الفلسطينيون في دوامة العنف الداخلي / ماجد كيالي

عزّزت الخلافات، بل والاحترابات، الداخلية الفلسطينية، من حال اليأس والإحباط وخيبة الأمل، بين الفلسطينيين، وخصوصاً في الأراضي المحتلة، وفاقمت الفوضى في ساحتهم. وبحسب تقرير أصدرته مؤخراً "الهيئة المستقلة لحقوق المواطن" (رام الله)، فقد قتل 176 شخصاً فلسطينياً، برصاص فلسطيني، وحصل 36 حادثة اختطاف واعتداءات على الملكيات العامة والخاصة، في الأراضي المحتلة، خلال العام الماضي.

وفي الواقع فإن الخلافات الفلسطينية، التي بلغت وللأسف حدّ الاحتكام للسلاح، فائضةً عن الحاجة، و"ترفاً"، أو بالأحرى، انحرافاً، كان الفلسطينيون في غنى بالكامل عنه، إذ يكفي هؤلاء ما يحيق بهم، من بلاوي التشرّد والاحتلال والحرمان والحصار، وأعمال القمع والبطش، التي تنتهجها إسرائيل ضدهم، هذا بالإضافة إلى تعثّر وانهيار مشاريعهم، سواء المتعلقة بالانتفاضة والمقاومة، أو بالمفاوضة والتسوية، برغم كل التضحيات والمعاناة التي يبذلونها منذ نصف قرن.

والمؤسف في التقاتل الحاصل أنه جاء من قبل جماعات تنتمي إلى أكبر حركتين فلسطينيتين، أعني فتح وحماس، وأنه نشب عقب نجاح الساحة الفلسطينية في تمرير الاستحقاق الانتخابي، وما نجم عنه من تداول للسلطة، بين هاتين الحركتين، لكأن الفلسطينيين يقوضون بأيديهم أي إنجاز يحققونه بدمهم وعرقهم وعمرهم! والمؤسف أكثر أن التصارع بين هاتين الحركتين إنما يتم على سلطة مازالت تستمد سلطتها من الاحتلال، ذاته، الذي مازال يسيطر على حياة الفلسطينيين وأراضيهم ومصيرهم!

باختصار فإن الساحة الفلسطينية لم تكن بحاجة البتّة إلى هذه الموجة من التقاتل الداخلي، بين الجماعات المسلحة، لأن هذا التقاتل يؤدي إلى موت السياسة، وأفول مشروع التحرر الوطني ذاته، لصالح التناحر بين جماعات أو عصابات لا تمتّ بصلة لهذا المشروع.

وبديهي أن الأنكى من هذا التقاتل هو أنه ثمة قابلية مضمرة له في الثقافة السياسية السائدة، وفي طبيعة علاقات القوى الفلسطينية، التي تطغى عليها الصبغة الميليشياوية المسلحة، وتقديس ثقافة العنف، وضعف الوعي بالتعددية والتنوع في مشروع التحرر الوطني.

ويمكن هنا الاستنتاج بداهة بأن سياسات إسرائيل وممارساتها القمعية والقهرية مسؤولة عن تكريس انتهاج الفلسطينيين للعنف، كما لا يمكن استبعاد نوع من عمل استخباراتي إسرائيلي، في تأجيج حال الاحتقان والاقتتال بين الفلسطينيين، لكن مع ذلك ينبغي الاعتراف، أيضا، بأنه ثمة مصادر أخرى لهذا العنف، تنبع من المجتمع الفلسطيني ذاته، من نمط بناه وعصبياته التقليدية/القبلية (العائلية والعشائرية والمناطقية)، وعلاقاته الداخلية/الأبوية، وخلفياته الفكرية والتربوية.

وتبيّن التجربة بأن المجتمعات التي تخوض الكفاح العنيف ضد الاحتلال، لاسيما في بلدان العالم الثالث، تصاب بتشوهات سيكولوجية وأخلاقية، أو بمعنى آخر تصاب بلوثة العنف حتى في إدارة أوضاعها وعلاقاتها الداخلية، بقدر العنف الذي يواجهها به الاحتلال أو الذي تواجه هي الاحتلال به؛ بحكم ضعف اندماجها الاجتماعي وتطورها المؤسّسي.

وثمة أمثلة تبين أن الجماعات المسلحة التي وصلت إلى السلطة بالعنف، قامت (فيما بعد) بتوجيه شحنة العنف التي تتملّكها نحو الداخل، لحل خلافاتها الداخلية ولإحكام سيطرتها على المجتمع. وقد شهدنا كيف أن تجربة العنف الجزائري ضد الاحتلال انعكست أيضا على سيكولوجية الجزائريين، وأدّت إلى استشراء العنف لديهم، في حل خلافاتهم الداخلية.

الآن يبدو أن الفلسطينيين يتعرضون، بشكل أو بأخر لنفس الأعراض المرضية العنفيّة، إذ بات العنف الموجّه ضد الاحتلال ينعكس سلبا (بشكل أو بآخر) على الفلسطينيين ذاتهم؛ خصوصا أن عنفهم هذا بات، على الأغلب، وكأنه غاية في ذاته، غير مقنّن ولا مسيس، وغير مسيطر عليه بطريقة صحيحة، وهذا يتبع لتدني مستوى تطور المجتمع الفلسطيني وضعف علاقات الديمقراطية والمشاركة في حركته السياسية. والواقع فإن تفشي روح العسكرة في بنية الحركة الفلسطينية، وتغييب مؤسسات الإجماع الوطني يساهم في تغليب لغة القوة والعنف كوسيلة لحل الخلافات الداخلية، ولإحكام السيطرة، لفرض أغراض أو أهواء سلطوية أو فصائلية بمعزل عن ملاءمة ذلك لحاجات ومصالح الشعب الفلسطيني.

