انسحاب الجبهة الشعبية من "التنفيذية" لا يحل المشكلة../ هاني المصري

منذ قرار اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية المشاركة بالمفاوضات الثنائية المباشرة بدون ضمانات ومرجعيات، أعلنت الجبهة الشعبية أنها بصدد دراسة الانسحاب من اللجنة التنفيذية أو تجميد عضويتها فيها؛ "لأن هذا القرار يمس البرنامج الوطني والحقوق والقواسم المشتركة، ويشكل تنازلاً جديداً خطيراً يضاف إلى مسلسل التنازلات التي أقدمت عليها قيادة المنظمة منذ مؤتمر مدريد حتى الآن".

إن بقاء الجبهة الشعبية في اللجنة التنفيذية رغم التطورات والمستجدات وتآكل برنامج المنظمة يعتبر أمرا غريبا ولا يتسق مع تاريخها، حيث انسحبت من اللجنة التنفيذية عدة مرات وشكلت جبهة الرفض تارة، وجبهة الإنقاذ تارة أخرى، لأسباب أقل أهمية من الأسباب الراهنة، ورغم ذلك كله فإن انسحاب الجبهة الشعبية من اللجنة التنفيذية لا يحل المشكلة.

إن الجبهة الشعبية مطالبة قبل الإقدام على الانسحاب أو تعليق عضويتها: أولا تقييم تجربة الانسحابات السابقة واستخلاص الدروس والعبر، وتحديد هل حققت أهدافها أم لا؟

ثانياً: ربط الانسحاب بالتوقيع على اتفاق ينتقص من الحقوق الوطنية، إما التعليق أو الامتناع عن حضور الاجتماعات أو بعضها فهذا أمر خاضع للظروف والتقديرات وإمكانيات النجاح والفشل بتحقيق المطالب.

كما أن الجبهة الشعبية وجميع الفصائل الأخرى وأعضاء اللجنة التنفيذية المستقلين مطالبون بدراسة واقع المنظمة ودورها ودورهم فيها، ولماذا اتخذت واتخذوا أدواراً تراوحت ما بين تسجيل المواقف للتاريخ، أو تبرير واقع الشلل الذي تعانيه المنظمة؟ أو الانفصام بين الأقوال والأفعال، وبين ما يجري داخل المنظمة وخارجها، وبين القناعات والمصالح والحسابات التي طغت على كل شيء، فنجد حالة غريبة تكون فيها القناعات في واد والمواقف بناء على المصالح والحسابات في واد آخر، رغم أن دور المنظمة تراجع بشكل مضطرد خصوصا بعد تأسيس السلطة، وبصورة أكبر في الآونة الأخيرة حين أصبحت اللجنة التنفيذية ليست أكثر من شاهد الزور.

إن القرارات تتخذ من قبل مجموعة قليلة من الأفراد لا يزيدون على أصابع اليد الواحدة، أو من قبل لجنة المتابعة العربية تارة، أو اللجنة الرباعية تارة ثانية، ومن قبل الإدارة الأميركية دوما، وبعيدا عن حركة فتح والمنظمة؛ الأمر الذي أضاع القرار الوطني المستقل الذي قاتلنا وقاتل من أجله الشهيد أبو عمار سنوات طويلة.

إن احتجاج الجبهة الشعبية على أن "فتح" تهمش الفصائل الأخرى غير صحيح؛ لأن "فتح" نفسها مهمشة. إن الدلائل على تهميش "فتح" كثيرة منها: أن اللجنة المركزية لحركة فتح، كما أعلن محمود العالول اتخذت قرارا بالمشاركة في المفاوضات المباشرة على أساس أن بيان اللجنة الرباعية سيكون مرجعية المفاوضات، ولكن ما حدث فعلاً أن المفاوضات استؤنفت على أساس الدعوة الأميركية التي نصت على أن المفاوضات بدون شروط مسبقة ولم تشر، لا من قريب ولا من بعيد، لبيان اللجنة الرباعية الذي حث على المفاوضات المباشرة و لم يدع إليها.

إن هناك دليلا آخر على تهميش "فتح" حيث أنها تحاول منذ وقوع الانقسام وتشكيل حكومة سلام فياض العودة إلى موقعها القيادي في الحكومة .

