دعوة إلى اصحاب المبادرات العربية في الشأن الفلسطيني/ د.محمد المسفر

اتمنى من كل قلبي ان يجد اصحاب المبادرات والنصائح التي تقدم الى الاخوة في قيادة حماس هذه الايام فسحة من الوقت لقراءة هذه الاسطر، علها تفيدهم وهم يصوغون مضامين مبادرتهم من اجل ايجاد مخرج من الازمة الراهنة التي تقودها بعض عناصر حركة فتح ضد الحكومة الفلسطينية.

منذ خمسين عاما والعرب يقدمون لاسرائيل مبادرة سلام تلو الاخرى وكلها تقابل بالرفض المطلق، لم نسمع ولو مرة واحدة ان اسرائيل قدمت مبادرة سلام واحدة.

في عام 1974 اقر المجلس الوطني الفلسطيني برنامجه المرحلي الذي يدعو الي قيام سلطة وطنية فلسطينية على اراضي الضفة الغربية وغزة التي احتلت عام 1967، يعني ذلك القبول باسرائيل على الجزء الاخر من فلسطين، المشروع الفلسطيني المشار اليه كان بناء على نصيحة عربية. اقفز فوق حروب عامي 78، 81 التي شنت على الفلسطينيين في لبنان بهدف قهرهم وانتزاع تنازلات منهم.

في عام 1982 اجتاحت اسرائيل لبنان لارغام الفلسطينيين على الخروج منه، واخرجتهم فعلا ولم يهتز شارب زعيم عربي واحد بل خيم الصمت عليهم، وبعد اشهر طويلة تمخضت الجماجم العربية وقررت الاجتماع في الرباط على مستوى القمة، وفي ذلك الاجتماع تقدم ملوك العرب وقادتهم بمبادرة تضمنت تنازلات لصالح اسرائيل بعد اجراء ضغوط نفسية واقتصادية وامنية على القيادة الفلسطينية لقبولها، وقيل للفلسطينيين في حينه اقبلوا بمبادرتنا وسنحقق لكم مطالبكم في بناء الدولة الفلسطينية وعودة اللاجئين الى ديارهم واستعادة القدس، وقبل الفلسطينيون المبادرة تلك على مضض، وكانت النتيجة صفرا لصالح الفلسطينيين.

في عام 1983 لكي ينسى الفلسطينيون مأساة ما تنازلوا عنه انفا جروا الى حرب مهلكة في شرق لبنان وشماله وامتدت الحرب الى المخيمات في بيروت وجنوب لبنان وامتدت هذه الحرب حتى عام 85. قيل في حينه: الفلسطينيون ضيعوا املهم في قيام دولتهم نتيجة لهذه الحروب، ولكن لم يسأل احدهم عن اسباب تلك الحروب ولا عن من اشعلها، وقيل يومها لكي ينال الفلسطينيون حقوقهم عليهم الاعتراف بالواقع الدولي وعليهم ان يقدموا تنازلات اكثر حتى يستطيع القادة العرب تسويق القضية الفلسطينية في المجتمع الدولي.

في عام 1985 (اتفاق عمان) قبل الفلسطينيون كل قرارات الشرعية الدولية وقبلوا بمبدأ الارض مقابل السلام وذلك بموجب ضغوط عربية، وطلب منهم ايضا اعلان نبذ الارهاب ، والعبارة الاخيرة تعني رفض مقاومة الاحتلال عن طريق القوة وقد صنفت جميع اعمال المقاومة الوطنية في فلسطين بأنها اعمال ارهابية من قبل امريكا واسرائيل.

في عام 1988 تم اعلان الدولة الفلسطينية وفرح العامة بذلك الخبر وفاتهم ان ذلك الاعلان ما هو الا ذريعة من اجل اعلان الاعتراف ضمنيا بدولة اسرائيل والقبول بكل الشروط والمطالب الامريكية والاسرائيلية ولم يعط الفلسطينيون حتى كلمة شكر ولو كاذبة من اي طرف دولي او عربي.

عام 1998 تم تعديل الميثاق الوطني الفلسطيني بموجب امر امريكي اسرائيلي وضغوط من بعض الدول العربية المتنفذة في عالمنا العربي ومن بعض الفلسطينيين المتنفذين، وعلى ذلك حذف من الميثاق الوطني 12 مادة حذفا نهائيا، وعدلت 16 مادة اخري من المواد الجوهرية في الميثاق استجابة لاوامر امريكية صهيونية ومساعدة عربية كل ذلك بدون مقابل للفلسطينيين.

عام 2000 تبنت القمة العربية التي عقدت في بيروت مبادرة سعودية تضمنت الى جانب امور اخرى، الانسحاب الكامل مقابل تطبيع كامل، وقبل ان يغادر معظم الملوك والرؤساء العرب بيروت كان رد اسرائيل على تلك المبادرة عمليا اجتياح مدن وقري الضفة الغربية من فلسطين وارتكاب مجازر ضد المدنيين اشهرها مجزرة مخيم جنين، وشددت الحصار على رئيس السلطة الفلسطينية ياسر عرفات، ومنعت خروجه من مكتبة في المقاطعة في رام الله، وكانت النهاية انه مات مسموما ولم تشفع له كل التنازلات التي قدمها لصالح اسرائيل.

امريكا طلبت من السلطة الفلسطينية ـ محمود عباس ـ اجراء اصلاحات ديمقراطية ومحاربة الفساد بعد استشهاد عرفات مسموما فكانت الانتخابات وشهد الغرب والامريكان بنزاهتها وفازت حركة حماس في هذه الانتخابات بالاغلبية البرلمانية وكان حظها العاثر ان تشكل حكومة وتحت الضغوط واللاءات امتنعت الفصائل الاخري عن المشاركة في هذه الحكومة ولكل اسبابه المقبولة وغير المقبولة، وتشكلت الحكومة من الحزب الفائز ورفضتها امريكا واسرائيل وحركة فتح الفلسطينية وتم حصار الحكومة والشعب معا عقابا على اختياره حزب حماس.

ما هو المطلوب اليوم من حزب حماس عربيا ودوليا؟

تحت ذريعة رفع الحصار، مطلوب من الحزب الفائز الاعتراف باسرائيل وقرارات الشرعية الدولية وكل التنازلات التي قدمها الحزب السابق فتح لصالح اسرائيل واطلاق سراح الجندي الاسرائيلي الاسير وان تكون رئاسة الحكومة والادارات ـ الوزارات ـ الهامة ليست من نصيب حزب حماس.

للاستجابة لهذه المطالب تقول حماس، نريد ضمانات عربية وامريكية باطلاق سراح الاسرى الفلسطينيين العشرة الاف بما في ذلك الذين اعتقلوا حديثا، اعتراف اسرائيل بكل قرارات الشرعية الدولية فيما يتعلق بالشأن الفلسطيني وتفكيك المستوطنات ووقف بناء السور العازل وهدم ما تم بناؤه منه، اعلان القبول بقيام الدولة الفلسطينية على الاراضي الفلسطينية التي احتلت عام 1967 بما في ذلك القدس الشرقية.

اخر القول قد تقولون مطالب صعب تحقيقها، ولكن اقول: ستبقى المشكلة قائمة الى ان يستجاب لتلك المطالب وارجو ان لا تكونوا كمن سبقكم من الحكام العرب اعطى ولم يأخذ.


"القدس العربي"

ملف خاص | انتخابات الكنيست 2019