حول التضامن مع أسرانا: بين القانوني والسياسي وبين الفردي والجماعي../ نمر سلطاني

رغم تطور الفكر القانوني النقدي في العقود التي خلت إلا أننا ما زلنا نجد أن بعض القانونيين يصر على النظر إلى القانون وعلاقته بالمجتمع بشكل كثير التبسيط وبصورة ما قبل نقدية.

تندرج مقالة المحامي جواد بولس الأخيرة في هذا الإطار (""كلنا فلان؟" أحقًا؟"، موقع الجبهة وحديث الناس، بتاريخ 16.7.2010)، حيث يدعو الكاتب إلى فهم القانون على أنه فصل واضح ما بين الفردي والجماعي من ناحية، وما بين الأمني والسياسي من ناحية أخرى. وفي ذلك لا تشذ المقالة عن الفكر الليبرالي الكلاسيكي (ولا أقول المعاصر لأن كثيرا من الليبراليين المعاصرين قد استفادوا من دروس الفكر النقدي واستوعبوها جيدا). في حين أن الفكر القانوني النقدي يعمل على فضح ادعاء ممثلي القانون بالمهنية الخالية من الشوائب السياسية، وكذلك على إماطة اللثام عن الأسس والأطر والبنى الاجتماعية التي يتفاعل معها الأفراد وتؤثر في صقل تكوينهم كما في قراراتهم. فلا الفرد يحيا في فراغ اجتماعي بحيث يصبح ملك نفسه تماما كما ادعى بعض المنظرين الليبراليين الكلاسيكيين، ولا هو محكوم تماما بظروفه الاجتماعية فلا يستطيع منها فكاكا كما ادعى بعض البنيويين أو القدريين. بل هنالك علاقة جدلية بين الفرد والمجتمع (راجع هنا بداية كتاب ماركس عن اعتلاء نابليون للعرش). وليس القانون بمستقل عن المجتمع كما يقول الليبراليون ولا هو انعكاس ميكانيكي للمجتمع بحيث يكون القانون مجرد بنية فوقية للبنية التحتية الاجتماعية-الاقتصادية كما قال ماركس ومن بعده الماركسيون الأوائل.

هذه الانتقادات تصح في كل الدول الحديثة حتى التي تنتهج نظاما ليبراليا وسلطة القانون ولا تحتل أرض شعب آخر. ولا أدري إذا كان الكاتب سيدافع عن ادعائه هذا في كل الحالات أم أنه سيقف عند حدود المواطنة. فهل كان اتهام مروان البرغوثي (والذي كان الكاتب أحد محاميه) وإدانته قانونيا أم سياسيا؟ فرديا أم جماعيا؟ هل يحق لنا أن نتضامن معه أم لا؟ ألم يدن بمخالفات قانونية وبالإرهاب؟ ألا يتيح التضامن معه التحريض علينا حسب منطق الكاتب؟ لماذا إذا تقام كل هذه الجمعيات ونادي الأسير وغيرها؟ أليس ذلك اعترافا بأن الأمر سياسي جماعي؟

وماذا عن حاملي المواطنة الإسرائيلية مثل وليد دقة ومخلص برغال وكريم يونس وحافظ قندس وراوي سلطاني – هل هم أسرى "أمنيون" وكفى؟ هل البرغوثي هو سياسي، ووليد دقة هو أمني لمجرد كون الأخير مواطنا حتى لو ارتكبا مخالفات مشابهة وانتميا للفصائل نفسها؟ وبالتالي هل يصح التضامن مع الأول ولكن ليس مع الآخر؟ وماذا عن د.عزمي بشارة ورائد صلاح ومحمد بركة وطالي فحيمة ومحمد كناعنة وغيرهم؟ هل يتوقف القانون عن كونه سياسيا بسبب مواطنتهم؟ بالطبع لا.

هل يكون القانون سياسيا والأمر جماعيا فقط إذا كان المتهم قياديا وعضو كنيست، ويكون جنائيا وأمنيا وفرديا إذا كان المتهم كادرا من الكوادر أو مجرد فرد عاديّ؟ وبشكل عام، هل يتوقف الشأن عن كونه جماعيا بسبب كونهم مواطنين أفراد؟ أم أن الأمر يتعلق بمستوى الجنحة أو المخالفة المرتكبة فكلما ازدادت حدّتها قلت "جماعيتها" وقلّ منسوب "السياسة" فيها؟ بالطبع لا.