يكفي أن نقول إن برنامج الحكومة لإنهاء الاحتلال وبناء المؤسسات الذي طرح منذ آب 2009 لم تتخذ المنظمة ولا حركة فتح موقفاً بشأنه، رغم أنه قرار سياسي بامتياز ويتناول أمراً جوهرياً.

إن المطلوب من الجبهة الشعبية وغيرها من الفصائل والشخصيات الوطنية المستقلة البحث في كيفية تفعيل دورها على كل المستويات والأصعدة أولاً، حتى يصبح عاملاً لا يمكن تجاوزه، وبعد ذلك يمكن التفكير بخطوات أعمق وأهم مثل تعليق العضوية أو الانسحاب.

فما يحدث في مؤسسات المنظمة انعكاس لما يجري على أرض الواقع، وإذا كان الواقع يظهر أن الفصائل مهمشة وهمشت دورها، فهنا لا ينفع الانسحاب من اللجنة التنفيذية لمعالجة ذلك، وإنما قد يعمل الانسحاب على تعميق التهميش.

كما أن البقاء بالمنظمة بنفس الصورة السابقة والحالية لا يحل المشكلة أيضاً، بل يظهر الفصائل بأنها ذيلية ولا حول لها ولا قوة.

لقد كان بمقدور أعضاء اللجنة التنفيذية أن يقاطعوا الاجتماعات التي عقدت بعد اتخاذ قرار المشاركة بالمفاوضات بمعزل عنها، وقبل اجتماعها، وأن ينسحبوا من الاجتماع احتجاجاً على قرار المشاركة رغم أنه اجتماع بدون نصاب قانوني. وكان عليهم ألا يعودوا للمشاركة في الاجتماعات قبل إدانة قمع المؤتمر الوطني المناهض للمفاوضات الذي شارك فيه أربعة أعضاء من اللجنة التنفيذية، وتشكيل لجنة تحقيق مستقلة ومحاسبة المسؤولين عن هذا العدوان الصارخ على الحريات العامة.
إن مقاطعة الاجتماعات في مثل هذه الحالات لا تعتبر انسحاباً ولا إضعافاً للمؤسسة وإنما محاولة لتطويرها.

إن تشكيل قوة ضاغطة فاعلة أساساً في الشارع هي التي يجب أن تحظى بالأولوية وستعكس نفسها حتماً على مؤسسات المنظمة وعلى المشهد الفلسطيني كله.

إن هناك بعض البوادر الإيجابية المشجعة ظهرت بعد قرار إلغاء الانتخابات المحلية الذي اتخذ بدون علم المنظمة، حيث تصدت بعض الفصائل والشخصيات الوطنية وممثلين عن المجتمع الأهلي لهذا القرار بشكل مشترك؛ من خلال إصدار المواقف وتنظيم المظاهرات والاعتصامات ورفع دعوة قضائية لمحكمة العدل العليا.

ولقد تواصل هذا الأمر من خلال تنظيم سلسلة من الأعمال المشتركة بمشاركة حركة المبادرة وحزب الشعب والجبهتين الشعبية والديمقراطية وشخصيات اجتماعية اقتصادية ثقافية لمناهضة المفاوضات المباشرة وفق الشروط الأميركية والإسرائيلية.

بالتأكيد، إن هذه الأعمال تركت تأثيراً أكثر فاعلية من السابق، وتردد صداها في قمة واشنطن والاجتماع الأول للمفاوضات الثنائية المباشرة.

لقد نقلت وسائل الإعلام إن هيلاري كلينتون قد أخبرت بنيامين نتنياهو بأن وضع أبي مازن السياسي صعب وقابل للانهيار مثل وضعه؛ وذلك جراء المعارضة الفلسطينية الداخلية لقراره بالمشاركة في المفاوضات.

قبل عدة أشهر لم نكن نعرف ما يجري داخل اللجنة التنفيذية، وهل هناك معارضة أم لا؟ أما الآن فقد تحققت خطوة صغيرة في الاتجاه الصحيح.

