خاتمة الحكومات../ خليل شاهين*

أياً تكن الخيارات التي سيواجهها النظام السياسي الفلسطيني للخروج من حالة الاستعصاء الراهنة، سواء بالتوافق على خيار تشكيل حكومة وحدة وطنية، أو بالافتراق عند خيار إقالة الحكومة الحالية وتشكيل حكومة طوارئ، أو غير ذلك من خيارات ذات طابع دراماتيكي، فإن السؤال الذي يغيب، أو يتم تغييبه، عن أذهان فلسطينيين كثر، هو: ما العمل في اليوم التالي للإقدام على أي من هذه الخيارات؟ وبصيغة أكثر تبسيطا: لماذا يقرر الساسة من هذا الفصيل أو ذاك اعتماد خيار معين؟ وما هي حسابات الربح والخسارة للصالح الوطني العام، وللصالح التنظيمي الخاص؟

ينطوي كل من الخيارات المتداولة على مخاطر، لكن أقلها كلفة يبدو خيار تشكيل حكومة وحدة وطنية، كما يحظى بتأييد غالبية الرأي العام الفلسطيني، وفق نتائج ثلاثة استطلاعات أجريت في الآونة الأخيرة. وقبل كل ذلك، فهو يبعد الفلسطينيين عن خطر الانزلاق نحو مواجهة داخلية دموية بين طرفي الاستقطاب الداخلي الحاد: "فتح و"حماس"، إذا ما دفع الرئيس محمود عباس، تحت وطأة ضغوط داخلية وخارجية، لاستخدام "صلاحياته الدستورية" التي تتيح له إقصاء "حماس" عن سدة الحكم إلى حين.

التوافق لا الافتراق، هو السبيل لدرء مخاطر محاولة حسم الصراع الدائر على السلطة بقوة السلاح، وتحقيقه أمر واقعي إذا عاد قطبا سلطة الرأسين: الرئيس محمود عباس، ورئيس الوزراء إسماعيل هنية، للتوافق على محددات البرنامج السياسي لحكومة الوحدة الوطنية، التي تم التوصل إليها قبيل زيارة عباس إلى الولايات المتحدة.

ورغم "واقعية" المطالبة بالتوافق على تشكيل حكومة وحدة قادرة على ترويج برنامج تنفتح أمامه جزئيا فرصة النجاح بإعادة ترميم "الشراكة" الفلسطينية مع المحيطين الإقليمي والدولي، لاسيما ضمن دائرة حوض البحر الأبيض المتوسط، فإن التساؤل يبقى: ما العمل في اليوم التالي لتشكيل هذه الحكومة؟ وهو سؤال يمكن أن "يفرخ" مجموعة تساؤلات، مثل: إلى متى تصمد "الشراكة" الفلسطينية الداخلية في إطار حكومة وحدة وطنية؟ كم من الوقت ستعمر حكومة كهذه إذا استمرت بعض أشكال الحصار، لاسيما المالي، مفروضة ـ ولو جزئيا ـ على هذه الحكومة؟ كيف ستكون العلاقة بين الحكومة والمجلس التشريعي ذي الأغلبية الحمساوية؟ كيف ستكون العلاقة بين رئيس يفاوض ورئيس وزراء يرفض التفاوض؟ كيف ستكون العلاقة بين الحكومة و"التشريعي" ومنظمة التحرير التي لا تنضوي "حماس" في إطارها؟ وهل سيطول الوقت قبل أن يعود الفلسطينيون إلى المربع الأول: جدل حول خيارات تشكيل الحكومة التالية، إذا فشلت حكومة الوحدة في مواجهة ما يطرحه "اليوم التالي" من تحديات؟

مثل هذه التساؤلات، وربما غيرها، يلقي ظلالا من الشك حول مصير حكومة الوحدة بعد أشهر من تشكيلها؛ فهي تبدو مخرجا ضروريا من حالة الاستعصاء الراهنة، وتخفف من الاحتقان الداخلي، وتعزز الوحدة الداخلية في مواجهة السياسة الإسرائيلية العدوانية من جهة، والضغوط الخارجية من جهة أخرى، غير أنها ـ في المقابل ـ تؤجل الإجابة عن أسئلة كبرى تتجنبها القوى الوطنية الإسلامية منذ بدأت دورة حواراتها الداخلية اللامتناهية. وفي سياق هذا التأجيل، ترّحل الأزمة بانتظار وصولها إلى ذروة أشد تعقيدا قد لا يتاح الخروج منها إلا بخيار حسم الصراع على السلطة بالقوة.