جدير بنا التذكير هنا بأن مشهد العنف الداخلي، الذي برز في الساحة الفلسطينية مؤخّرا، لحل الخلافات البينية ليس جديدا، فهو غير معزول عن التجربة السياسية الفلسطينية السابقة، إبان الكفاح ضد الانتداب البريطاني لفلسطين. ففي تلك المرحلة انقسم الفلسطينيون بين تيارين: المجالسية، بزعامة الحاج أمين الحسيني رئيس المجلس الإسلامي الأعلى (وهو مفتي فلسطين) والمعارضة بزعامة راغب النشاشيبي (رئيس بلدية القدس).

وقد اتّسم الصراع بين هذين الطرفين، الذين استقطبا الوطنية الفلسطينية، بالتوتّر والعنف وبتخوين كل طرف للآخر. وعندما اندلعت الثورة الفلسطينية الكبرى (1936-1939) قامت فصائل المقاومة المسلحة باغتيال عديد من الشخصيات المحسوبة على المعارضة، بدعوى بيوع الأراضي وغير ذلك، في حين شكلت المعارضة ما سمي «فصائل السلام»، التي أخذت على عاتقها مهمة ضرب فصائل المقاومين وتصفية قياداتهم بالتعاون مع الجيش البريطاني.

والواقع فإن هذه القوى لم تتوجه نحو الوحدة إلا بنتيجة ضغوط خارجية، فقط، ولكن ذلك لم يمنعها من الاستمرار في التنابذ رغم تعاظم خطر ضياع الوطن الفلسطيني لصالح المشروع الصهيوني!

أيضا التجربة الفلسطينية المعاصرة لم تسلم من هذه الأعراض المرضية، فلطالما شهدت الساحة الفلسطينية نوعا من الاقتتال الداخلي والاحتكام للسلاح بين رفاق الخندق الواحد، إن داخل كل فصيل على حدة أو بين هذا الفصيل وغيره؛ حدث ذلك في الأردن مثلا لدى انقسام الجبهة الشعبية وخروج الجبهة الديمقراطية (1968) كما حدث ذلك في لبنان مرارا بين العديد من الفصائل. وكانت أبرز محطات الاقتتال والاحتكام للسلاح، حصلت في العام 1983، في مرحلة انشقاق مجموعة من فتح (عرفت باسم فتح الانتفاضة) التي شنّت نوعا من الحرب ضد حركة فتح الأم في بيروت والبقاع وطرابلس، في محاولة منها لإجراء حسم انقلابي/عسكرتاري في الحركة لصالحها؛ وهو ما لم توفّق به، لأسباب داخلية وخارجية. وقد استعيد مظهر الاقتتال الفلسطيني في لبنان في ما سمي حرب المخيمات (في النصف الثاني من الثمانينيات).

ومؤخّرا شهدت بعض مخيمات لبنان بعض مظاهر الاقتتال العنيف بين المجموعات الفلسطينية المسلحة. كذلك فإن الانتفاضة الفلسطينية الأولى شهدت نوعا من القتل غير الشرعي، الذي لجأت إليه بعض مجموعات المقاومة المسلحة بحق بعض المتعاونين مع إسرائيل، إذ تبين فيما بعد أن العديد من التصفيات تمت عن غير تحقيق، وعن غير وجه حق. وعند قيامها، بنتيجة اتفاقات أوسلو (1993) حاولت السلطة حسم الأمور لصالحها، في مواجهة الفصائل المعارضة، فلجأت إلى المبالغة بتعزيز دور الأجهزة الأمنية، على حساب البني الأخرى، كما لجأت إلى استخدام لغة الزجر والتهميش والقمع مع المعارضة، بدلا من استخدام لغة الحوار والمشاركة والاحتكام للشعب ومؤسساته.

وكما قدمنا فإن واقع غلبة البنية العسكرتارية على الفصائل، على حساب البنية التنظيمية، ونوع الثقافة السياسية السائدة، وحرمان المجتمع من المشاركة السياسية، أسهم في تغذية العنف كشكل لحل الخلافات الداخلية. فالسلطة والمعارضة (سيان) تفرضان نوعا من وصاية على المجتمع، وتمتلكان سلطة لا تستمد شرعيتها تماما من الشعب ذاته، ولا من المؤسسات التمثيلية المنبثقة عنه.

عموما ينبغي عدم المبالغة باعتبار الاقتتال الجانبي نوعا من الحرب الأهلية. فالاقتتال يبقى منحصراً بين مجموعات مسلحة، ويتبع غايات سلطوية ضيقة، ولو تغلفت بشعارات براقة، في حين تجري الحرب الأهلية بين كتل مجتمعية، لدى كل منها القيم والأهداف المتمايزة، وهذا غير موجود في الحالة الفلسطينية، التي يبدو فيها الشعب متوحدا إزاء أهدافه الوطنية، رغم نزاعات فصائله!

وبرغم هذه الحقيقة فإن الاقتتال الداخلي مدمر للحركة الوطنية الفلسطينية، فهو يعوق تطورها ويستنزف إمكاناتها وربما يبدد إنجازاتها، وفوق ذلك فهو جريمة تعبر عن استهتار الطبقة السياسية بمعاناة وتضحيات الفلسطينيين؛ الذين قد يجدون أنفسهم يوما بعد يوم أكثر بعدا عن حركتهم الوطنية؛ وهذا ما ينبغي الانتباه إليه جيدا، وتداركه قبل فوات الأوان.