القدس أولا ... حتى يكون شعارا قابلا للتطبيق.. / يونس العموري*

كثيرة هي التوصيات والآراء التي قُدمت من قبل قيادات سياسية ورجال دين إسلامي ومسيحي وخبراء ومختصين بالشؤون البحثية والفكرية، وذلك خلال فعاليات اليوم الدراسي الذي نظمه مكتب الشؤون الفكرية والدرسات التابع لحركة فتح والذي جاء تحت عنوان (القدس أولا)... ومن المفارقات الصارخة والتي تستحق التوقف عندها برأيي هو أن الكثير من المتحدثين والمتدخلين كانوا (وأعتقد أنهم ما زالوا) ضمن دائرة صُناع القرار الفلسطيني، إذا ما جاز التعبير، وفي مداخلاتهم ظهروا وكأنهم يقدمون توصياتهم للآخر، ولا أعلم من هو الآخر، وهم من يقرورن شكل السياسة الفلسطينية على الأقل الرسمية في إطار السلطة الوطنية الفلسطينية أو منظمة التحرير الفلسطينية...

بل إن الأدهى من ذلك الظهور وكأننا قد صحونا واكتشفنا فجأة أن القدس تتعرض الى ما تتعرض له اليوم.. بل إن عنوان الندوة ذاته يشير الى ما يمكننا أن نسميه محاولة لتصحيح الخطأ التاريخي الذي لحق بالقدس حينما تراجعت القدس وما زالت تتراجع لتصبح القدس آخرا... القدس بعد اريحا... وبعد غزه... وبعد رام الله... بل إنها قد تأتي في المراحل المتأخرة بكل شأن من شؤون الفعل العام الفلسطيني وهذا ما تفسره الكثير من الوقائع المقدسية على الأرض، حيث تراجع الميزانيات المطلوبة للقدس وتراجع دور المؤسسات وهجرتها من القدس، بل إنها قد تراجعت في أجندة الفعل الوطني لسنوات طويلة ما بعد إغلاق الكثير من مؤسساتها سواء أكانت بأوامر احتلالية أو تلك الطوعية جراء الممارسات الفلسطينية بحقها، واقصد هنا بالفلسطينية الرسمية حيث تراجع الإهتمام بكل ما هو مطلوب لتعزيز صمود القدس ومواطنيها ومؤسساتها وبشرها وحجرها وهذا ما ما يتلسمه أبناء القدس وما اجمعت عليه ايضا أوراق العمل باليوم الدراسي المُشار إليه...

إن شعار (القدس أولا...) المطروح اليوم ليحمل في طياته الكثير من الدلالات... وبرأيي حتى تكون بالفعل القدس أولا لا بد أولا من أن يتراجع الشعار السابق من حيز الوجود أو على الأقل من دائرة صناعة القرار الوطني الفلسطيني، بمعنى حتى تكون القدس أولا فمن المطلوب فهم وقائع القدس وحيثيات الفعل الإسرائيلي فيها، وهذا ما هو معلوم ومعروف بل إنه ملموس... والمتتبع للمنهج الإسرائيلي في القدس يلاحظ أن إسرائيل تعمل على أساس فرض الأمر الواقع الإسرائيلي على القدس وعلى كافة المستويات والصُعد وتسعى لأن تروج بضاعتها على الساحة الإقليمية والدولية وبالتالي دفع الكل الإقليمي والدولي لتقبل الإستحداثات الجديدة في القدس وهو ما نراه يتراكم في ميزان الإنجازات الإسرائيلية حيث التسليم بالأمر الواقع من قبل المجتمع الدولي لما تحدثه اسرائيل في القدس بل والتعاطي مع الحقائق والمستجدات الجديدة هذه... وليس أدل على ذلك سوى قضية الجدار الملتف حول القدس والخانق لها والسالخ والعازل لها عن محتواها الوطني بعد ان تم عزلها على محيطها العربي والإسلامي والإنساني....

أعتقد أننا وتجاه قضية القدس لا بد من أن نسمي الأشياء بمسمياتها... ولابد لنا من وقفة نقدية موضوعية تجاه السياسات الفلسطينية الرسمية تجاه القدس منذ إطلاق مسيرة التسوية السياسية وانجاز اتفاق أوسلو حينما كان الشعار السائد انذاك .. (أريحا غزه أولا...) وحينما كانت القدس وما زالت بندا مؤجلا أو مرحلا لما يسمى بمفاوضات المرحلة النهائية التي لن تنطلق ولن يُسمح لها بالانطلاق، وإن انطلقت فستكون القدس حينها غير القدس التي نتحدث عنها اليوم وهو ما تسعى إسرائيل لفرضه... قدس يشكل فيها العرب أقلية قومية تعيش على هامش المجتمع المقدسي وفقا للفهم "الإورشلايمي" للقدس التي تفرض أن يكون ثمة تنوعا شكليا للقدس.. وقدس خالية من المؤسسة الوطنية الفلسطينية القادرة على رعاية المشروع الوطني الفلسطيني الشعبي وحتى الرسمي، وقدس تُختصر بالمعنى الوطني لمجرد أماكن للممارسة الطقوس الدينينة التعبدية ليس أكثر وبصرف النظر عن الشكل والمضمون لهذه العبادة.