وفي الأسئلة الكبرى، تبرز أهمية التفكير بمخرج من دائرة تشكيل الحكومة تلو الحكومة في مجتمع ما قبل الدولة، وهي حالة تعكس أحد تجليات مأزق الإخفاق في تحويل مشروع الحكم الذاتي المحدود إلى دولة، أو الانتقال من السلطة إلى الدولة. ولا يعني استمرار "ملهاة" الصراع على تشكيل الحكومات، من دون انفتاح أفق المسار السياسي نحو الدولة المستقلة وفق الرؤية الفلسطينية، سوى تأبيد الحالة الراهنة، أي مواصلة اجترار "مرحلة أوسلو الانتقالية" مع تكيف السلطة الفلسطينية، إراديا أو لا إراديا، من حيث الدور والوظيفة والصلاحيات، مع المشروع الإسرائيلي أحادي الجانب، الرامي إلى إعادة تحديد دور ووظيفة السلطة بوصفها بلدية كبرى تقدم خدمات للتجمعات الفلسطينية في الكانتونات التي يجري تحديد نطاقها الديمغرافي خارج حدود جدار الفصل العنصري، وبين الكتل الاستيطانية والشوارع الالتفافية.

ولعل المخرج المتاح من هذه "الملهاة" يتمثل بتوافق القوى الوطنية والإسلامية على تشكيل حكومة وحدة وطنية "مؤقتة" وفق بنود "وثيقة الأسرى" ومحددات "برنامج عباس ـ هنية"، بحيث تكون "خاتمة الحكومات" ما قبل الدولة، وتتحدد مهماتها بالعمل لفترة مؤقتة قد تصل إلى عام واحد فقط، يتم خلاله العمل على تحقيق رسالتين خارجية وداخلية، على النحو التالي:

خارجيا: يعني تشكيل حكومة وحدة مؤقتة توفير فترة اختبار لمدة عام، يتم خلاله التحقق من مدى انفتاح أفق المسار السياسي بما يفضي إلى تحويل مشروع الحكم الذاتي إلى دولة. وبمعنى آخر، يختبر في هذه المرحلة مدى استعداد إسرائيل للانخراط في تسوية سياسية تفضي إلى حل يقوم على أساس رؤية الدولتين وفق قرارات الأمم المتحدة ذات الصلة، وكذلك مدى جدية المجتمع الدولي، لاسيما الولايات المتحدة الأميركية وباقي أطراف اللجنة الرباعية، في الانخراط الفعلي في ورشة تؤدي إلى حل الصراع الدائر في المنطقة، وفي جوهره القضية الفلسطينية وفق الرؤية السابقة، التي تكفل تحقيق برنامج الحد الأدنى المقبول فلسطينيا.

في نتائج "اختبار" كهذا، تتحدد الرؤية الفلسطينية للمستقبل؛ فإذا انفتح أفق المسار السياسي على إمكانية تحويل سلطة الحكم الذاتي إلى دولة، تكون حكومة الوحدة آخر حكومات ما قبل الدولة، وإذا سدت آفاق المسار السياسي نحو الدولة، يصل "حل الدولتين" إلى نهايته المأساوية، على الأقل إلى زمن بعيد، ولا يعود الفلسطينيون بحاجة إلى استمرار اجترار مرحلة لم تعد "انتقالية" وفق "منطق أوسلو"، وبالتأكيد فهم لن يكونوا بحاجة إلى استمرار الغرق في مستنقع وهم تشكيل الحكومة تلو الأخرى، وتمثيل دور "الدولة".