من الصحيح أنه ليست كل عملية اعتقال ومحاكمة هي عملية تجنٍ على الأسير فأحيانا يكون الأسير قد ارتكب فعلا المخالفات المنسوبة إليه أو بعضها وهو يتحمل مسؤولية القيام بها. لكن الكاتب يخلط الحابل بالنابل إذ يتعامل مع التعاطف على أنه تطابق. فالتعاطف يعني عند الكاتب الموافقة على الفعل العيني للأسير. لكن التعاطف الشعبي مع المعتقلين هو محاولة منع (على الأقل على المستوى الرمزي) الاستفراد بالأسير (أي منع تحويل ما هو جماعي إلى فردي وما هو سياسي إلى محض مهني وقانوني). فمن المعروف، كما أوضحت في الفقرة الأولى، أن الخيارات الفردية (وخاصة في المجتمعات المتصدعة والمتنازعة) تأتي على خلفية وفي إطار الظروف المجتمعية. لو كان الأسرى الفلسطينيون يعيشون في السويد مثلا لكانت الخيارات المفتوحة أمامهم مختلفة تماما. هذا لا يعني أن الخيارات دائما مبررة أو صحيحة ولكنها ليست مقطوعة الصلة تماما عن الواقع بحيث يستطيع المجتمع التنصل منها.

إن التعاطف الشعبي هو قيمة وطنية جماعية يعبر فيها الشعب عن تعاضده وعن جماعية همومه. وإلا، لماذا نتضامن مع مخالفي قوانين التخطيط والبناء أصحاب البيوت المعرضة للهدم؟ ألا يعطون المؤسسة والعنصريين الفرصة للتحريض حسب منطق الكاتب؟ هل انتدبهم المجتمع ليقوموا بهذه المخالفات؟ إن خطورة ادعاء الكاتب تكمن في إقراره فردانية الأسير ليس فقط على الصعيد العملي (ففي نهاية الأمر الأسير وحده يواجه العقوبة والسجانين سيان إن تضامنا معه أم لم نتضامن معه) ولكن أيضا على الصعيد الرمزي. الكاتب، إذا، يدعو عمليا للتخلي عن أسرانا باعتبار أنهم إذا ارتكبوا مخالفة ما وفق القانون الإسرائيلي فإنهم ليسوا خارجين عن القانون فحسب بل خارجين عن المجتمع أيضا! إن رفض الكاتب للتضامن هو رفض لقيمة جماعية وإصرار ليبرالي كلاسيكي على الأنا وفردانية المجتمع.

كما أن التضامن لا يعبر فقط عن تمازج السياسة بالقانون في سياق ارتكاب المخالفة، أيا كانت، ولكن أيضا على اختلاف ظروف الأسر والعقوبة بحسب الايديولوجيا المهيمنة في الدولة والنخب الحاكمة والأمنية والقضائية ونظرتهم إلى مرتكبي المخالفات بحسب انتماءاتهم. فعلى سبيل المثال، لاحظ هنا الاختلاف في ظروف الأسر ومدته في حالة عامي بوبر وظروف الأسرى السياسيين من عرب الداخل. لاحظ أيضا اختلاف ظروف الاعتقال الأولي في قضية عنات كام وهي التي كشفت المئات من المستندات بالغة السرية مقابل التعامل مع المعتقلين العرب. ألا يحق التضامن معهم في هذه الأمور أيضا؟

