حرب إدارة بوش على نهج المقاومة../ صبحي غندور **

تخضع عملية اتخاذ القرار لدى الإدارة الأميركية الحالية لاعتباراتٍ كثيرة أبرزها كيفية التوفيق الآن ما بين مصالح أميركا في محاولة إبقاء تفوقها العالمي الراهن، وبين مصالح القوى الأميركية المحلية الضاغطة التي ساهمت في دعم الرئيس بوش وإيصال إدارته الجمهورية إلى سدَّة الحكم في البيت الأبيض.

ولا شكَّ أنَّ تحقيق هذا المزيج بين «مصالح الدولة» و«مصالح النظام الحاكم» ليس دائماً بالأمر السهل، لكن ما ساعد هذا المزيج في الحياة السياسية الأميركية هو أنَّ الشعب الأميركي لم يكن يهتم كثيراً في شؤون السياسة الخارجية لأيَّة إدارةٍ حاكمة، أمَّا من جهةاهتماماته الداخلية فيمكن توجيهها من خلال وسائل الإعلام الكبرى وإثارة القضايا التي تضمن استمرارية نمط الحياة الأميركية في المجالين الاقتصادي والاجتماعي. لكن يوم 11 سبتمبر 2001 أفرز حالةً جديدة في المجتمع الأميركي، فقد أدرك الأميركيون أنَّهم ليسوا في جزيرةٍ منعزلة عن أحداث العالم، وبأنَّ ما يحدث في أقصى الشرق قد يصيب بتفاعلاته الأمنية والاقتصادية دولة أميركا القائمة في أقصى الغرب.

هذا الوضع الجديد استفادت وتستفيد منه الإدارة الأميركية الحالية لتحقيق أجندتها السياسية في داخل أميركا وخارجها. فمنذ 11 سبتمبر، يحرص الرئيس الأميركي، أو آخرون في إدارته السياسية والأمنية، على تذكير المواطن الأميركي يومياً بأنَّ أميركا هي في «حالة حرب».

وأهميَّة هذا البلاغ اليومي الرسمي بالتذكير في «حالة الحرب» ترتبط بالمنافع التي تجنيها الإدارة الحالية من ذلك. فحالة الحرب تعني أولوية الأمن على السياسة والاقتصاد، وتعني دعماً للإدارة في مشاريعها المتتالية أمام الكونغرس الأميركي، وتعني تساهلاً مع إجراءاتٍ أمنية يرى البعض أنَّها تتناقض مع طبيعة المجتمع الليبرالي الأميركي، وتعني أيضاً موافقة على تدعيم ميزانية المؤسسة العسكرية الأميركية والأجهزة الأمنية المتعددة رغم انتهاء الحرب الباردة وعدم وجود دولة كبرى معادية لأميركا الآن.وكم كان الرئيس الحالي بوش محظوظاً بأن يبدأ سنته الأولى في الحكم مع أزمةٍ أمنيةٍ كبرى لم تعرف أميركا مثيلاً لها من قبل.

فهذه «الأزمة المستمرّة» أعطت للرئيس الأميركي بوش خلال العهد الأول من إدارته «شرعية» قانونية و«شعبية» سياسية لم ينلهما في الانتخابات الرئاسية التي جاءت به للحكم في نهاية العام 2000، كما أدَّت هذه «الأزمة الأمنية» المستمرَّة إلى هيمنةٍ تشريعيةٍ للحزب الجمهوري، وإلى بروز دور المؤسسة العسكرية (وما وراءها من مصالح ومصانع) داخل الحزب الجمهوري وفي عملية صنع القرار الأميركي.

إذن، لن تكون هناك مصلحة للإدارة الحالية في وقف «حالة الحرب»، فالرئيس بوش وعدد من المسؤولين الأميركيين يؤكِّدون على أنَّ «الحرب ضدَّ الإرهاب» مفتوحة ومستمرَّة وغير محدَّدة زمنياً أو مكانياً، وهناك مصلحة كبيرة للإدارة والحزب الجمهوري في التركيز على المسألة الأمنية وخطر الإرهاب، خاصة في هذه الفترة الانتخابية التي ستقرر في نوفمبر المقبل مستقبل الهيمنة الجمهورية على مجلسي الشيوخ والنواب.

طبعاً يساعد على ذلك رفض الإدارة الأميركية لتحديد دولي لمعنى الإرهاب وأسبابه، فكلَّما كان موضوع الإرهاب مطَّاطاً، كلَّما استطاعت واشنطن أن تختار الزمان والمكان والعدو ووسائل المواجهة. فعدم موافقة واشنطن على تحديد دولي لمفهوم الإرهاب، هو المدخل لضمان حقّ أميركا وحدها بتحديد من هو الإرهابي، وكيف ومتى يجب مواجهة هذا الإرهابي. وقد كانت هذه المقولة هي الوسيلة التي برّرت غاية الحرب على العراق كما هي المبرّر الآن للتصعيد الأميركي ضدَّ إيران.

