أين أميركا مِن الاتفاق في مكة؟!!!/ علي جرادات

حظي اتفاق مكة بردود فعلٍ كثيرة ومتباينة، كان أهمها وأبرزها ردّ فعل جماهير شعبنا، الـملهوفة بصدق الانتماء على حقن دمها، والـمدفوعة بعفوية الإحساس إلى وقف اقتتال داخلي مدمِّر، والواعية ببداهة حقائق الواقع لأولوية مخاطر الاحتلال، ومركزية التصدي لجرائم اعتداءاته.

نعم، إن ردَّ فعل الجماهير الفلسطينية على اتفاق مكة، هو الأهم، فاندفاعها العفوي إلى الشارع، خاصة في غزة هاشم، يعكس عظمة تجربة هذه الجماهير، وينطوي على ما يعتمل داخلها مِن هموم وطنية، لخَّص جوهرها التزامن (الصدفي وغير الصدفي) بين إعلان اتفاق مكة ووقوع الجريمة الدموية في ساحات الأقصى؛ كما ينطوي (رد فعل الجماهير الفلسطينية) على أكيد وحقيقية وصدق تطلع شعبنا إلى ضرورة تعزيز وتمتين وحدته الـموضوعية الـمُستهدفة بوحدة سياسية ديمقراطية راسخة بين مختلف ألوان طيف قواه الفكرية ــ السياسية، لخَّص تشابك زنود مَن احتربوا بالأمس في مسيرات مشتركة، مدى حرصِ شعبنا على صون قيمِ تجربته التعددية الديمقراطية، أما أهم دلالات رد فعل الجماهير الفلسطينية على اتفاق مكة، فيتمثل في ما عكسه مِن أملٍ بنجاح مَن أبْرَمَه على وضع آليات عملية لتطبيقه، وأملٍ بنجاح الكل الوطني في التصدي للضغوط والعراقيل التي تعترض سبيل تنفيذه.

ولا نجافي الحقيقة، إن قلنا إن ترابط النجاحين معاً يشكل معياراً لحُكْمِ شعبنا على قواه السياسية وقدرتها منفردة ومجتمعة على تلبية تطلعاته وطموحاته، وعلى مدى شفافية تحسسها واستجابتها لهمومه وأوجاعه الحقيقية، ويمثل بالتالي القول الفصل في الحكم النهائي على الاتفاق ومَن أبرمه، وسيكون معياراً للحكم على مدى مراعاة قيادات الفصائل الفلسطينية عموما، للـمزاج الجماهيري العام ومصلحته في رسم برامجها وسياساتها، وما تنفذه على أرض الواقع مِن ممارسات سياسية.

وباختصار، فإن هناك أملا جماهيريا في تجنيب هذا الاتفاق مصير ما سبقه مِن اتفاقات ثنائية بين "فتح" و"حماس"، جرى التوقيع عليها والإعلان عنها، وأوصلتها شياطين تفاصيل آليات التطبيق العملي إلى "طريق مسدود".

إن توصيفنا لردِّ فعل الجماهير الفلسطينية كأهم وأبرز ردود الفعل على اتفاق مكة، لا يعكس تقليلا مِن شأن سواه مِن ردود فعلٍ ومواقف، بل لتأكيد أن ردَّ فعل الجماهير الفلسطينية، وما ينطوي عليه مِن دلالات، يجب أن يكون البوصلة التي نحدِّد مِن خلالها الحكم على ما صدر حول هذا الاتفاق مِن مواقف، وخاصة الخارجية منها، فلا أوعى ولا أصدق مِن أبناء شعبنا في معرفة وتشخيص مصالحهم وهمومهم، كيف لا؟!!! وهم مَن ذاقوا على مدار ستة أشهر مرارة تصدع الجبهة الداخلية، ومرارة مجرد "نتفة" مِن اقتتال داخلي، مِن شأن توسيعه أن يدمر حاضر الشعب والوطن ومستقبليهما لعقود قادمة، وهذا ليس مبالغة لرص الصف الوطني في مرحلة مصيرية وحاسمة، وتصبغها وحشية السياسة الأميركية الـمعادية لشعبنا بالتمام والكمال، بل يوحي بضرورة التبصر الواعي في ما أكدته تجارب شعوب سقطت قياداتها في أتون حفرٍ جهنمية من الحروب الأهلية بكل صنوفها، ظلَّ شعبنا في منأى عنها، وحاصر بفعل صدق حسه، ونضج حركته السياسية الوطنية، كل ما نشأ مِن بوادر نافرة للسقوط فيها.