يلعب القانون في ظروف النزاع والتصدع دورا هاما إذ تحاول الأكثرية وخاصة النخب فيها فرض رؤيتها أو هيمنتها على القانون. ومن غريب الأمر أن الكاتب، رغم ممارسته المحاماة لمدة طويلة، يعتبر صفقة الادعاء على أنها عملية الوصول إلى الحقيقة. فإذا اعترف المتهم بمخالفة ما ضمن صفقة الادعاء (مثلما فعل رائد صلاح في محاكمته قبل بضع سنوات) فإن الكاتب يرى في ذلك انتقاصا من الادعاء بتسييس القانون. لكن، وكما يعرف كل محام، فإن صفقة الادعاء هي مجرد عملية حسابات ربح وخسارة. وفي هذه العملية هناك عوامل على الأسير وممثليه أخذها بالحسبان مثل تمديد الاعتقال حتى نهاية الإجراءات القانونية وما يرافق ذلك من ضغط على الأسير. بالإضافة إلى انحياز المحاكم ضد الأسير الفلسطيني خاصة في القضايا المتعلقة بما يسمى "الأمن". وكذلك استعمال "معلومات سرية" لا يسع المحامين الاطلاع عليها. ولاحظ في القضايا الأخيرة أن المحاكم تتعامل مع هذه القضايا بنوع من قلة الصبر وتحاول إنهائها خلال مدة زمنية قصيرة مما يزيد من الضغط على الأسير، ويقلل من إمكانيات محاميه في المناورة القضائية لأن إمكانية الحصول على صفقة ادعاء تقل مع بداية سماع الشهود، لأن أحد أهم العوامل من وجهة نظر النيابة والمحكمة للموافقة على صفقة ادعاء هو توفير الوقت على المحكمة والنيابة وكذلك المحافظة على "مصادر" المعلومات وطرق العمل المتبعة من قبل الأجهزة الأمنية.

إن هذه النظرة إلى صفقة الادعاء هي بلا شك جزء من نظرة عامة إلى القانون على أنه قانون محايد ومهني، لاسياسي، يهدف إلى الوصول إلى الحقيقة المجردة أو العدل المنزه، وبالتالي النظر إلى الدولة على أنها تمثل الصالح العام لجميع المواطنين عربا كانوا أم يهود. وفي ذلك تجاهل للسياق العام والتاريخي للعلاقة بين المواطنين العرب والدولة وعدم فهم لدور القانون في المجتمعات الحديثة بشكل عام. كما أن في ذلك تجاهلا لإمكانيات استعمال الأمن والقانون بشكل عام لأهداف ايديولوجية.

لاحظوا هنا الاستعمال المتزايد في السنوات الأخيرة لتهمة "الاتصال بعميل أجنبي" و"نقل معلومات إلى العدو". بناءً على مثل هذه البنود الفضفاضة بالإمكان تجريم العمل السياسي خاصة ما يسمى "التواصل" مع الشعب الفلسطيني والعالم العربي. طبعا يستطيع الكاتب أن يقول إنه ضد التواصل مع العالم العربي بدل أن يقول إن القانون مهني وأن القضايا في هذا السياق هي فردية أي أن التواصل هو مشروع فردي. ولكن الكاتب كان ضمن الوفد إلى القذافي وبالتالي أفترض أنه مع "التواصل" بصيغة ما . معنى ذلك أنه من الممكن أن يكون القانون أداة سياسية تحت غطاء أمني لمنع التواصل وتخويف الناس منه. خاصة أن المخابرات هي التي تحدد من هو "العميل الأجنبي" وأن "المعلومات" التي يمكن المعاقبة عليها تستطيع أن تكون غير سرية وفي متناول الجميع أو الانترنت.

كذلك فإن الكاتب يستطيع القول إن حركات المقاومة ليست مقاومة وإنما هي إرهابية، إذا كان هذا ما يقصده، بدل الاختباء من وراء مقولة القانوني والفردي. أما إذا كان يعتبرها مقاومة (وبالتالي يرفض اختزالها في الشأن القانوني والحيز الفردي) فلماذا يرفض التضامن مع كوادرها؟ إن مثل هذا الموقف يذكرني بكل هؤلاء الذين يحبون من جيفارا ونلسون مانديلا وعرفات الاسم لا المشروع، والرومانسية الحالمة لا العمل والتضحية. يستطيع الكاتب أن يختلف مع خيارات بعض الأسرى وهذا أمر مشروع ولكن شتان ما بين ذلك وما بين إخراجهم من السياسي ونفيهم إلى الأمني وطردهم من الجماعي إلى الفردي وحرمانهم من التضامن الرمزي. الأسرى في نهاية الأمر هم أبناء هذا الشعب. إن شعبا لا يتضامن مع أسراه هو شعب لا يتضامن مع نفسه. إن شعبا يتعامل مع أسراه على أنهم قضايا فردية هو شعب لا يتعامل مع نفسه على أنه جماعة ولا يتعامل مع نفسه كشعب.

"العاصمة"... القدس والفعل الثقافيّ | ملف خاص