إسرائيل على صفيح إيراني ساخن/ محمد خالد الأزعر

قبل بضعة أسابيع، تعهد الرئيس الأميركي بوش الابن بالدفاع عن إسرائيل في حال تعرضها لهجوم إيراني حتى ان اقتضى ذلك استخدام الوسائل العسكرية. وقد علل كثيرون هذا الإعلان في حينه بأنه يمثل مداخلة أميركية صريحة وبموقف صارم على خط التراشق السياسي والإعلامي الدعائي والنفسي المتبادل بين طهران وتل أبيب.

ومما قيل بالخصوص إن واشنطن تريد بهذا التصريح إبلاغ رسالة إلى حكام طهران بأن إسرائيل وإن كانت دولة صغيرة تقع في مرمى النيران الإيرانية، كما يتردد على لسان الرئيس الإيراني أحمدي نجاد، إلا أن لها حلفاء أقوياء في هذا العالم لن يقصروا في إسنادها بكل إمكاناتهم وقت اللزوم.

غير أن هذا التفسير على أهميته لا يقدم جديداً فارقاً. فكل من له صلة بقضايا الحرب والسلام في المنطقة العربية أو «الشرق الأوسط»، على يقين بالحبل الأمني المتين الواصل بين إسرائيل وبين عالم الغرب بعامة. وعليه، فإن ملالي طهران واستراتيجييها ليسوا بحاجة لمن يذكرهم بأن الولايات المتحدة لن تقف مكتوفة إذا ما تحول القصف البارد بينهم وبين تل أبيب إلى تبادل للضربات الصاروخية!

من التفسيرات الرديفة التي يمكن الاجتهاد بها في هذا المقام، أن واشنطن تعمدت الدخول أساساً على خطوط الجدل الإسرائيلي الداخلي الفوار بشأن خيارات التصرف في مواجهة ما يُفترض أنه خطر إيراني رابض، يتربص بإزاحة إسرائيل عن مكانة القوة الإقليمية الأولى في رحاب الشرق الأوسط الكبير، وبيان ذلك أن واشنطن لاحظت بعناية مدى الانشغال الإسرائيلي بتطور القوة النوعية الإيرانية، لاسيما في المجال النووي، المعطوفة على منظورات إيديولوجية معادية جذرياً للصهيونية وكيانها السياسي. وهي خشيت من تغلب رؤية الفريق الداعي للتعجيل إسرائيلياً بتوجيه ضربة استباقية تجهض هذا التطور الإيراني، بغض النظر عن الحسابات الأميركية التي قد تتعارض مع هذا التصرف أحادي الجانب.

ونحسب أن هذه الخشية نجمت عن مصدرين: أولهما، نظري فقهي يستفاد من خبرة الكيانات الاستيطانية في تعاملها مع أمنها الذاتي، التي تؤكد أن هذه الكيانات تنحو، بعد يفوعها ورسوخها النسبي، إلى أخذ أمنها بيدها وعدم الاعتماد بالكامل على القوى الأم الموجدة والراعية لها.

وثانيهما، عملي تطبيقي، فهمه الأميركيون من الإشارات الإسرائيلية المتوالية والمتراكمة حول حتمية التهيؤ والجهوزية لغزو البرنامج النووي الإيراني في لحظةٍ ما، صيانةً لوجود الدولة اليهودية من خطر الفناء أو حتى من تحدي البقاء وجلةً مستضعفة، تحت طائلة الرادع الإيراني المتوعد بالجوار الإقليمي المعادي غير البعيد.

لقد أخذت الإدارة الأميركية هذه الإشارات على محمل الجد، لاسيما وأن الداعين إلى الضربة الإسرائيلية الإجهاضية راحوا يشككون في النيات الأميركية ويصفون موقف بوش بالميوعة وعدم الحزم تجاه الخطر الإيراني الوشيك. والواقع أن بعض أهل الحل والعقد فكرياً وسياسياً في إسرائيل يستريبون في المدى الذي يمكن أن تصل إليه السياسة الأميركية الإيرانية، بالنظر إلى اهتمامها الشديد بالعامل النفطي. ويردد هؤلاء بأن النفط هو الذي يمنع واشنطن من التصدي بالقوة اللازمة للمشروع النووي الإيراني، تماماً كما كان النفط عاملاً جوهرياً في غزو العراق.

ومنهم من يذهب إلى ان سلاح العقوبات الصارمة كان فعالاً مع الحالتين العراقية والليبية، وأنه لو شاءت الولايات المتحدة اثناء طهران عن مشروعها حقاً، لفعلت بالسلاح ذاته، فرجال الأعمال الإيرانيون يتجولون في أنحاء العالم بحثاً عن سلع ومستلزمات تفتقر إليها بلدهم، كما أن هذا البلد يحتاج إلى من يستورد نفطه ولن يتدمر العالم إذا ما حظر الإيرانيون النفط أو «شربوه» على حد تعبير يوسي بيلين (الحمامة بالمناسبة!) .