إن الحفاظ على التحرك المشترك ولو بموقف سياسي أدنى قليلاً أفضل من الانفراد، وخصوصاً أن التحرك عبر عن نفسه بتشكيل لجنة متابعة، استطاعت أن تنظم مؤتمرات صحافية ومؤتمرا وطنيا (تعرض للقمع) واعتصامين شعبيين ومظاهرة، يتطلب بلورة برنامج مشترك وتوفر الإرادة اللازمة لإنجاح هذه التجربة عن طريق تغليب المصلحة العامة على المصالح الفئوية، والابتعاد عن اتخاذ خطوات منفردة، سواء باتجاه الانسحاب من اللجنة التنفيذية، أو بالعودة إلى الالتحاق الذيلي بالمؤسسة، أو الاكتفاء بتسجيل المواقف للتاريخ والتغطية على ما يجري من شلل في المؤسسة وعلى التنازلات في البرنامج الوطني، كما يظهر من خلال الاستمرار بالاعتراف بإسرائيل رغم عدم اعترافها بالحقوق الفلسطينية وتنكرها للاتفاقات، و اعتماد موقف التوصل إلى حل متفق عليه من قضية اللاجئيين، والموافقة على حلها بدون حق العودة إلى فلسطين 1948، والموافقة على مبدأ تبادل الأراضي وضم الكتل الاستيطانية لإسرائيل، وتقسيم القدس الشرقية إلى أحياء عربية ويهودية، ووقف المقاومة ونبذها وإدانتها قبل تحقيق أهدافها، و تشجيع التطبيع الفلسطيني والعربي مع إسرائيل قبل إنهاء الاحتلال، والتنسيق الأمني وتطبيق الالتزامات الفلسطينية من جانب واحد، و بدون التزام إسرائيل بالالتزامات الإسرائيلية، والدخول في متاهة المفاوضات إلى الأبد في امتحان لا ينتهي لإثبات الجدارة، والتركيز على بناء المؤسسات وإهمال الكفاح ضمن إستراتيجية قادرة على إنهاء الاحتلال، و العمل على إنجاز مهمات ما بعد الصراع بينما لا يزال الصراع في ذروته.

إن "م.ت.ف" هي الكيان الوطني الجامع والممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني، وهي حولت الشعب الفلسطيني من شعب من اللاجئين إلى شعب مناضل متحد من أجل الحرية والعودة والاستقلال، ولكن هذه المنظمة لم تعد فعلاً تمثل جميع الشعب الفلسطيني بعد "أوسلو" وبعد الخلافات والانقسامات التي ظهرت بسببه، وبعد صعود "حماس" وحصولها على الأغلبية في انتخابات المجلس التشريعي، وإهمال الخارج كليا لصالح الداخل، مثلما كان يحدث بالعكس بينما كانت قيادة المنظمة بالخارج، و لم تعد ممثلا بعد تهميش دور المنظمة وعدم تفعليها وإصلاحها؛ الأمر الذي يطرح ضرورة إعادة تشكيل المنظمة بحيث تضم الجميع على أساس انتخابات للمجلس الوطني وبلورة ميثاق وطني وبرنامج وطني قادر على جمع الشعب الفلسطيني داخل الوطن والشتات.

إن الحل الوطني ليس على الأبواب، وإنجاز الحقوق بحاجة إلى إعادة المنظمة إلى دورها السابق وتفعيله حتى تستطيع تحقيق الأهداف الوطنية.

إن التركيز على العمل داخل مؤسسات المنظمة أو الانسحاب منها بدون رؤية وخطة تضمن الفاعلية بالحالتين لا يجديان، بل يؤديان إلى تهميش من يمارسه، والاستفراد به.

إن المنظمة مطلوبة إقليميا ودولياً وإسرائيليا لمهمة أخيرة وهي التوقيع على الاتفاق النهائي باسم الشعب الفلسطيني كله، بينما المطلوب فلسطينيا في ظل استحالة إقامة منظمة بديلة عنها تفعيلها وإصلاحها وإعادة تشكيلها حتى تكون قادرة على قيادة الشعب الفلسطيني لانجاز الحرية والعودة والاستقلال.

إن المطلوب بلورة إستراتيجية جديدة قادرة على استنهاض وتوحيد الشعب وقواه الحية، وإيجاد حالة سياسية جماهيرية ضاغطة تبرهن على وجود طريق ثالث بعيدا عن الانقسام والتطرف والمغامرة والمهادنة والمساومة، ومن اجل إيجاد هذه الحالة وتطويرها يجب الحرص على إقامة أوسع ائتلاف وطني من كل العناصر والقوى والمناهضة للمفاوضات المباشرة وفقا للشروط الإسرائيلية والساعية لإعادة الاعتبار للبرنامج الوطني وإنهاء الانقسام واستعادة الوحدة على أساس شراكة حقيقية ديمقراطية!!! .