مرة أخرى، إن شعار القدس أولا وحتى يكون عمليا وفعليا لابد من أن نكف عن ممارسة التظاهرات الكلامية حول القدس وعن القدس... وكأننا نخاطب بعضنا البعض عما تتعرض له القدس، وهو الأمر الملاحظ بكل الندوات والأيام الدراسية المنعقدة عن القدس وللقدس... ولابد من تحمل المسؤوليات بالشكل والمضمون... ولابد من تصحيح الكثير من الأخطاء، وربما أيضا الخطايا التي ارتكبت ومكا زالت ترتكب بحق القدس... وفي هذا السياق لابد من أن تعود القدس إلى دائرة الإهتمام الفلسطيني أولا، وأن تصبح على رأس جدول اعمال مؤسستي الرئاسة والحكومة والمجلس التشريعي، وذلك على شكل قرارات متخذة وقابلة للتنفيذ من خلال خطط برامجية فعلية لتعزيز الوقائع العربية القومية للقدس أولا.... وذلك من خلال:

• انتهاج سياسة وطنية منسقة وشاملة تقوم على أساس العمل لتقديم القدس كأحد أهم أولويات جدول العمل الوطني الفلسطيني، ومنظمة التحرير والسلطة والفصائل الفلسطينية من جهة، وعلى رأس جدول أعمال المنظمات الدولية الدينية والثقافية من جهة ثانية.
• كل الامكانيات لابد أن تكون متاحة ومسخرة من أجل الدفاع عن القدس وحمايتها.
• تقديم الدعم المادي والمعنوي لسكانها لدعم صمودهم في ظل حملة التهويد الشرسة.
• "فتح معركة شاملة مع الإجراءات الاحتلالية في القدس، وتحديدا قضية سحب الهويات المقدسية والاستيلاء على العقارات وتسريبها، وهدم المنازل بذريعة عدم الترخيص، والتضييق على السكان لهجر المدينة".
• أهمية توفير مقومات الصمود لأهالي مدينة القدس، "لكونهم حجر الزاوية في كل ما يتعلق بقضية القدس، وضرورة مواجهة المخططات الإسرائيلية بشجاعة.


اعتقد أن تعزيز شعار القدس أولا يتطلب الكثير من الممارسات والأفعال لتعزيز مضمون هذا الشعار، وعلى سبيل المثال لا الحصر فإن عقد الإجتماعات ما بين الرئيس محمود عباس ورئيس الوزراء الإسرائيلي في القدس يؤكد ما ذهبت وتذهب اليه الحكومة الإسرائيلية ذاتها بفرض الأمر الواقع بأن القدس هي عاصمة الدولة العبرية... وهذا من حيث الشكل الذي يحمل الكثير من الدلالات والمفاهيم التي أرادت إسرائيل ومن خلال هكذا اجتماعات تحقيقها، وإن كانت مجرد لقاءات لا تغني ولا تسمن من جوع إلا أنها إسرائيليا حققت الكثير على صعيد القدس... وبالذهنية الدولية وحتى العربية لم تعد مسألة التسليم بالقدس عاصمة للدولة الإسرائيلية ذات حساسية لطالما أن الرئيس الفلسطيني وأركان مؤسسة الرئاسة الفلسطينية يعقدون اجتماعاتهم مع الإسرائيليين في القدس. وأعتقد أن هذا خلل لابد من تصحيحه إذا كانت النوايا الفلسطينية بالفعل سترفع شعار القدس أولا...

ملاحظة أخرى لا بد من إدراجها في هذا السياق حيث لا بد من أن تتوقف التظاهرات الكلامية والظواهر الصوتية حول القدس، وكأنه ومن خلال هذه الظواهر نكون قد أنجزنا حق الكفاح والنضال من أجل القدس فلا بد من إحلال الفعل ألبرامجي وتنفيذ المخططات على الأرض وان تسبق الأفعال الأقوال كما يقال..

أخيرا لابد من القول أن شعار القدس أولا لن يتحقق إلا حينما تعود المؤسسة الفلسطينية المقدسية إلى عقر دارها وإلى بيتها وعرينها، وأن يتولاها من هو قادر على إدارة اوركسترا الفعل الميداني المستند الى الخطط البرامجية التي تعكس أجندة المطلوب وطنيا وقوميا للقدس..

ملف خاص | انتخابات الكنيست 2019