الحكومة العراقية واقتراب لحظة الحقيقة../ وليد شرارة*

مع اشتداد المواجهة الأميركية ــ الايرانية وتزايد المؤشرات إلى احتمال قيام الولايات المتحدة بشنّ عدوان على ايران، تجد الفصائل الشيعية العراقية المحسوبة على هذا البلد والمسيطرة على مقاليد السلطة في بغداد نفسها في وضع بالغ الحراجة. لقد حاولت هذه الفصائل، في الفترة السابقة، ان تؤدي دور «الوسيط» بين البلدين وتقدم بعض قادتها بمبادرات تهدف الى إطلاق حوار اميركي ــ ايراني. وما زال هؤلاء يكررون المحاولة، إذ دعا عبد العزيز الحكيم الى مثل هذا الحوار خلال زيارته الأخيرة لطهران، وكذلك فعل عادل عبد المهدي، وهم يعتبرون ان وقوع مواجهة عسكرية بين الولايات المتحدة وايران سيكون بمثابة كارثة بالنسبة إلى البلدين والمنطقة والعالم.

لا شك في أنهم محقون في ذلك، لكن الكارثة الأكبر من وجهة نظرهم هي النتائج المباشرة لهذه المواجهة على الساحة العراقية حيث سيؤدي، على أغلب الظن، هذا الامتداد إلى اضطرار أكثرية الفرقاء السياسيين الى تحديد موقفهم منها واختيار موقعهم. لقد دقت ساعة الخيارات الصعبة، وخاصة بالنسبة إلى النخب والمجموعات التي دفعها عطشها للسلطة الى ضرب عرض الحائط بجميع الثوابت الدينية والوطنية، والمهددة اليوم بفقدان هذه السلطة والامتيازات المرتبطة بها.

لم تتردد هذه القوى في الانخراط في مشروع الاحتلال الاميركي الهادف بداية الى تحويل العراق الى فدرالية طوائف واثنيات أصبحت عصا غليظة بيده ضد الشعب العراقي ومقاومته، ووافقت حتى على خطته البديلة القاضية بتقسيم العراق الى دويلات وأدت دوراً أساسياً في إطارها، من خلال ارتكاب مجازر مذهبية مروعة، لتوفير الظروف المؤاتية لنجاحها. لكنها حرصت، من جهة أخرى، على الحفاظ على علاقات وثيقة مع طهران وعلى تقديم العديد من الخدمات لهذه الأخيرة وإظهار نفسها بمظهر الضامن للمصالح السياسية الاستراتيجية الايرانية في العراق.

لم يكن سراً ان الولايات المتحدة، عندما اختارت التعامل مع هذه القوى الشيعية تحديداً، كانت تراهن على إبعادها تدريجاً عن ايران من خلال ايصالها الى السلطة في العراق وتطوير شبكة مصالح مشتركة مهمة معها، وبشكل خاص مع قياداتها ونخبها، وتشجيعها على طرح نفسها، على المدى المتوسط، نموذجاً للتشيع السياسي بديلاً من الجمهورية الاسلامية. هذا ما أوصى به مثلاً رويل مارك غيريشت (Reuel Marc Gerecht) أحد مسؤولي مركز «أميريكان إنتربرايز إنستيتيوت» القريب من إدارة بوش وعدد كبير من «الخبراء» الآخرين. ومع مرور الوقت، بدأت التمايزات في البروز بين مواقف الجمهورية الاسلامية من السياسة الاميركية وتوجهاتها الجديدة في المنطقة وتلك الصادرة عن هذه القوى.

في هذا السياق، يستحق الموقف الصادر عن صدر الدين القبانجي، خطيب مسجد النجف الأشرف، والذي سارع مكتبه الى «تصحيحه» في اليوم التالي، وقفة تأمل. فالرجل من قادة المجلس الأعلى للثورة الاسلامية في العراق ومن المقربين من زعيمه عبد العزيز الحكيم.

لقد انتقد القبانجي في خطبة الجمعة، ما سماه «التدخل الايراني في العراق» وطالب بعدم تحويل العراق الى «ساحة للصراع بين طهران وواشنطن»، وهو ما يذكّر بخطاب قوى الرابع عشر من شباط في لبنان عند تأكيدهم رفض تحويل لبنان الى «ساحة» للصراع بين المحور السوري ــ الايراني والولايات المتحدة. وأشار القبانجي الى اختلاف الأولويات العراقية والايرانية، «فكما لديهما أولويات، نحن أيضاً لدينا أولوياتنا، وهي استقرار العراق الجديد ودحر الإرهاب وإنجاح العملية السياسية. إن العراقيين غير راغبين في تدخل كل الأطراف»، هذا الكلام هو الأول من نوعه وهو صادر، كما أشرنا سالفاً، عن أحد المسؤولين البارزين في المجلس الأعلى، ما يدل على ان عملية الاصطفاف الداخلي في العراق الناجمة من احتدام الصراع الاميركي ــ الايراني قد بدأت، وأنها قد تتسبب بالكثير من حالات الفرز والاستقطاب داخل الوضع الشيعي وحتى داخل التنظيم الواحد. فقسم كبير من قواعد التنظيمات الشيعية المذكورة سابقاً وكوادرها يعتبر العلاقة مع طهران عقائدية واستراتيجية بعكس تلك القائمة مع الولايات المتحدة التي ينظر لها على أنها تكتيكية وطارئة.

لقد نجحت قيادات هذه التنظيمات في خداع جمهورها وحلفائها عندما صوّرت تحالفها مع المشروع الاميركي في العراق على انه مجرد تقاطع ظرفي بين المصالح يتيح لها ان تكون طرفاً في عملية «إعادة بناء النظام السياسي» من موقع الشريك وليس من موقع التابع. وهي خدعت حلفاءها أيضاً عندما راحت تروّج فرضية مفادها ان نجاح «تجربة» العراق خطوة أولى نحو صفقة شاملة شيعية ــ أميركية على المستوى الإقليمي تؤدي الى تغيير الولايات المتحدة لتحالفاتها التقليدية واستبدال الأنظمة «المعتدلة» في مصر وتركيا والسعودية والأردن بالعراق وإيران وغيرهم، وكلما ازدادت حدة المواجهة المتصاعدة، اقتربت لحظة الحقيقة بالنسبة إلى هذه النخب التي ستضطر الى خلع أقنعتها والوقوف خلف راعيها الأميركي حفاظاً على مصالحها وامتيازاتها الجديدة.

لقد بات واضحاً اليوم ان جل ما كانت تطمح إليه هو تحويل العراق الى إمارة نفطية جديدة تحتكر فيه السلطة والثروة مع أبنائها وحاشيتها على غرار ما هي الحال في بعض الدول المجاورة. لكن مقاومة الشعب العراقي الباسلة من جهة، وإصرار ايران على حقها في امتلاك التكنولوجيا النووية في مواجهة الغطرسة الاميركية مع ما نتج منها من توتر إقليمي، جميعها عوامل قوّضت أسس مشروعها.


"الأخبار"

ملف خاص | انتخابات الكنيست 2019