونتابع هذه الأيام ما قام به من إجهاض لجهود النائب العام، الذي أمر بإخراج جثة الشهيد خالد سعيد وإعادة تشريحها للتعرف على أسباب وفاته، وظهر تحكمه في عمل الطب الشرعي، الذي عاد وأكد براءة رجال العادلي، وفي هذا إعلان واضح منه على بسط حمايته على رجاله وكفالة الغطاء القانوني (المزيف) أيا كانت الجرائم المقترفة من جانبهم. 3) واشنطن وتل أبيب، وذلك تطبيقا للقاعدة التي أعلنها رئيس لجنة الشؤون الخارجية بمجلس الشعب بأن الرئيس القادم يأتي بموافقة الأولى وقبول الثانية.

والخياران يواجهان بموقف قوتين من الصعب التنبؤ به. إحداهما استيقظت وأفاقت وأخرى تترقب وتنتظر، أما الأولى فهي قوة الشارع، الذي يشهد حراكا واسعا لم يحدث بهذه الكثافة من قبل. ويتهيأ للتحرك والخروج طلبا للتغيير، وهو شيء ما زال غائبا عن المصابين بالعشى السياسي، ولا يشعر به بعض من رفعوا مطلب التغيير، من أولئك الذين لم يُعرف عنهم أنهم اتخذوا موقفا، أو خرجوا احتجاجا، أو قدموا عريضة في السابق، وهذا أضعف الإيمان. وهم ليسوا سوى محدثي نعمة، ينتظرون تفويضا لا يأتي، ورهانا لا يتحقق، ويلومون الناس لقعودهم وقلة حيلتهم، ولا يلومون أنفسهم. هم أشبه بـ'عواجيز الفرح'. يلوكون الكلام ويثبطون الهمم ويعطلون المراكب السائرة.

أما القوة المترقبة والمنتظرة فهي القوات المسلحة. وللقوتين فضل إجهاض مشروع التوريث وتعطيله. الأولى قاومته بشدة ونزلت الشارع في مواجهته، والثانية تحفظت عليه ولم تباركه. هذا 'وضع العقدة في المنشار' كما نقول في مصر. مما زاد أمر التوريث تعقيدا، فموقف رجال الأعمال، قوة عائلة مبارك الضاربة، التي تكفلت بمد الجسور مع الاحتكارات والشركات والمؤسسات المتعددة الجنسية والمصرف الدولي للإنشاء والتعمير وصندوق النقد الدولي، ووطدت علاقتها بالدولة الصهيونية ومشروعها الاستيطاني.

مشكلتهم ما حدث من اختلاط للأوراق التي بحوزتهم، مع فتور حماسهم للتوريث المحاصر، وإحساسهم بالخطر من استمرار العلاقة بعائلة مبارك وما يمكن أن تجلبه عليهم من أضرار، في نفس الوقت يتمسكون بتحالفهم مع أجهزة الأمن والشرطة طلبا للحماية، وهي الأجهزة التي مكنتهم من الاستيلاء على الأصول المالية والتجارية والصناعية والزراعية والمائية للمجتمع ونقل أغلبها إلى الشركات الأجنبية والصهيونية.

وقد يناسبهم 'الإنقلاب الطبي' بشرط أن تكون كل خيوطه في يد سكان القصر الجمهوري، وهم العائلة ورئيس ديوان الرئاسة وقائد الحرس، ومعهم وزير الداخلية، ومن المتوقع منهم أن يعملوا على استقطاب أمين عام الحزب الحاكم ورئيس مجلس الشورى، أبرز بقايا الحرس القديم، فهم في حاجة لدهائه وقدرته على المناورة، وقد يحجم تحسبا لرد فعل الشارع وموقف القوات المسلحة المتحفظة على التوريث، والقلقة من تصرفات الأمن والشرطة، والمعترضة على صفقات الوزراء من رجال الأعمال وخطرها على الأمن الوطني.

ومن وجهة نظري فإن تدخل القوات المسلحة يأتي في حالات الضرورة القصوى، إما بسبب غياب مفاجئ لحسني مبارك، وهذا احتمال وارد ومرجح في الفترة القادمة، أو بمغامرة غير محسوبة على الطريقة السوفييتية تتيح للعائلة ورجال الأعمال التخلص من ضغط المؤسسة العسكرية، وكانت تلك المغامرة من أهم أسباب تفكيك الامبراطورية السوفييتية وانهيارها. ويمكن الإيعاز بمثل هذه المغامرة من طرف الابن. صاحب النفوذ الأقوى على الحرس الجمهوري، فيصطدم بالقوات المسلحة في لحظة يأس تنتاب المتجبرين قبيل الرحيل، والعاصم من هذا هو الشعب.

ومن المتوقع ألا ينجر أحد لصدام من أي نوع، باستثناء قوات الأمن والشرطة، التي لا تتورع في ارتكاب حماقات كتلك التي ارتكبها السافاك الإيراني في آخر أيام الشاه.

والثوابت الوطنية للقوات المسلحة المصرية تنأى بها عن الصدام إلا مع عدو خارجي. وكانت تلك الثوابت محركة لأحمد عرابي ومحمود سامي البارودي وعبد العال حلمي، وعزيز علي (المصري) وجمال عبد الناصر، ووراء استجابة اللواء محمد نجيب ليكون في واجهة حركة الجيش في تموز/يوليو 1952، وأول رئيس للجمهورية يعينه مجلس قيادة الثورة في 1954، وهي نفسها التي حكمت تصرفات المشير عبد الغني الجمسي حين استدعاه السادات للتصدي لانتفاضة 1977. قبل الرجل المهمة بشرط ألا يطلق النار على أحد، ولما هدأت الأوضاع عُزل، ولحس السادات وعده باختياره قائدا للقوات المسلحة مدى الحياة.

وهي نفسها التي حكمت موقف المشير عبد الحليم أبو غزالة في تصديه لانتفاضة الأمن المركزي 1986، وكان له نفس الشرط، وبعدها تخلص حسني مبارك منه. ونادرا ما يوجد بين العسكريين من هم على شاكلة رجال الأمن والشرطة، وبشراسة النبوي اسماعيل وزكي بدر وحبيب العادلي، وإفراطهم الزائد في استخدام العنف ضد المواطنين.

مصر على مفترق طرق، وهذا يحتم على رافعي مطلب التغيير التعامل بحرص وعقل مفتوح، ولغة جامعة، والتقليل من الرهان على الفرد أو على تدخل من أي نوع، فالنجاة في الرهان على النفس والاعتماد على الشعب، وتفجير طاقاته، وتمكينه من بناء جمهورية برلمانية دستورية جديدة. الإرادة فيها للشعب وسلطته فيها فوق سلطات الرئيس والوزير والشرطي.
"القدس العربي"