الآن، وبعد تأكيد أن ردة فعل جماهير شعبنا هي أوعى وأصدق ما صدر مِن ردود فعل على اتفاق مكة، وبعد تأكيد أنها، وليس غيرها، ما يجب أن تكون بوصلة مسار التنفيذ العملي لهذا الاتفاق، وبعد تأكيد أن الاستجابة لهذا الـموقف الجماهيري الصادق الـمُؤثِّر، هو معيار الحكم النهائي على اتفاق مكة ومَن أبرمه؛ نقول بعد تأكيد كل ما تقدم، جدير التنبيه إلى ما يحيق بتطبيق هذا الاتفاق مِن مخاطر وضغوط حقيقية، يقع في مقدمتها ما صدر عن واشنطن مِن موقف لا تلغي بداهة وعي توقعه ضرورة وعي عدم التقليل مِن شأنه، فهو بقدر ما يعكس ثبات عداء السياسة الأميركية للقضية الوطنية الفلسطينية عموماً، فإنه يشير إلى طبيعة راهن استراتيجية هذه السياسة في منطقتنا أيضا، وعلى الجميع أن لا ينسى أن إشعال نار الفتن الـمذهبية والطائفية والقومية والسياسية، هو عماد وجوهر ما تخطط له السياسة الأميركية الإسرائيلية هذه الأيام، وذلك ليس بفعلِ تبنيها لسياسة "فرِّق تسد" الـمعروفة لرجل الشارع العادي فقط، بل أيضا بفعل أن تجاوز السياسة الأميركية الإسرائيلية لـمصاعبها في الـمنطقة هذه الأيام، يفرض على صناع قرارها اللجوء إلى إشعال نيران فتن داخلية لا تبقي ولا تذر، وهذا على كل حال ما تم البوح به "جهارا نهارا" في استراتيجية بوش حين أعلن أن فشل السياسة الأميركية في العراق يترتب عليه تهديد لاستقرار العديد مِن أنظمة الحكم الـمجاورة. والسؤال هل يعني مِثل هذا التهديد سوى الدعوة العلنية الصريحة والـمكشوفة إلى تأجيج نار التناقضات الداخلية، وإشعال فتيلها على غير صعيد وصعيد، وذلك مِن خلال تظهير تلازم مصالح هذه الأنظمة بالـمصالح الأميركية، وعبر الـمزيد مِن النفخ في دعاية كاذبة مفادها: أن الخطر الـمركزي على شعوب الـمنطقة وحاضرها ومستقبلها لا يأتي مِن بوابات واشنطن وتل أبيب ورياحها النافخة للحروب بكل أشكالها، بل يأتي مِن أطراف ودول وشعوب تسعى بمشروعية للفكاك مِن جور سيطرة نظام القطب الأميركي الواحد، وتسلطه على شعوب الـمنطقة، وفي مقدمتها، شعبنا ومقاومته الدفاعية الـمشروعة ضد الاحتلال، ومسعاه الطبيعي لنيل عودته وحريته واستقلاله وسيادته، الحقوق التي نصت عليها قرارات الشرعية الدولية، ونادت مؤسساتها ولا تزال بتطبيقها، بينما رفضت السياسة الأميركية ولا تزال الضغط على ربيبتها إسرائيل مِن أجل الالتزام بتنفيذ هذه القرارات، بل وحمتها وغطتها مِن إدانة قرارات دولية، وما أكثرها.

إن مخاطر موقف واشنطن وتل أبيب على اتفاق مكة، والداعي إلى ضرورة التطبيق الحرفي للاشتراطات الدولية، وهي الأميركية الإسرائيلية في الجوهر والواقع، لا يجب، ولا يجوز اختزالها (الـمخاطر) في طبيعة الـموقف الأميركي الإسرائيلي مِن الاتفاق فقط، بل يجب أيضا التبصر في ما يمكن أن يلعبه الـموقف الأميركي الإسرائيلي مِن تأثير على مواقف العديد مِن الدول الإقليمية والدولية النافذة، التي حريُّ وعي أن تمييز مواقفها عن السياسة الأميركية حتى الآن، لـم يبلغ درجة النقد مِن موقع العداء أو الخصومة، أي لـم يبلغ مستوى الرفض الـمجابه، بل ما زال يأتي، وفي أحسن حالاته مِن موقع نقد الأساليب والنصيحة باستبدالها، ثمَّ العودة "للحس" هذه الـمواقف لصالح مواصلة مواقف التذيل مِن حيث الجوهر والنتيجة.

بلى، إنه لعلى قدرٍ كبير مِن الأهمية، التنبيه إلى ضرورة الوعي العميق للـمخاطر الـمركبة لـموقف السياسة الأميركية الإسرائيلية على اتفاق مكة، ومساره العملي وحجم توقعات دوره في فك الحصار الاقتصادي عن شعبنا، والعزلة السياسية عن قضيته الوطنية، وذلك مِن أجل إنارة طريق ما يعترض سبيل هذا الاتفاق مِن مصاعب حقيقية، ولكي لا نقع، ويقع معنا شعبنا فريسة توقعات في غير مكانها، أو قبل أوانها، ولرؤية أن هذا الاتفاق ليس أكثر مِن إعادة ما كان يجب أن يكون مِن توحيد للقبضات الفلسطينية لإدارة اشتباك مفروض ومفتوح مع السياسة الأميركية الإسرائيلية، ومع طبعتها الـملـموسة منذ زلزال 11 سبتمبر 2001 تحديداً، وما تلاه مِن عاصفة هزت الـمنطقة بمجموعة مِن الحروب، لا تزال دائرة، وما نتج عن كل ذلك مِن تأثيرات سلبية ثقيلة على قضية شعبنا الوطنية وانتفاضته الباسلة، حين تم وصم مقاومة شعبنا الدفاعية زورا بـ"الإرهاب"، ومساواتها به مِن دون أدنى وجه حق.

نعم هناك خطر أميركي إسرائيلي مركب وفاعل ومؤثر على اتفاق مكة، على كلِّ منا أن يتنبه له، ويضع الكتف بالكتف للاشتباك السياسي والـميداني معه.


"الأيام"

ملف خاص | انتخابات الكنيست 2019