من عدالة جبران حتى "عدل" دايّان../ زهير أندراوس

بعد العدوان الغاشم الذي نفذّته الدولة العبريّة ضدّ كلٍ من مصر وسورية والمملكة الأردنية الهاشمية، 1967، والذي اصطلح العرب على تسميته بالنكسة، بسبب الهزيمة النكراء التي لحقت بالجيوش العربيّة مقابل جيش دولة الاحتلال، وصل وزير الأمن الإسرائيلي، موشيه داياّن، المعروف بعنجهيته واستعلائه على الآخرين، وتحديدًا الناطقين بالضاد، إلى جامعة حيفا للمشاركة في ندوة نظمّها الطلاب اليهود في الجامعة.

كان دايّان، كباقي الإسرائيليين، يصول ويجول متسلحًا بالنشوة العارمة بعد الانتصار الساحق على العرب، الذين أرادوا "إلقاء اليهود في البحر"، كما يقول الصهاينة بمناسبةٍ أو بغيرها.

وقف أحد الطلاب ووجّه سؤالاً لوزير الأمن: هل من العدل أنْ تسيطر الدولة العبريّة على الأراضي التي احتلتها في حرب الأيام الستة، حسب قاموسهم؟ دايّان السياسي المحنك والعسكري الأكثر دهاءً، ومجرم الحرب بامتياز، ردّ على الطالب بالقول: "إذا أردت أنْ تبحث عن العدل، فلا وجود لإسرائيل، وإذا أردت أنْ تبحث عن إسرائيل، فلا وجود للعدالة".

نسوق هذه المقدمّة على ضوء التصعيد الإسرائيلي الخطير الذي سُجّل هذا الأسبوع، عندما قامت جرافات الحقد والتدمير الإسرائيلية، محمية بقوات مدججة من الشرطة والقوات الخاصة باحتلال قرية العراقيب في النقب، وهدمها للمرّة الثانية خلال أسبوع واحد.

والعراقيب، هي قرية أخرى من القرى التي لا تعترف بها إسرائيل من منطلقات عنصرية، ليس إلا، فهي الدولة الوحيدة في العالم، التي ابتكرت مصطلح عدم الاعتراف بالقرية العربيّة، تمهيدًا لهدمها باسم العدالة المزيفة والمزورّة. والعدالة محدودة الضمان، بحسب مقاسات دولة الاحتلال، تقتصر على المواطنين اليهود، أمّا بالنسبة للفلسطينيين في الداخل، فالعدالة غير موجودة، أو كما وصفها جبران خليل جبران: أين هي العدالة في السلطة السياسية إذا كانت تٌعدم القاتل، وتسجن الناهب، ومن ثم نفسها تزحف على الأراضي المجاورة، وتقتل الآلاف وتسلب وتنهب؟

اقتحام قرية العراقيب للمرّة الثانية من قبل سلطات الاحتلال تحمل في طياتّها الكثير من الرسائل للعرب الفلسطينيين في هذه الديار، مضافًا إلى ذلك، فهي تطرح مرّة أخرى أمامنا قضية التحدي وتحديد سقف المطالب مقابل سقف الممارسة على أرض الواقع. وللتذكير فقط، فإنّ لجنة المتابعة العليا للعرب في الداخل، كانت قد قررت إعادة بناء القرية التي هدمتها إسرائيل، وجاء الردّ السلطوي على هذا القرار بالهدم ثانية، أيْ بكلمات أخرى وصريحة للغاية: الدولة العبرية على مختلف أذرعها التنفيذية لا تُقيم حسابًا للجنة المتابعة، هذه اللجنة التي ينضوي تحت لوائها جميع الأحزاب والفعاليّات السياسية.

سياسة هدم البيوت الفلسطينية في الداخل، هدفها غير المعلن التأكيد لكل من في رأسه عينان على أنّ غير اليهود في هذه الدولة هم ليسوا مواطنين، علاوة على ذلك ترمي هذه السياسة لإظهار العربي بأنّه يُخالف القانون، وثالثًا لكي يخسر العربيّ الأموال.

في الداخل الفلسطيني، أو كما يُسمى من قبل العرب المتصهينين والمستعربين، بالوسط العربيّ، لا توجد خرائط هيكلية، ولكن عندما يريدون السرقة، أيْ سلب الأراضي العربية، فنجد أنّ وزارة الداخلية تُصادق مباشرة على الخريطة الهيكلية، ولكي نكون على درجة من المصداقية نسأل وبأعلى الصوت، وعلى سبيل الذكر لا الحصر: ما معني عدم تجديد الخارطة الهيكلية في قرية مجد الكروم على مدار عقود؟.