في هآرتس 3/2/2006 تقول أخذت الإدارة الأميركية علماً بهذه الأفكار وتيقنت أن الخطر الإيراني تحول إلى فوبيا إسرائيلية عامة، الأمر الذي ينذر بقرار إسرائيلي محسوب على مقاس هذه الفوبيا فقط وبمعزل نسبي كبير عن المقاربة الأميركية للمسألة.

وهنا آثرت هذه الإدارة طمأنة الإسرائيليين إلى ان الولايات المتحدة، وهي تعالج هذه المسألة، معنية برعاية المصالح الإسرائيلية إلى أقصى الحدود وما عليهم سوى الاطمئنان للقوة الأميركية من أمامهم وخلفهم.

هذا الموقف يشي بانحياز إدارة بوش إلى المدرسة الإسرائيلية العاطفة على عدم الانغماس كلياً في المعمعة الأميركية الإيرانية، والاكتفاء بتحريض الولايات المتحدة وحلفائها وما تيسر من الفواعل الدوليين ضد طهران. ويتزعم هذه المدرسة رموز قيادية بارزة مثل شيمون بيريس وأرييل شارون قبل غيبوبته وخليفته إيهود أولمرت، فهؤلاء ومن اهتدى بنهجهم يميلون إلى سياسة «الجلوس في المقصورة» وترك مبارزة طهران للحلفاء الغربيين بعامة ، وذلك دون التخلي عن جمع المعلومات الاستخبارية والاجتهاد في تشبيه الخطر الإيراني راهناً بمقدمات الهلولوكست النازي سابقاً!

ولا يمانع أصحاب هذا التوجه في اللجوء لطرق التفافية تستنزف وتزعج طهران من الداخل، كدعم أكراد إيران وجماعة مجاهدي خلق وعرب خوزستان. ومع أن الغلبة ما زالت لمدرسة «المقصورة» والمتابعة عن كثب، إلا ان القوى الإسرائيلية عموماً تراقب الملف الإيراني، وهي على صفيح ساخن. فحتى أنصار تعليق المنازلة بذمة واشنطن، لا يبدون ثقة زائدة في المعالجة الأميركية ويخشون أن تضحي واشنطن بالمنظور الإسرائيلي للتحدي الإيراني مقابل مساومات تجرى مع طهران.

ولذا يجهر بعضهم بمطلب توثيق التعهد الأميركي بنصرة إسرائيل الوارد على لسان بوش في اتفاق مكتوب، يصدق عليه مجلس الشيوخ الأميركي ويكون ملزماً لأية إدارة أميركية تالية.

زبدة القول ان الإسرائيليين حائرون. فكل واحد من خياراتهم إزاء الهاجس الإيراني يبدو محفوفاً بالمخاطر. هم لا يستطيعون تجاهل مستجدات البيئة الاستراتيجية من حولهم، التي أحالت مبادراتهم بتدمير المفاعل العراقي أوزاريك إلى سابقة يصعب إن لم يستحل تكرارها.

وليس من السهل عليهم النوم ملء جفونهم مطمئنين إلى وعد الحماية الأميركية غير المشفوع بصيغةٍ تعاقدية تفصيلية. وفي الوقت ذاته، لا ينظر كثير منهم بارتياح للتلكؤ الأميركي في اجتراح حل عسكري أو عقابي سريع وموجع يزيل عن كواهلهم عبء تحدٍ يقض مضاجعهم، ويوشك على الإفلات من إمكانية الإجهاز عليه.

والمدهش أنه في غمرة هذا الارتباك والقلق، يتلصص على استحياء رأي إسرائيلي خارج عن النص. ينادي بعدم ممانعة إسرائيل لإخلاء «الشرق الأوسط» من الأسلحة الذرية، شريطة أن يقترن ذلك بعالمية التطبيق. وفي ذلك يذهب باروخ كيمرلينج أحد معتنقي هذا الرأي (هارتس 12/2/2006) إلى اتهام الدول النووية القديمة بالنفاق.

كونها تعمد إلى تجريد إيران وإسرائيل من السلاح النووي، فيما هي معرضة لأخطاء بشرية ولتنفيذ قرارات قادة بائسين، مثل جاك شيراك الذي يهدد باستخدام السلاح رداً على هجمات إرهابية، بينما الإرهابيون جماعات مبثوثة في مساحة واسعة من الدول، فكيف سيتأتى له هذا الرد؟!

واضح أن حيرة القطب الأميركي في التعامل مع الملف الإيراني تجد صداها وزيادة لدى الشريك الإسرائيلي الأقل شأناً.