وسوف يترتب على الإخفاق في الانتقال إلى الدولة المستقلة، استنتاج ينطوي على انعطافة تاريخية ينبغي على الفلسطينيين أن يضعوا العالم في صورتها منذ لحظة تشكيل حكومة الوحدة المؤقتة، وهي انكشاف مأزق تحقيق "المشروع الوطني" القائم على برنامج الأضلاع الثلاثي: إقامة الدولة المستقلة وعاصمتها القدس، عودة اللاجئين إلى ديارهم، وممارسة حق تقرير المصير. ولن يكون أمام الحركة الوطنية الفلسطينية، في ضوء ذلك، سوى إعادة بلورة المشروع الوطني على قاعدة خيارين: إما حل الحكومة وإعادة تعريف هذا المشروع كمشروع تحرر وطني يستلزم المزيد من الكفاح والزمن للوصول إلى الاستقلال الوطني في دولة، أو التمسك بالبقاء على أرض الوطن والنضال في سبيل دولة واحدة لشعبين، لا دولتين لشعبين، وهو خيار يتطلب، أيضا، حل الحكومة.

غير أن ذلك لا يجب أن يعني "حل السلطة"، كما يطالب البعض في الساحة الفلسطينية، بل تفكيك بعض أجزائها، أو قل معالجة بعض الثغرات الكبرى بالبتر، أي إلغاء الحكومة ومناصبها "الوزارية" القائمة حاليا، مع الحفاظ على الهيكل الأدنى وتحويله إلى دوائر أو مؤسسات تابعة للجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، وكذلك التمسك بمكتسبات المرحلة الماضية، لاسيما التجربة الانتخابية، ما يعني الحفاظ على المجلس التشريعي من خلال الدمج بين النواب المنتخبين وأعضاء المجلس الوطني المتواجدين في الأراضي الفلسطينية، خلال فترة مؤقتة، إلى حين التمكن من إجراء انتخابات تشريعية جديدة.

وفي نهاية المطاف، فإن حل الحكومة وتحويل وظائفها إلى منظمة التحرير يوجه رسالة واضحة إلى العالم مفادها تغيير قواعد اللعبة القائمة على التعامل مع السلطة بوصفها "دولة" وهمية تترتب عليها التزامات تفوق الطاقة عندما يتعلق الأمر بالحفاظ على "أمن" إسرائيل، والتعامل مع المجتمع الدولي، في حين يعفى الأكراد في شمال العراق، مثلا، من أية التزامات تترتب على الدول، رغم أن بنيتهم المؤسساتية أكثرا اقترابا من الفلسطينيين إلى "الدولة". وبهذا المعنى، يعيد الفلسطينيون تعريف أنفسهم أولا بوصفهم شعبا خاضعا للاحتلال، تترتب على المجتمع الدولي، ومن قبله السلطة المحتلة، التزامات محددة تجاهه بموجب القانون الدولي ومواثيق وقرارات الأمم المتحدة، فيما لا تترتب على هذا الشعب أي التزامات تتجاوز تلك الالتزامات ذات الأولوية لأية حركة تحرر عرفها العالم، وأولها النضال في سبيل التحرر من الاحتلال.

داخليا: يعني "بتر" مستوى "التشكيلة الحكومية"، وضع حد لمفهوم "الذراع السياسي" الذي يعتبر السلطة الفلسطينية "ذراعا" لمنظمة التحرير، وهو مفهوم محظور أباحته ضرورات اتفاق "أوسلو"، ولكن البعض بات يعتبره "فلسفة" تقترب من مستوى "الثوابت الوطنية المقدسة" في سجاله مع أصحاب وجهات النظر التي تطالب بحل السلطة، أو تفكيك بعض أجزائها. فخلف "فلسفة الذراع"، وبسببها أحيانا، تآكل دور المنظمة ـ الجسد لصالح دور السلطة ـ الذراع، ونشأ ذلك التعارض في المرجعيات والصلاحيات بينهما، وما ترتب على ذلك من صراعات. وإذا كان العمل بمفهوم "الذراع" مفهوما خلال السنوات الأولى بعد قيام السلطة، فإنه لم كذلك بعدما داست إسرائيل بجنازير دباباتها الاتفاقيات الموقعة مع منظمة التحرير، ووجهت معها الضربة تلو الأخرى لبنية ودور السلطة الفلسطينية وأجهزتها المدنية والأمنية، بل إن اللجنة التنفيذية للمنظمة باتت تجتمع في مقر "المقاطعة" وسط رام الله أكثر مما تفعل الحكومة، وتفتي في كل صغيرة وكبيرة مما يعتبر مهمات وصلاحيات كانت موكلة قبل الانتخابات التشريعية الأخيرة إلى "الذراع السياسي".