هذه الجريمة الإسرائيلية الجديدة، هدم العراقيب، تٌضاف إلى سلسلة الجرائم التي ترتكبها حكومات الدولة العبرية المتعاقبة منذ العام 1948، وتطرح بقوةٍ السؤال التالي: هل النكبة الفلسطينيّة توقفت في العام 1948؟ أم أنّها ما زالت حيّة وقائمة وبوتيرةٍ عاليةٍ؟ والسؤال الأكثر أهمية: هل المخطط الإسرائيلي القاضي بتشريد 80 ألف عربي من النقب وهدم 45 قرية عربيّة غير معترف بها، هو ليس تكملة للنكبة التي حلّت بأبناء شعبنا قبل 62 عامًا؟

وأكثر من ذلك: هل تغيّرت الحركة الصهيونية، وحلّت عليها البركة، كما نقول بعاميتنا الفصيحة، لتتنازل عن أطماعها داخل فلسطين التاريخيّة وفي الوطن العربيّ؟ هل حركة كولونيالية، أسست كيانًا استعماريًا، قادرة على تغيير مسارها التاريخي، أمْ أنّها ستواصل في غيّها، ضاربةً عرض الحائط جميع القيم السماوية والدنيوية، لتحقيق أحلامها بالسيطرة على فلسطين من النهر إلى البحر؟

ومن النقب ننتقل إلى الجليل، هذا الجزء النابض من تاريخ وحاضر ومستقبل شعبنا العربيّ الفلسطينيّ، وتحديدًا نصل إلى قرية ترشيحا، وهي القرية التي وُلدت وترعرعت فيها، وما زلت قابضًا على الجمر بين أحيائها وشوارعها وأزقتها الضيّقة، ترشيحا، التي كانت قبل النكبة المشؤومة عروس الجليل، حوّلها الصهاينة إلى قرية أشباح.

قصفوها بالطائرات، شرّدوا السواد الأعظم من سكانها، وفي هذه الأيام، وبعيدًا عن الأضواء، تتعرض لحملةٍ صهيونية غادرة للإجهاز على ما تبقى لسكانها من أراضٍ. زيتونها يذرف الدموع، تينها ينزف الدم، صبرها فقد الصبر. ترشيحا محاطة بمستوطنات يهودية، "معلوت" و"معونا" و"كفار هفراديم" (قرية الورود بالعربيّة)، داسوا عرضها، صادروا أرضها، وها هي تتحول على مرأى ومسمع العالم إلى كانتون، إلى غيتو، وما باليد حيلة.

يقومون بتضييق الحيّز، لا بل أكثر من ذلك مصادرته باسم "تطوير" الجليل، وهو الاسم الحركي لتهويد الجليل. وماذا يعني التهويد بكلمات مبسطة؟ التخلص من الوجود العربيّ في هذه المنطقة. وهكذا عندما تبقى القرية العربيّة بدون أراضٍ للبناء، فإنّ الأجيال الصاعدة، لن تجد المأوى ولن تجد المسكن، وبالتالي، بهدوءٍ وبدون شوشرة، ينتقل الشاب إلى مكان آخر بحثًا عن البيت، ولكي نكون على صراحة واستقامة فكرية نقول ونفصل: هكذا تقوم الدولة العبرية بتنفيذ الترانسفير البطيء، هكذا تقوم الحركة الصهيونية، وصنيعتها إسرائيل، بتطبيق المبدأ الذي يُجمع عليه أكثرية الإسرائيليين: الدولة العبرية، هي دولة الشعب اليهودي، نقية وطاهرة من "تدنيس" العرب، إنّهم يُخططون ويُخرجون المخططات إلى حيّز التنفيذ، ونحن في عكا وحيفا ويافا والعراقيب والطيرة وأم الفحم، نناضل ونتحدى دولة مارقة بتفوق، دولة قويّة جدًا، دولة تحتل المكان الرابع عالميًا في تصدير الأسلحة، دولة تتلقى الدعم الكامل من الغرب، ممثلاً بأمريكا ودول الاتحاد الأوروبي، تحصل على الدعم الصامت من ما يُسمى بدول الاعتدال العربيّ، أو قُل الانبطاح العربيّ، ناهيك عن سلطة رام الله الاستسلامية، التي جرّمت المقاومة وقدّست المفاوضات العبثية مع الدولة العبرية.

وبما أنّ العرب أصدروا الفتوى التي تُجيز لرئيس السَلَطة، بفتح السين واللام، محمود عبّاس بالانتقال إلى المفاوضات المباشرة مع أكثر حكومة متطرفة في تاريخ هذه الدولة، وبما أنّ هذه الفتوى صدرت بناءً على تعليمات من واشنطن وتل أبيب، وتدل على مدى الكرم، وليس الكرامة، في الوطن العربي، فإننّا نجد أنفسنا ملزمين بالتوقف أمام هذه المستجدات الخطيرة والتفكير بصورةٍ عمليةٍ وعلميةٍ في قضية المطالب: نحن، هنا في الداخل، تحوّلنا إلى أيتام على موائد اللئام، وآن الأوان لأنْ نتحرك على كافة المستويات الدوليّة لطرح معضلاتنا مع هذه الدولة.

ونرى أنّ المطلب الذي يجب علينا أنْ نرفعه لمؤسسات المجتمع المدني وأيضًا لصنّاع القرار في الغرب: أنقذونا من مخططات إسرائيل، ساعدونا في صراع البقاء، العرب تركونا وسلطة عبّاس تنازلت عنّا، وعلينا أنْ نقول الحقيقة بدون رتوش: مطلبنا من الدولة العبرية هو وقف الاستيطان، الاستيطان الأخطبوطي داخل ما يُسمى بالخط الأخضر، قبل أنْ نتحول إلى لاجئين، فنحن للأسف الشديد، انتقلنا بفضل عنصرية وتطرف دولة الاحتلال إلى مرحلة اللجوء مع وقف التنفيذ، وهذا ناقوس خطر يؤكد على أنّ العد التنازلي قد بدأ.