ويترافق مع هذه الحالة الأميركية الغامضة عن مفهوم الإرهاب، وضوح في الموقف الأميركي حول كافَّة أنواع المقاومة ضدَّ الاحتلال الإسرائيلي. فقد وضعت واشنطن في سلَّة الإرهاب الواحدة كلَّ جماعات المقاومة للاحتلال الإسرائيلي، في داخل فلسطين وفي لبنان، ولم تميّز بين حقّ أيّ شعبٍ محتل بمقاومة الاحتلال، وبين إدانتها لكيفية تطبيق هذا الحق؛ الذي قد يكون بحجارة كما كانت بداية الانتفاضة، أو بعمليات عسكرية ضدَّ جيش الاحتلال في الضفة وغزة وجنوب لبنان، أو ربّما يكون بعمليات ضدَّ مواقع مدنية في إسرائيل.

فمن حقِّ أميركا وغيرها الاعتراض على العمليات العسكرية الفلسطينية داخل إسرائيل، لكن كيف تريد واشنطن نزع هذا الحق من الشعب الفلسطيني في الضفة وغزة في حين أنَّ العالم كلّه قد اعتبر أنَّ الأراضي التي استولت عليها إسرائيل عام 1967 هي أراض محتلة!

فالمستهدَف أميركياً الآن هو كل الجماعات العربية التي تستخدم المقاومة المسلحة (دون تمييزٍ طبعاً بين فئةٍ وأخرى)، ولقد ضغطت واشنطن ـ وستضغط أكثر ـ على أطراف عربية من أجل وقف دعم جماعات المقاومة كلّها (حتى في إطار المؤسسات الإنسانية والخيرية)، وللحدّ من النشاط السياسي والإعلامي لهذه الجماعات، مع التركيز الآن على الساحة الفلسطينية تمهيداً لتدخّل أميركي مع الحكومة الإسرائيلية من أجل العودة إلى المفاوضات مع السلطة الفلسطينية بعد تشكيل حكومة الوحدة الوطنية وإعادة إحياء دور التيّار الفلسطيني المفاوض على حساب التيّار المقاوم.

ومن الطبيعي أن يتزامن هذا التحرك الأميركي المرتقب مع هدوءٍ على الجبهة اللبنانية حصيلة القرار 1701، ممَّا يعطِّل خلال هذه المرحلة أيَّ دور عسكري لكلّ جماعات المقاومة في الصراع العربي/الإسرائيلي، وممّا تراه واشنطن إضعافاً للدور السوري وللتأثير الإيراني في تطورات المنطقة.

إنَّ مشكلة أميركا في المنطقة العربية تحديداً مازالت تتأزَّم حصيلة «ازدواجية» المواقف الأميركية في مسألة الإرهاب. فحينما تعتدي إسرائيل على الفلسطينيين واللبنانيين، تجد واشنطن الأعذار المناسبة لهذا السلوك الإرهابي الإسرائيلي، لكن حينما يقاتل اللبنانيون والفلسطينيون جيش الاحتلال الإسرائيلي فإنَّ أميركا تتبنَّى فوراً مقولة إسرائيل إنَّ مقاومة الاحتلال هي من الأعمال الإرهابية!

ومازالت واشنطن تكرّر مطالبة السلطة الفلسطينية باتخاذ «كافَّة الإجراءات» لوقف العنف من جانب من يقاومون الاحتلال، بينما ترفض واشنطن اعتبار ما تقوم به إسرائيل إرهاباً أو مسؤولاً في الحدِّ الأدنى عن استمرار أعمال العنف في المناطق الفلسطينية المحتلة. فواشنطن لم تعتبر حتى الآن بأنَّ أراضي الضفة وغزة خاضعة للاحتلال، وهي تدعم التسميات الإسرائيلية التي جاءت في اتفاقيات أوسلو وما بعدها، بأنَّ الجيش الإسرائيلي يقوم بإعادة انتشار داخل الضفة وغزة، ممَّا يعطي لإسرائيل «أحقيَّة» العودة إلى المدن التي انسحبت منها كلّما ارتأت ذلك.

هنا تقع الملامة أيضاً على من قَبِلَ من العرب بمرجعية واشنطن وحدها لمعالجة الصراع العربي الإسرائيلي، في وقتٍ لم تميِّز فيه واشنطن نفسها عن السياسة الإسرائيلية، خاصّةً لجهة كيفية رؤية الأراضي المحتلة ومدى حقّ الشعب الخاضع للاحتلال بأن يقاوم هذا الاحتلال.

ومن المهم أن تدرك واشنطن أنَّ جذور أزمتها و«صورتها المشوَّهة» في المنطقة العربية تعود لهذا «الزواج الأميركي الإسرائيلي» منذ الستينات، والتي أضافت سياسات وممارسات إدارتها الراهنة ـ وفي مقدمتها احتلال العراق ـ إلى الأزمة الأميركية تأزّماً، والنار العربية اشتعالاً.

فجذور أزمة أميركا مع المنطقة لا ترتبط بحالةٍ دينية أو ثقافية، ولا أيضاً بطبيعة أنظمة أو حكومات، ولا هي حتما من إفرازات حركاتٍ أصولية متطرفة هنا أو هناك.. بل ربَّما مشكلة أميركا أنَّها تدرك ذلك جيداً، لكنَّها تريد أن تقنع العرب بأنَّ مشكلتهم هي مع أنفسهم، فتريح واشنطن نفسها من عناء هموم «الانفصال المؤقت» عن الزوج الإسرائيلي، وتجعل الحال العربي بعضه يمزِّق بعضاً !!.


** مدير «مركز الحوار العربي» ـ واشنطن

ملف خاص | انتخابات الكنيست 2019