إن من شأن تفكيك الحكومة، في حالة انسداد أفق الانتقال إلى الدولة، أن ينهي تنازع الصلاحيات والوظائف بين المنظمة و"ذراعها"، وأن يحيل مهمات "الذراع" إلى اللجنة التنفيذية للمنظمة التي تشكل بدورها هيكلا قياديا (سلطة حكم ذاتي، قيادة وطنية موحدة..) تكون مهمته تولي شؤون إدارة المجتمع الفلسطيني تحت الاحتلال، من خلال مؤسسات أو دوائر (التخطيط، الاقتصاد، العمل، التعليم، الصحة، شؤون الأسرى، الشباب والرياضة، الثقافة، وغير ذلك من مجالات تتولاها حاليا الوزارات). كما أن من شأن ذلك، أن ينهي معه ذلك التنازع حول صلاحيات مؤسستي الرئاسة ورئاسة الوزراء، مع إلغاء المنصبين عند "بتر" الحكومة من النظام السياسي القائم، وهو أمر يعني العودة للاكتفاء بمنصب القائد لحركة التحرر الوطني (رئيس اللجنة التنفيذية)، وشطب منصب "الرئيس الوهمي".

ولا شك بأن التمسك بالتجربة الانتخابية من خلال الحفاظ على المجلس التشريعي ودمجه خلال فترة انتقالية بالمجلس الوطني بانتظار توفر ظروف لإجراء الانتخابات في الأراضي الفلسطينية، وحيثما أمكن في الخارج، سيمكن الفلسطينيين من إدخال التعديلات القانونية اللازمة على القانون الأساسي، وباقي القوانين سارية المفعول، لتتماشى البيئة القانونية المنظمة لحياة المجتمع الفلسطيني مع متطلبات مثل هذه الانعطافة في بنية ودور النظام السياسي الفلسطيني. وفي نهاية المطاف، فإن الانتخابات والإصلاح وإدارة شؤون المجتمع الفلسطيني بأنجع الصور ستبقى حاجة فلسطينية زال الاحتلال أم بقي، قامت الدولة أم لم تقم.

وقبل الوصول إلى كل ذلك، سيكون أمام الفلسطينيين عام كامل خلال فترة حكومة الوحدة المؤقتة للانخراط في حوار جدي لإعادة تشكيل منظمة التحرير على قاعدة مشاركة جميع الفصائل في أطرها، لاسيما حركة "حماس"، وفق برنامج وطني يتم التوافق عليه بين مختلف الفصائل وممثلي المنظمات الأهلية والنقابات والأطر النسوية والقطاع الخاص. كما ستتيح هذه الفترة فرصة لوضع برنامج واقعي لحل مشكلة عشرات الآلاف من الموظفين في القطاع العام والأجهزة الأمنية، عن طريق تخفيف هذا العبء بالتعاون مع القطاع الخاص، وبدعم عربي، وبحيث يضم الجهاز الوظيفي في مرحلة ما بعد حل الحكومة ما تحتاجه منظمة التحرير فعلا لإدارة شؤون المجتمع الفلسطيني والزج بطاقاته في الكفاح ضد الاحتلال.

ليس أمام الفلسطينيين سوى الانخراط في ورشة جدية لإعادة بناء الحركة الوطنية الفلسطينية في إطار منظمة التحرير، فهذا المشروع هو القادر وحده على قيادة الشعب الفلسطيني في كامل الأرض المحتلة منذ العام 1967، مقابل مشروع السلطة الذي تجري عملية تحديد دوره ووظائفه كبلدية كبرى في نطاق الكانتونات التي ترسم السلطة المحتلة حدودها بقوة السلاح والجدران والاستيطان. وللنجاح في ذلك، لا ينبغي للفلسطينيين أن يسمحوا باستمرار "ملهاة" تشكيل حكومات تؤبد الحكم الذاتي المحدود في مثل هذه الكانتونات، أما الخطوة الأولى فهي التوافق على تشكيل حكومة وحدة وطنية مؤقتة تكون "خاتمة الحكومات" ما قبل الدولة.


* كاتب فلسطيني مقيم في رام الله.

ملف خاص | انتخابات الكنيست 2019